vatican media

مؤتمر صحفي للبابا لاون الرابع عشر في طريق عودته من باريس إلى روما

النص الكامل للمؤتمر الصحفي الذي عقده البابا لاون الرابع عشر في طريق عودته من فرنسا إلى روما يوم الاثنين 28 أيلول 2026

Share this Entry

ماتّيو بروني

مساء الخير، صاحب القداسة. شكرًا لكم على هذه الأيّام التي قضيناها في الزّيارة، والتي كانت مكثّفة. بالتّأكيد كانت زيارة منتظرةً جدًّا، أسعدت الكثير من الفرنسيّين بحضوركم وكلامكم، وأفكّر في أنّ كلامكم لامس أيضًا أحاسيس الشّعب الفرنسيّ العميقة. وأفكّر في أنّه أسعد أيضًا الكثير من الكاثوليك والمسيحيّين، الذين شعروا بأنّهم قد ثُبِّتوا في الإيمان. ولكن، ربّما يمكنكم أن تبدؤوا وتقولوا لنا كيف عشتم أنتم هذه الزّيارة.

البابا لاوُن الرّابع عشر

سأبدأ بالكلام باللغة الإنكليزيّة. وبعد ذلك، إن احتجتم إلى ترجمة، يمكننا أن نتعاون في ذلك. أوّلًا، أشكركم مرّةً أخرى على العمل الذي قمتم به. أفكّر في أنّكم كنتم منشغلين جدًّا طوال الأيّام الأربعة الماضية، وبمعنى ما، كان البرنامج مكثّفًا جدًّا.

كانت الأيّام الأربعة مفعمة حرفيًّا بالبركات الكثيرة. يمكنني أن أقول إنّها كانت تقريبًا معجزات، لا سيّما الوقت الذي أمضيته في مزار لورد، إذ سرتُ مع كثير من المرضى والمتألّمين ورافقتهم، ورأيت كيف تجلّت نعمة حضور الله بطرق كثيرة ومتنوّعة، وكيف مسّت قلوب النّاس، وحوّلت حياتهم، وكما قلت سابقًا، أعادت الكرامة إلى المرضى والمسنّين والمستبعدين في بعض قطاعات المجتمع.

لذلك، كانت هناك علامات كثيرة، وتعابير كثيرة، ورموز كثيرة طوال الأيّام الأربعة. شعرتُ شخصيًّا بأنّني نلتُ أنا أيضًا بركةً كبيرة، إذ أُتيحت لي فرصة زيارة فرنسا، لا سيّما لكي أشجّع الشّباب الذين يبحثون، بطبيعة الحال، عن شيء ما.

كان ذلك واضحًا جدًّا في المدرّج، في المساء الذي اجتمع فيه ثمانون ألف شابٍّ وشابّة من مختلف أنحاء فرنسا، مع حماسهم وفرحهم وروح الرّجاء التي أظهروها، وقبل كلّ شيء، أعتقد أنّهم هم أنفسهم قد تلقّوا هذا الرّجاء، وسيتمكّنون من مشاركته مع الآخرين.

لهذا، من بين الأمور الكثيرة والمتنوّعة التي احتفلنا بها وعشناها خلال هذه الأيّام الأربعة، أقول إنّ هذه كانت بعض أهمّ المحطّات، من دون أن يعني ذلك استبعاد غيرها، لكنّها كانت ذات أهمّيّة خاصّة. وأنا سعيد جدًّا لأنّكم رافقتموني في هذه الزّيارة، والآن، إن كانت لديكم بعض الأسئلة.

ماتّيو بروني

السّؤال الأوّل من سيرياك زيلر (Cyriac Zeller)، وهو يعمل مع وكالة الأنباء الفرنسيّة (I-Media)

سيرياك زيلر (Cyriac Zeller)، وكالة الأنباء الفرنسيّة (I-Media)

مساء الخير، صاحب القداسة. بالأمس، خلال مؤتمر صحفيّ، أخبرنا الضّحايا الذين التقيتم بهم، أنّكم اعترفتم لهم بالطّابع المنهجيّ للاعتداءات الجنسيّة في الكنيسة. هل هذا صحيح حقًّا؟ هل يمكنكم أن تشرحوا لنا موقفكم من هذه المسألة؟ هل تعتبرون أنّ الاعتداءات الجنسيّة في الكنيسة ذات طابع منهجيّ؟

