ترجمته من الإيطاليّة إلى العربيّة ألين كنعان إيليّا
في حديثه عن الغيريّة يلفت الفيلسوف جان لوي كريتيان انتباهنا إلى جانب مميّز من جوانب هذا اللقاء مع الآخر. لنلخّص ما يقول، ثم لِنحاول أن نفهم مقصده:
الغيرية هي الاعتراف بأنّ الآخر لا يُختزل في تصوّراتي عنه، ولا يخضع لتوقّعاتي، بل يظلّ ذاتًا مستقلّة تفوق كلّ صورة أُكوّنها عنها. ومن ثمّ، فإنّ اللقاء الحقيقي به يقتضي الخروج من مركزيّة الذات، وقبول الاختلاف، وإفساح المجال لعلاقة مشتركة لا تقوم على إسقاطاتي الخاصّة، بل على الاعتراف المتبادل بحرّية كلّ طرف وفرادته.
يلفت كريتيان انتباهنا إلى أنّنا لا يمكن اختزال الآخر أبدًا في الصورة التي أُكوّنها عنه، أو عنها، كما أنّه لم يُخلق لكي “يُكمّلني” و”يجعلني سعيدًا. ويمكننا، أن نقول إنّ الآخر يفلت من توقّعاتنا ويخيّبها! ولكن بأيّ معنى؟
بمعنى أنّ الآخر لا “يكمّلني”، وليس جائزة أحصل عليها، ولا منتجًا جاهزًا صمّمه الله خصّيصًا لي لكي يُرضيني. فنحن ذواتٌ تلتقي، مدعوّون إلى تعلُّم الحبّ في ديناميّة اللقاء مع كلّ ما ينطوي عليه أحيانًا من تجاذب وتصادم. وما هو الحبّ؟ الحبّ هو أن نفسح المجال للآخر، وأن نخرج من ذواتنا. وفي هذا الخروج من الذات، يطلق الحبّ عنانه للفرح العميق. فالآخر هو آخر، ولذلك يفلت من تصوّراتي ويبقى “مخيّبًا” لتوقّعاتي، بمعنى أنّه لن يتطابق أبدًا تمامًا مع الصّور التي أُسقطها عليه، ولا مع المشاريع التي أرسمها له.
إنّ بناء مشروع العلاقة مع الآخر المختلف يقوم على أساس الخروج من الذات. ولهذا اخترتُ عنوان هذه المقالة، وهو عنوان قد لا يتّضح معناه للوهلة الأولى: قبل أن أغفر للآخر ما ارتكبه من أفعال وأخطاء، عليّ أن “أغفر” غيريّته، أي أن أتقبّل اختلافه عنّي.
وبالتأكيد، لا نعني هنا أن نغفر للآخر اختلافه وكأنّ هذا الاختلاف خطأ أو ذنب، بل المقصود هو أن أعمل على ذاتي لكي أُدرك أنّ الصور والتوقّعات التي أسقطها على الآخر ليست شروطًا ملزمة له، ولا التزامات تعاقدية عليه. فالحبّ الحقيقي لا يُبنى انطلاقًا من تصوّراتي المسبَقة عن الآخر، بل على أساس مشروع مشترَك يتشكّل معًا، من خلال اللقاء والانفتاح المتبادل، وقبول كلّ منّا الآخر في اختلافه وفرادته.
لقراءة المقالة السّابقة، يُرجى النّقر على الرابط الآتي:
