ترجمة ندى بطرس
بعد أكثر من أربعة عقود على أولى التقارير حول ظهورات العذراء مريم، تدخل ميديغوريه فصلاً جديداً في علاقتها بالكنيسة الكاثوليكيّة. فقد عيّن البابا لاون الرّابع عشر المطران فرانشيسكو كافينا، الأسقف الفخري لأبرشيّة كاربي في إيطاليا، زائراً رسوليّاً ذا طابع خاص للرعيّة في هذه البلدة البوسنيّة، خَلَفاً لرئيس الأساقفة ألدو كافالي، بحسب ما أورد الخبر القسم الإنجليزي من موقع زينيت. ويأتي هذا التعيين في مرحلة تشهد تقييماً تدريجيّاً من جانب الفاتيكان لأحد أكثر مواقع الحجّ المريمي إثارة للجدل في العالم.
في تفاصيل أخرى، وفي مقابلة أجرتها معه وكالة الأنباء الكاثوليكيّة الإيطاليّة (SIR)، وصف كافينا مسؤوليّته الجديدة بأنّها مصدر فرح غير متوقّع، وبأنّها أيضاً التزام رعويّ يتطلّب جهداً كبيراً. ورغم أنّه أمضى السنوات الأخيرة متنقّلاً للاحتفال بالطقوس الليتورجيّة، ومنح سرّ التثبيت، وترؤس الرّياضات الروحيّة، وإلقاء المحاضرات، إلّا أنّه لم يتوقّع تولّي مهمّة دائمة أخرى. وقد أعرب عن امتنانه للبابا على ثقته، مؤكِّداً أنّه سيعهد بخدمته الجديدة، وكذلك بالأشخاص الذين سيلتقي بهم في ميديغوريه، إلى العذراء مريم.
يمثّل هذا التعيين استمراراً للنهج الأساسي الذي يتبعه الكرسي الرسولي، وليس تغييراً فيه. وقد جاء التطوّر الحاسم في 19 أيلول 2024، حين أصدر مجمع عقيدة الإيمان وثيقة بعنوان “ملكة السلام” (The Queen of Peace)، منح بموجبها ميديغوريه موافقة “لا مانع” (Nihil Obstat) لزيارات الحجّاج. ويُعدّ هذا الاعتراف – الذي صدر في عهد البابا فرنسيس – إقراراً بالثمار الروحيّة والرعويّة الوفيرة المرتبطة بموقع الحجّ هذا، مع الامتناع في الوقت ذاته عن الجزم بالطبيعة الخارقة للظهورات المُبلّغ عنها. وهذا التمييز جوهريّ لفهم موقف الكنيسة؛ فعبارة “لا مانع” (Nihil Obstat) تعني تقييماً كنسيّاً إيجابيّاً يشير إلى عدم وجود أيّ عائق أمام مشاركة المؤمنين بحذر في تجربة روحيّة معيّنة. ووفقاً للقواعد الحاليّة في الفاتيكان، يمثّل هذا أعلى مستوى من الاعتراف الإيجابي المتاح لمثل هذه الظواهر، لكنّه لا يعني المصادقة على الأصل الخارق المزعوم للظهورات أو الرسائل.
بالنسبة إلى الأسقف كافينا، تكمن أهمّية ميديغوريه قبل كلّ شيء في ما يحدث في حياة الحجّاج، حيث يشير بشكل خاصّ إلى حالات الاهتداء، وتجديد المشاركة في الأسرار المقدّسة، والتعبّد للقربان الأقدس، والدعوات الدينيّة، والمبادرات الخيريّة. لقد أصبح العدد الهائل من الحجّاج الساعين إلى نيل سرّ الاعتراف إحدى أبرز سِمات هذا المزار البوسني، ممّا أكسبه وصفاً شائعاً بكونه “مَقرّ اعتراف العالم”. ويرى الأسقف أنّ هذه التحوّلات – وليس الادّعاءات الاستثنائيّة المحيطة بالأشخاص الذين يزعمون رؤية العذراء – هي الإنجاز الروحي الأهمّ في ميديغوريه.
كما ويعكس هذا التركيز أيضاً توضيحاً مهمّاً قدّمه الفاتيكان في تقييمه لهذه الظاهرة؛ فالرّسائل المرتبطة بميديغوريه تتضمّن مواضيع تتّسق مع الروحانيّة الكاثوليكيّة، مثل السلام والصلاة والتوبة والحياة القائمة على الأسرار المقدّسة، والرّجاء المسيحي. ومع ذلك، تؤكّد الكنيسة أنّه لا ينبغي للأشخاص الذين يزعمون الرؤى أن يصبحوا محور التجربة؛ ففي الإيمان الكاثوليكي، توجّه مريم العذراء المؤمنين نحو المسيح، وبالتالي يجب أن يظلّ الغرض من الحجّ هو اللقاء بيسوع من خلال الصلاة، وسرّ القربان المقدّس، والتوبة. وقد شدّد كافينا على أنّ هؤلاء الأشخاص هم شهود، وليسوا هم غاية الحجّ، فيما يُعدّ هذا التمييز بالغ الأهمية في ظاهرة جذبت ملايين البشر وأثارت اهتماماً دوليّاً واسعاً على مدى عقود.
سيتولّى الزائر الرسولي الجديد مسؤوليّة رعويّة تشكّلت بفضل جهود أسلافه، وكذلك بفضل اللجان الفاتيكانيّة السابقة التي درست هذه الأحداث وتداعياتها، فيما ستتمثّل مهمّته في مرافقة الرعيّة ودعم حياتها الروحيّة ضمن الإطار الذي وضعه الكرسي الرسولي.