البابا لاوُن الرّابع عشر

أودّ أن أقول، دون أن أرغب في مناقضة أحد، لأنّني أعتقد أنّ هذا أمر مهمّ جدًّا، أودّ أوّلًا وقبل كلّ شيء أن أشير إلى أنّني، عندما التقيتُ الضّحايا السّبعة، طلبتُ منهم أيضًا أن يساعدوني في التّعبير للضحايا الآخرين عن استعدادنا، أنا والكنيسة، للإصغاء إليهم ومرافقتهم في مسيرة شفائهم، مع الاعتراف بالألم الذي تسبّبت به في حياتهم حالات الاعتداء.

تكلّم كثيرون منهم على الاعتداءات المنهجيّة. أنا شخصيًّا، أفضّل أن أعبّر عنها بطريقة مختلفة، على الرّغم من أنّي تكلّمت على بعض المؤسّسات داخل الكنيسة التي تصرّفت أحيانًا بأسلوب مسيء كأنّها منظّمة، إن صحّ التّعبير.

أفكّر في أنّه من المهمّ التّمييز بين الأمرين. فالاعتداء الجنسيّ هو، قبل كلّ شيء، مشكلة إنسانيّة. وعندما يحدث داخل الكنيسة، يكتسب بُعدًا مختلفًا تمامًا، لأنّ حياة النّاس الإيمانيّة تُجرح في العمق، بل قد تُدمَّر أحيانًا.

الكنيسة تتحمّل مسؤوليّة خاصّة في مرافقتهم ومساعدتهم على طلب الشّفاء. بهذا المعنى، تكلّمت معهم على كيف أنّ الكنيسة، بطريقة ما، اعتُبرت مسؤولةً عن ذلك، وفي الوقت نفسه، أعتقد أنّ الكنيسة هي جزء مهمّ لمساعدتهم ليجدوا الشّفاء.

ماتّيو بروني

شكرًا، سيرياك. السّؤال الثّاني، صاحب القداسة، من كزافييه نورماند (Xavier Normand)، الذي يعمل في المجلّة الفرنسيّة (Le Pèlerin)

كزافييه نورماند (Xavier Normand)، المجلّة الفرنسيّة (Le Pèlerin)

أيّها الأب الأقدس، مساء الخير. أوّلًا، أودّ أن أشكركم على زيارتكم الرّسوليّة إلى فرنسا. لمدّة أربعة أيّام، عاش بلدنا على إيقاع الحماس العام الذي أثارته زيارتكم. وهذا في فرنسا إنجاز بحدّ ذاته. شكرًا لكم، أيّها الأب الأقدس.

سأتابع سؤالي باللغة الإنكليزيّة. كان شعار زيارتكم الرّسوليّة: “لكي تكون للعالم الحياة”. وقد تكرّر موضوع رعاية الإنسان في نهاية الحياة في كلماتكم. في الواقع، أعتقد أنّكم ذكرتموه في أكثر من نصف كلماتكم في فرنسا. أفكّر بشكلٍ خاصّ في الكلمة التي ألقيتموها في قصر الإليزيه، وفي مزار لورد بالأمس، عندما أكّدتم أنّ ما هو قانونيّ ليس بالضّرورة أخلاقيّ، في إشارة واضحة إلى إعطاء صفة قانونيّة للموت الرّحيم مؤخرًا في فرنسا. في فرنسا، يسود أيضًا مبدأ العلمانيّة، أي الفصل بين الدِّين والسّياسة. هل تعتقدون أنّه عندما تكون المسألة مهمّة، وعندما تكون الرّهانات كبيرة، يجب تجاوز هذا الحدّ الفاصل باسم أولويّة الضّمير؟ وإن كان الأمر كذلك، فهل تجاوزتم أنتم هذا الحدّ؟

البابا لاوُن الرّابع عشر

شكرًا على سؤالك. أودّ أن أقول إنّه وفقًا لتفسير الكنيسة لمبدأ الفصل بين الكنيسة والسّياسة، أو بين الكنيسة والدّولة، فإنّني لم أتجاوز هذا الحدّ. أدعوكم إلى قراءة أو إعادة قراءة الرّسالة البابويّة العامّة، ”الإنسانيّة الرّائعة“، حيث في القسم الأوّل، وفي الفصلين الأوّلَين، أتكلّم على تعليم الكنيسة الاجتماعيّ، وأؤكّد أنّ الكنيسة، عندما تتكلّم على الدّفاع عن الحياة، وعندما تواجه مسائل تعليم اجتماعيّة، لا تَدخل في السّياسة، بل تطبّق الإنجيل على حياة النّاس.

