pixabay

الذكاء الاصطناعي أو الفائق ومستقبل الإنسان

مقاربة لاهوتية وأنثروبولوجية وأخلاقية

Share this Entry

 يشهد العالم سباقًا نحو ذكاء اصطناعي فائق قادر على أداء مهام كانت حكرًا على الإنسان وحده. وأمام هذا التحول، يبرز سؤال أنثروبولوجي أساسي: هل بدأ الإنسان يفقد ثقته بقدرته الإبداعية، فيبحث عن ذكاء يعفيه من عناء التفكير، ومن محدوديته وقابليته للخطأ والتصحيح والتطور؟

لا تتعلق القضية هنا برفض التقدم العلمي، بل بمصير الإنسان ومكانته في حضارة تقيس الإبداع بسرعة النتائج، وتفصله عن الخبرة التراكمية والحرية والبحث عن الحقيقة. وفي هذا السياق، أكدت وثيقة Antiqua et Nova أنّ الذكاء البشري يتجاوز معالجة المعلومات والأرقام؛ لأنه متصل، بصورة أساسية وجوهرية، بوحدة الشخص الجسدية والعقلية والأخلاقية والروحية والنفسية. فالشخص مخلوق لا على صورة آلة، بل على صورة الله ومثاله (تكوين 1: 26–27).¹ ولا يمكن استبعاده أو الاستغناء عنه في ميدان العمل الإبداعي. ففكرة الاستبعاد لم تعد احتمالًا نظريًا؛ إذ يقدّر صندوق النقد الدولي أن نحو 40% من الوظائف عالميًا معرضة لتأثير الذكاء الاصطناعي، وترتفع النسبة إلى 60% في الاقتصادات المتقدمة.² ويتوقع 41% من أصحاب العمل الذين شملهم تقرير المنتدى الاقتصادي العالمي لعام 2025 تقليص أعداد العاملين بحلول عام 2030، بينما يخطط 77% منهم لتطوير المهارات.³ وترى منظمة العمل الدولية أن وظيفةً من كل أربع وظائف معرضة، بدرجات متفاوتة، لتأثير الذكاء الاصطناعي التوليدي، مع ترجيح تغيّر طبيعة العمل ودوره أكثر من إلغائه.⁴ وهذا ما يحتم علينا، نحن الشرقيين، اتخاذ خطوات استباقية وعلمية لمواكبة تلك التغييرات الآتية إلينا لا محالة.

بالعودة إلى تلك الأرقام، نجد أنها لا تجعل البطالة حتمية، لكنها تفرض سؤالًا أخلاقيًا: هل نطوّر التكنولوجيا لتحرير الإنسان من مشقة العمل، أم لتحرير الاقتصاد من الحاجة إليه؟ يؤكد القديس يوحنا بولس الثاني أولوية العمل على رأس المال؛ لأن الإنسان هو الغاية، لا أداة إنتاج.⁵ لذلك، يجب إشراك العاملين في جميع القطاعات بهدف تقييم الأنظمة، وحماية خبراتهم من الاستخراج بلا معرفة، أو إلحاق الغبن بهم؛ لأن صون فرص التعلّم المهني وتقاسم مكاسب الإنتاجية يجعلان العمل أكثر أمانًا ومعنى.

ستة حدود أخلاقية لحماية الإنسان

انطلاقًا من مبادئ Antiqua et Nova، يمكن صياغة ستة حدود مترابطة.⁶ أولًا، يجب أن تبقى الأنظمة خاضعة لإشراف بشري فعلي يشمل التقييم والتصحيح والإيقاف، وألا تُنشر أنظمة فائقة الاستقلالية من دون ضمانات سلامة شفافة ومستقلة. ثانيًا، لا يجوز تقديم الذكاء الاصطناعي بوصفه بديلًا عن الصداقة والأسرة والرعاية النفسية أو الإرشاد الروحي، ولا توظيف محاكاة المودة لصناعة اعتماد عاطفي.

ثالثًا، ينبغي أن يساعد الذكاء الاصطناعي المتعلم على القراءة والاستدلال والكتابة وحل المشكلات، لا أن يحل محله في العمل الذي يبني شخصيته وقدرته النقدية. رابعًا، يجب ألا يكون استبدال العاملين غاية الأتمتة، بل تعزيز قدراتهم، وحماية مساراتهم المهنية، وضمان انتقال عادل.

خامسًا، لا تثبت محاكاة الكلام والعاطفة امتلاك النظام وعيًا أو صفة الشخص؛ وتبقى المسؤولية الأخلاقية والقانونية على البشر والمؤسسات. سادسًا، تبقى القرارات المتعلقة بالحياة والعلاج والحرية والعدالة والسلطة الروحية بيد أشخاص مؤهلين، مع تفسير مفهوم وإمكان الاعتراض والإنصاف.

ولا يكفي «وجود إنسان في الحلقة» إذا لم يملك الوقت والمعرفة وسلطة مخالفة توصية النظام. فالرقابة الحقيقية تقتضي الوصول إلى الأدلة، وفهم الحدود، وتوثيق الأسباب، وتوفير مسار للطعن والتصحيح، كي لا تصبح الآلة سلطةً مستترة، أو يُحمَّل الموظف الأدنى مسؤولية قرارات صُممت في مستويات أعلى. فكيف نحفظ حكمة الإنسان وهويته وغاية إبداعه، ونبني حضارةً تخدمه ولا تستغني عنه، وما دورنا، نحن الشرقيين، في صياغة هذه الحضارة الجديدة؟

Dicastery for the Doctrine of the Faith and Dicastery for Culture and Education, Antiqua et Nova: Note on the Relationship Between Artificial Intelligence and Human Intelligence (January 28, 2025), nos. 30–35.

  1. Mauro Cazzaniga et al., Gen-AI: Artificial Intelligence and the Future of Work, IMF Staff Discussion Note 2024/001 (Washington, DC: International Monetary Fund, 2024).
  2. World Economic Forum, The Future of Jobs Report 2025 (Geneva: World Economic Forum, 2025), sec. 4, “Workforce Strategies.”
  3. International Labour Organization, “One in Four Jobs at Risk of Being Transformed by GenAI, New ILO–NASK Global Index Shows,” May 20, 2025.
  4. John Paul II, Laborem Exercens (September 14, 1981), nos. 6, 12–13.
  5. Dicastery for the Doctrine of the Faith and Dicastery for Culture and Education, Antiqua et Nova, nos. 43–48, 58–63, 66–82.
  6. Augustine of Hippo, De Civitate Dei (The City of God), bk. 14, chap. 28.

إدعم زينيت

إدعم زينيت. متوفّرة بخمس لغات، يموّلها القرّاء. إشترك تبرّع

Share this Entry

الخوري جان بول الخوري

1

Help us mantain ZENIT

إذا نالت هذه المقالة اعجابك، يمكنك أن تساعدنا من خلال تبرع مادي صغير