Pixabay - CC0

حين يصرخ الكوكب… هل خسر الإنسان مركزه؟

قراءة ثالوثية تعيد اكتشاف معنى العناية بالبيت المشترك

Share this Entry

تعدّ وثيقة اللجنة اللاهوتية الدولية ” Prendersi cura della nostra Casa comune: risposta responsabile e fraterna al Dio trinitario” [1] مرجعًا رسميًا يقدّم قراءة لاهوتية معمّقة لأزمة البيئة المعاصرة، ويربط بين الإيمان المسيحي ومسؤولية الإنسان تجاه الأرض. تنطلق الوثيقة من فكرة أساسية مفادها أن العناية بالبيت المشترك — أي الأرض — ليست خيارًا أخلاقيًا فحسب، بل جزء جوهري من هوية الإيمان المسيحي ومن صلب رسالة الكنيسة.

وتؤكّد الوثيقة هذا المبدأ من خلال قولها: “الأساس اللاهوتي للعناية بالبيت المشترك مُدرَج في قصد الله تجاه الخليقة”

وهذا يعني أن الاهتمام بالخليقة ليس أمرًا مستحدثًا أو نابعًا من فئة معيّنة، بل هو جزء أصيل من تصميم الله منذ بدء الخليقة، ورسالة متجذّرة في الإيمان المسيحي ذاته.

تبدأ الوثيقة بوصف ثلاث تحوّلات ثقافية غيّرت نظرة الإنسان للطبيعة : أولا، تراجع الإحساس بأن العالم خليقة من الله وأنه عطية مجانية من لدنه؛ ثانيا،  صعود الإنسان والتكنولوجيا إلى مركز الكون والإستقطاب بطريقة تستبعد الله عن مركز الاهتمام؛ ثالثًا، ظهور أزمة بيئية عالمية غير مسبوقة، لم يشهد لها التاريخ من قبل. هذه التحوّلات أدّت إلى انفصال الإنسان عن الطبيعة، وإلى علاقة استغلالية مفرطة تهدّد الحياة البشرية بأسرها وكوكب الأرض.

وتؤكد الوثيقة على أهمية الترابط، وأن كل شيء مترابط معًا : فهمنا للكون يحدد علاقتنا بالطبيعة وطريقة التعامل معها، وهذه العلاقة تنبع من فهمنا لأنفسنا من نحن. لذلك «لا توجد إيكولوجيا بدون أنثروبولوجيا»، أي أن الأزمة البيئية هي في جوهرها أزمة رؤية الإنسان لذاته ودوره وهويته.

كما أن الوثيقة تعرض رؤية ثالوثية للخلق : فالآب يخلق، والابن (الكلمة) يشكّل ويعطي المعنى، والروح القدس يكمّل ويحيي. هذا يعني أن العالم يحمل «بصمة ثالوثية» في بنيته وعلاقاته، وأن الكون شبكة علاقات مترابطة تعكس الله الذي هو علاقة محبة وشركة. ومن هنا يصبح احترام الطبيعة امتدادًا لاحترام الله نفسه.

أمّا الإنسان، فقد خُلق على صورة الله ومثاله، وعُهد إليه أن يرعى الخليقة، لا أن يستغلّها أو يُفرط في استنزاف مواردها الطبيعية. فالسيادة التي وهبها الله له ليست سلطة هيمنة وتسلّط، بل مسؤولية رعاية وخدمة واهتمام. وترفض الوثيقة اتجاهين متطرّفين: فمن جهة، ما يُسمّى بـ Predatory Anthropocentrism، أي «المركزية البشرية المفترسة»، وهي رؤية تجعل الإنسان محور الكون وصاحب سلطة مطلقة، فتسوّغ له استغلال البيئة بلا حدود أو مساءلة. ومن جهة أخرى، ما يُعرف بـ Radical Biocentrism / Ecocentrism، أي «المركزية الحيوية أو البيئية الراديكالية»، وهي رؤية تُذيب فرادة الإنسان في الطبيعة، فتجرّده من دوره المميّز في الخليقة وتعامله بوصفه مجرد كائن بيولوجي لا خصوصية له. وتطرح الوثيقة أيضًا مفهوم «الخطيئة ضد الخليقة»، إذ تعدّ تدمير البيئة صورةً من صور الخطيئة الاجتماعية التي تجرح علاقة الإنسان بالله وبالآخرين وبالطبيعة. كما تقترح مسارًا روحيًا للعناية بالبيت المشترك يقوم على الاعتدال والصوم واحترام الإيقاعات الطبيعية والإصغاء إلى صرخة الأرض والفقراء.

وتختتم الوثيقة بدعوة إلى توبة وتحويل جذري في نظرتنا للعالم وطريقة استخدامنا لموارده، وإلى بناء ثقافة وروحانية جديدة ترى في الخلق عطية تحمل بصمة الثالوث الأقدس، وتعتبر العناية بالأرض جزءًا من الإيمان بالله ومن مستقبل بشرية قابل للتطور والنمو وفق مخطط الله لا البشر.

فيا عزيزي القارئ هل تتعامل مع الخليقة في خياراتك اليومية في استهلاكك للموارد، وقبولك بالاعتدال__ واحترام لإيقاعات الطبيعة، وتضامن: مع الفقراء__ بوصف الخليقة عطيةً أوكل الله إليك لرعايتها وخدمتها؟ أم انك في المقابل تستنزفها كأنها ملك مطلق لك،؟ فكيف ندعي أننا نصغي الى الله، ونحن نصمّ آذاننا عن صرخة الأرض وصرخة الفقراء؟  العبرة تكمن : في تجسيد الايمان الى أفعال ملموسة تمجد بها الله وتشكره على خليقته وعمل يديه.

[1] Commissione Teologica Internazionale. Prendersi cura della nostra Casa comune: risposta responsabile e fraterna al Dio trinitario. Città del Vaticano: Dicastero per la Dottrina della Fede, 2026.

إدعم زينيت

إدعم زينيت. متوفّرة بخمس لغات، يموّلها القرّاء. إشترك تبرّع

Share this Entry

الخوري جان بول الخوري

1

Help us mantain ZENIT

إذا نالت هذه المقالة اعجابك، يمكنك أن تساعدنا من خلال تبرع مادي صغير