من الممكن أن يكون هناك سياسيّون، إن أردتم، من حزب اليسار أو اليمين، الذين يقولون: “يجب على الدِّين أن يبقى بشكلٍ حصريّ في المجال الخاصّ”. لندع النّاس يصنعون ما يريدون في حياتهم الخاصّة، ولكن، كدولة، يجب علينا أن نبقى منفصلين. لذلك، عندما ذهبت إلى فرنسا، ذهبت أساسًا لأعلن الإنجيل، ولأعلن البشرى السّارّة، ولأؤكّد من جديد ما يقوله يسوع المسيح نفسه عندما يقول: “أنا الطّريق والحقّ والحياة”، أي لأقول الحقّ الذي يقدّمه لنا يسوع.

الدّفاع عن الحياة أمر تعلّمه الكنيسة وتؤمن به إيمانًا عميقًا، كما تعلمون جميعًا. هكذا، من جهة نحن نعلم بطبيعة الحال أنّ القانون أُقرّ مؤخّرًا في فرنسا، كذلك في بلدان أوروبيّة أخرى وأجزاء أخرى من العالم، هناك نقاش واسع يدور حول مسائل نهاية الحياة.

عندما كنت موجودًا في مكان مثل مزار لورد، حيث يبحث النّاس عن شيء أعمق بكثير، ويدركون أنّ لحياتهم معنى، حتّى وسط المرض أو الإعاقة أو مختلف أشكال الألم، الكنيسة، باسم يسوع نفسه، تريد أن تكون قريبة من هؤلاء النّاس، وأن تؤكّد القيم التي تحملها الحياة نفسها لنا جميعًا.

لذلك أقول: إن كان هذا الأمر يُسمّى سياسة، فقد فعلتُ ذلك، ولكن لا لكي أتدخّل في السّياسة الفرنسيّة، بل لكي أعلِّم ما تؤمن به الكنيسة حقًّا.

ماتّيو بروني

شكرًا، صاحب القداسة. السّؤال التّالي من إينيغو دومينغيز (Íñigo Domínguez) من صحيفة (EL PAÍS)

إينيغو دومينغيز (Íñigo Domínguez)، صحيفة (EL PAÍS)

مساء الخير، صاحب القداسة، وشكرًا لكم على مشاركتنا هذه اللحظة. تكلّمتم كثيرًا خلال هذه الزّيارة أيضًا على ثقافة الإقصاء التي تحيط بنا، وعلى تهميش الذين لا يُعتبرون منتجين، ومن بينهم المسنّين والأشخاص ذوي الإعاقة. في إسبانيا، في هذه الأيّام، هناك حالة تشبه هذا، وأثارت استنكارًا كبيرًا في البلاد: هي حالة ماري كارمن، وهي امرأة تبلغ من العمر 87 سنة من ذوي الإعاقة، أُخرجت من بيتها في مدريد لأنّها لم تعد قادرة على دفع الإيجار، بعد أن رُفع الإيجار عليها خمس مرّات دفعة واحدة. لا أعلم هل تعرفون هذه الحالة، حالة ماري كارمن. في كلّ الأحوال، ما رأيكم في مشكلة السّكن الموجودة في كلّ أوروبا وفي كلّ العالم، حيث تؤدّي المضاربة العقاريّة إلى طرد السّكان من المدن، ولا يستطيع الشّباب تحمّل تكاليف بيت للسَكَن؟ ما رأيكم في كلّ هذه المشكلة؟

البابا لاوُن الرّابع عشر

أعتقد أنّ هذا مثال جيّد على كيف يجب على الكنيسة، بكونها جماعة مؤمنين، أو نحن البشر، حتّى النّاس الذين لا يؤمنون، أن نبحث على حلول فيها المزيد من العدل، لكي لا تحدث مثل هذه الحالات. لا أعرف الحالة التي أشرت إليها، لكن يبدو لِي أنّها حالة كان يجب على القريبين، وجماعة المؤمنين، والرّعيّة، والأبرشيّة، أو الدّولة، أن تتدخّل وتسأل نفسها: “كيف يمكن أن تحدث حالة كهذه؟” ما هي المشكلة في النّظام الذي يسمح بأن تُطرَد امرأة مسنّة من بيتها، فضلًا عن كونها من ذوي الإعاقة أو تواجه بعض الصّعوبات؟ الكنيسة تتكلّم كثيرًا على التّهميش، وتتكلّم أيضًا على العدل. إنّها تدعو وتعزّز وتسعى، لنقل ذلك، إلى إيقاظ قدرة الجميع على الاستجابة بروح إنسانيّة أكبر، وعلى أن يكونوا حقًّا حسّاسين لألم الآخرين ومعاناتهم. مشكلة السّكن التي تُصيب اليوم بلدانًا كثيرة، هي مشكلة لا تستطيع رعيّة واحدة، ولا أبرشيّة واحدة، ولا الكنيسة نفسها أن تحلّها بمفردها. أعتقد أنّنا أمام تحدٍّ كبير، حيث يجب علينا، ربّما، أن نطالب أيضًا القادة السّياسيّين والسُّلطات للبحث عن حلّ لهذه المشكلة. لأنّ الظّاهرة تتفاقم بشكل واضح، ونتحرّك مرارًا فقط في لحظة الطّوارئ، ولكن يجب علينا أن نفهم في الحقيقة ما هو السّبب المنهجيّ لهذه المشكلة، وكيف يمكننا أن نساعد في معالجتها.

ماتّيو بروني

صاحب القداسة، السّؤال التّالي من مانويلا تولّي (Manuela Tulli) من وكالة ANSA

مانويلا تولّي (Manuela Tulli)، وكالة ANSA

مساء الخير، صاحب القداسة. اليوم، وأثناء هذه الزّيارة أيضًا، شدّدتم على ضرورة الحوار، وعندما توجّهتم في كلمتكم إلى أوروبا، تكلّمتم على وهم إعادة التّسلّح، وفي الوقت نفسه قلتم إنّنا علينا أن نتحلّى بالشّجاعة للقيام بتنازلات، وتقديم تضحيات من أجل الخير الأسمى، أي السّلام. الصّراع القائم في أوروبا هو الصّراع بين روسيا وأوكرانيا: ماذا كنتم تقصدون عندما تكلّمتم على هذه التّضحيات؟ ثمَّ، هل تؤمنون بالتّفاوض، لأنّكم أرسلتم مبعوثيكم، فقد ذهب المطران غالاغر أوّلًا، وفي هذه الأيّام يوجد الكاردينال زوبّي، وكيف يمكن الحوار مع دولة تعتدي وتقصف وتهدّد، ليس أوكرانيا فحسب، بل دولًا أوروبيّة أخرى أيضًا؟ شكرًا.

البابا لاون الرّابع عشر

شكرًا. أوّل ما أودّ التّأكيد عليه هو مبادئ تعليم الكنيسة الاجتماعيّ، حيث نسعى إلى عدم التّرويج للعنف والكراهية والتسلّح والمخاطر الموجودة في عالم اليوم، بما في ذلك بعض قادة الدّول الذين بدأوا من جديد يتحدّثون عن الأسلحة النّووية، وعن حروب تزداد اتّساعًا ودمارًا، ولا سيّما بسبب ما يترتّب عليها من آثار على حياة الإنسان. إنّ الاستمرار في التسلّح، وإنفاق الأموال على تلك الصّناعة العسكريّة الهائلة، وهي صناعة مستمرّة منذ عقود كثيرة، ليس فقط السّنة الماضيّة، بل على مدى السّنوات الخمس الماضيّة، أمر يجب أن ننظر فيه بجديّة. فهناك قلّة قليلة تُغني نفسها غناءً هائلًا من صناعة تروّج للحرب، في حين كان يمكن بهذه المليارات والمليارات من اليورو أو الدّولارات حلّ مشاكل مثل الجوع في العالم، وحالات البطالة، وما إلى ذلك. الجميع يبحث عن صوت يستطيع أن يقترح طريقًا آخر، لا طريق ”لننفق المزيد على الأسلحة“، فهذا لا يؤدّي إلّا إلى مزيد من التوتّر، الأمر الذي قد ينتهي بانفجار حرب أخرى أو نزاع آخر. ونرى أنّ العنف، وأنّ تلك القوى التي تسعى دائمًا إلى فرض إرادتها بالقوّة بدلًا من الحوار وتعزيز المفاوضات بشأن الاختلافات التي يمكن أن توجد طبيعيًّا، تقودنا دائمًا إلى الاقتراب أكثر فأكثر من حرب أو حروب متعدّدة، ومن نزاعات كتلك التي نجدها في عالم اليوم. لا أعرف هل كان هناك آخرون، وليس الأمر متعلّقًا بكوني سياسيًّا أو غير سياسيّ، ولكني أعتقد أنّ الصّوت الذي يسعى إلى تعزيز قيم كرامة الإنسان، وأهمّيّة الحياة، وإمكانيّة إنفاق المزيد، ربما، على الصّحّة والتّعليم وأقلّ على الأسلحة، هو صوت تتحمّل الكنيسة مسؤوليّة إعلائه وتعزيز هذه القيم بدعوة القادة، مثل قادة روسيا وأوكرانيا وبلدان أخرى، باستمرار، إلى المجيء والجلوس والحوار والبحث عن سبل لحلّ المشاكل، بدلًا من الاستمرار في هذه الحروب التي لم يعد لها معنى. من هذا المنطلق، الكنيسة تواصل رفع صوتها. نحن لا نستطيع أن نجبر أحدًا، وقد يبدو الأمر أحيانًا بلا فائدة، ولكنّنا سنواصل الحديث، وسنواصل الدّعوة، وسنواصل إعلان الإنجيل.

ماتّيو بروني

شكرًا، صاحب القداسة. السّؤال التّالي من جاستن ماكليلان (Justin McLellan) من (National Catholic Reporter)

جاستن ماكليلان (Justin McLellan)، (National Catholic Reporter)

شكرًا لك. أيّها الأب الأقدس، سأطرح سؤالي باللغة الإنكليزيّة. تحدّثتم في باريس عن الحاجة الملحّة إلى التّمييز الأخلاقيّ في ما يتعلّق بتطوير الذّكاء الاصطناعيّ، وفي أعقاب هجمات إلكترونيّة متعدّدة ارتكبتها جهات متمرّدة تستخدم الذّكاء الاصطناعيّ، حذّر عدد من قادة قطاع التّكنولوجيّا من أنّ هذه التّكنولوجيّا قد تدمّر العالم. إلى أي مدى يقلقكم احتمال أن يشكّل الذّكاء الاصطناعيّ مخاطر كارثيّة على البشريّة، أو حتّى أن يقضي عليها تمامًا؟ وما الذي ينبغي للدول، ولا سيّما الولايات المتّحدة والصّين، أن تصنعه لضمان أن تكون تقنياتها آمنة للبشريّة؟

البابا لاوُن الرّابع عشر

شكرًا. إذا سألني أحد: هل أنا في حالة ذعر؟ أقول: لا، لست كذلك. أنا أنام ليلًا. لكنّني أعتقد أنّ المخاوف التي يثيرها كثير من الخبراء والمتخصّصين في الذّكاء الاصطناعيّ يجب أن تؤخذ على محمل الجد.

لا أعتقد أنّها أخبار زائفة، كما قال البعض، بهدف تحقيق منفعة مالية أو أي نوع آخر من المنافع. من المثير للاهتمام أنّني قرأت اليوم تحديدًا أنّ رئيس شركة NVIDIA يقول إنّه وجد طريقة لإدخال بعض وسائل الحماية، إن صحّ التعبير، أو بعض الحدود، في الذّكاء الاصطناعيّ، بحيث لا يتجاوز مكوّناته الخاصّة ولا يتسبّب في الأضرار التي يتحدّث عنها النّاس.

غير أنّ الشّخص نفسه يقول أيضًا إنّه يجب ألّا تُفرض أيّة حدود، وألّا تكون هناك أيّة أنظمة حكوميّة، وما إلى ذلك. هذه مشكلة أعتقد أنّه علينا أن نجلس ونتحدّث بشأنها. علينا أن نواصل دعوة القادة السّياسيّين، وقادة قطاع الذّكاء الاصطناعيّ، والمنظمّات الاجتماعيّة والجمعيّات، إلى الاجتماع والنّظر فيما يحدث بالفعل، وما يمكن أن يحدث في المستقبل.

أن نكتفي بالقول: ”أوه، هذا لن يحدث“، ونغمض عيوننا عنه، ليس، في رأيي، الطّريقة الأكثر مسؤوليّة للتعامل مع الأمر. لقد أنشأ الفاتيكان لجنة خاصّة به للذكاء الاصطناعيّ، بدأت، من جهة، بوصفها وسيلة لتنسيق ما نقوم به نحن أنفسنا في الكرسيّ الرّسوليّ، وكيف نستخدم الذّكاء الاصطناعيّ، وما المخاطر وما الفوائد المرتبطة به.

ومنذ أن نُشِرَت الرّسالة البابويّة العامّة، ”الإنسانيّة الرّائعة“، تلقّينا اتّصالات كثيرة من أشخاص في مجالات وميادين مختلفة. لذلك، نحاول أن نواصل تعزيز الحوار والدّراسة والبحث، لكي نجد سبلًا تضمن ألّا يصل الذّكاء الاصطناعيّ إلى مرحلة يمكن أن يدمّر فيها البشريّة أو يُقصي الإنسان من الحوار.

أنا متفائل نسبيًّا بإمكان تحقيق ذلك. أعتقد أنّ هناك عددًا كافيًا من الأشخاص المهتمّين بهذا الأمر اهتمامًا جديًّا، والمستعدّين للنظر إلى ما هو أبعد من مسائل القوّة: من يصل إلى هناك أوّلًا؟ وماذا يحدث عندما ينتقل الذّكاء الاصطناعيّ إلى ما يسمّونه الذّكاء الاصطناعيّ العام، وما إلى ذلك؟

لكن علينا أن نواصل العمل. فلا يمكننا أن نجلس مكتوفي الأيدي ونتظاهر بأنّ شيئًا لن يحدث.

ماتّيو بروني

شكرًا، صاحب القداسة. ربما يمكننا أن نطرح سؤالًا أخيرًا، من لودفيغ رينغ-أيفل (Ludwig Ring-Eifel)، من وكالة الأنباء الكاثوليكيّة الألمانيّة (KNA)

لودفيغ رينغ-أيفل (Ludwig Ring-Eifel)، وكالة الأنباء الكاثوليكيّة الألمانيّة (KNA)

كنّا اليوم في مدينة مِتز، قريبين جدًا من الحدود الألمانيّة، ولكنّكم لم تأتوا إلى ألمانيا حتّى الآن. لذلك، فإنّ سؤالي الأساسيّ هو: متى يمكننا أن نتوقّع زيارتكم إلى الجانب الآخر من الحدود؟ وأسأل في ضوء تطوّرَين قد يثيران قلقكم أيضًا: تراجع الكنيسة الكاثوليكيّة المستمرّ في ألمانيا، وارتفاع الأحزاب المتطرّفة اللافت في ألمانيا التي تهدّد بتفكيك التّوافق الأوروبيّ الذي تحدّثتم عنه اليوم في مدينة مِتز.

البابا لاوُن الرّابع عشر

شكرًا على السّؤال. بكلّ تواضع، أقول إنّه لم يمضِ على خدمتي كبابا سوى نحو خمسة عشر شهرًا. هناك أماكن كثيرة لم أزرها بعد. جاءتني دعوة لذلك. وآمل أن أرجع إلى ألمانيا أيضًا. أعني أنّني زرتها من قبل، ولكن ليس بصفتي بابا، وآمل أن أزور ألمانيا، كما آمل أن أزور أماكن كثيرة أخرى. لم أضع جدولًا زمنيًّا لذلك بعد.

ما زلت أعمل على برنامج السّنة المقبلة، والزّيارة الوحيدة المقرّرة بشكل مؤكّد هي يوم الشّبيبة العالميّ في كوريا الجنوبيّة. هكذا، سنصل إلى هناك. لكنّني أشكركم على صبركم وعلى سؤالكم.

ذكرتم عبارة مفادها أنّ الكنيسة تموت في ألمانيا، أو أنّ أعدادها تتراجع. وقد قيل الأمر نفسه عن فرنسا في الماضي، ومع ذلك رأينا ما حدث خلال الأيام الأربعة الماضية. أنا أؤمن بأنّه إن وجدنا روح الرّسالة الحقيقيّة والطّريقة الصّحيحة للقيام بذلك، سنكتشف أنّه لا يزال هناك كثيرون، كثيرون جدًّا في ألمانيا، يريدون أن يعيشوا إيمانهم المسيحيّ والكاثوليكيّ ويحتفلوا به.

لهذا، أنا متفائل بهذا الشّأن، مع أنّني أدرك المشاكل، وأدرك الأسباب المختلفة التي أثّرت في الكنيسة بشدّة، لكنّها أثّرت أيضًا بشدّة في الكنيسة الإنجيليّة أو البروتستانتيّة، إن صحّ التّعبير، كما أثّرت في المجتمع بالطّريقة نفسها إلى حدّ كبير.

لكنّني آمل أن أتواصل مع الجميع. وآمل أن أواصل العمل مع قادة الكنيسة في ألمانيا، وأن نجد سبلًا للاستجابة لذلك. سيكون من المثير للاهتمام أن ندرس ونحلّل هل هناك علاقة، وكيف يمكن أن تكون، مثلًا، بين نموّ هذه المجموعات في أقصى اليمين، بل إنّها نفسها تشهد انقسامات حاليًّا، كما ترون، إذ صارت إحدى المجموعات المحدّدة أكثر تطرّفًا، إلى جانب مجموعات أخرى تُسمّى من أقصى اليمين.

في الوقت نفسه، هناك بعض التّعابير التي تمزج بين وجهات النّظر هذه في أقصى اليمين ونوع معيّن من الدِّين، وهو أمر تحدّث عنه، لا في رأيي وحدي، بل أيضًا قادة الكنيسة الكاثوليكيّة والكنيسة البروتستانتيّة في ألمانيا، مؤكّدين أنّ ذلك ليس تعبيرًا أصيلًا عن المسيحيّة.

نعود مرّة أخرى إلى قِيَمِ الإنجيل، التي لا تتمحوّر حول الكراهية والانقسام، بل حول التفهّم والرّحمة والمرافقة. أنا أتمنّى من كلّ قلبي، وأتمنّى أن تتمكّن الكنيسة أيضًا من أن تكون جزءًا من هذا المسعى، في أن نجد سبلًا للوصول إلى غالبية أصحاب الإرادة الصّالحة، الذين يدركون مدى أهمّيّة التزامهم، حتّى من حيث مشاركتهم في العمليّات السّياسيّة، بما يمكّنهم من اتّخاذ خيارات واضحة من أجل الخير العام، لا من أجل الأفكار المتطرّفة التي قد تُحدث أضرارًا أكبر بكثير مما ندركه حتّى الآن.

أعتقد أنّنا جميعًا سنشجّع على ذلك، بهذا المعنى. من جانبنا نحن أيضًا، ككنيسة، يقع على عاتقنا، من خلال تعليم الكنيسة الاجتماعيّ، أن نتحدّث ونعلّم ونبشّر بما نؤمن بأنّه قِيَم تمنح الحياة، لا قِيَمًا تقود إلى الدّمار والانقسام والكراهية.

ماتّيو بروني

شكرًا، صاحب القداسة، شكرًا على كلامكم، وعلى إتاحتكم لنا هذه الفرصة، وشكرًا جزيلًا على أيّام الزّيارة هذه التي قضيناها معًا.

البابا لاوُن الرّابع عشر

أشكركم جميعًا مرّة أخرى على خدمتكم، وأودّ أن أغتنم هذه الفرصة لأشكر كثيرًا الأشخاص الذين يعملون في الخفاء، ولا يحظون بالتّصفيق الذي يحظى به البابا عندما يمرّ، ولكنّهم يؤدّون دورًا كبيرًا جدًّا في الإعداد لهذه الزّيارة، سواء كانوا من الكرسيّ الرّسوليّ، أو من فرنسا، والأساقفة في فرنسا، وكثيرين، كثيرين من الأشخاص الذين عملوا على مختلف النّشاطات ونظّموها.

لهذا، أودّ أن أوجّه كلمة شكر خاصّة إلى جميع هؤلاء وإليكم أنتم أيضًا. شكرًا جزيلًا لكم.

*******

© جميع الحقوق محفوظة – حاضرة الفاتيكان 2026

 

إدعم زينيت

إدعم زينيت. متوفّرة بخمس لغات، يموّلها القرّاء. إشترك تبرّع

Share this Entry

البابا لاون الرابع عشر

Help us mantain ZENIT

إذا نالت هذه المقالة اعجابك، يمكنك أن تساعدنا من خلال تبرع مادي صغير