“اُنْظُرُوا أَيَّةَ مَحَبَّةٍ أَعْطَانَا الآبُ حَتَّى نُدْعَى أَوْلاَدَ اللهِ 1 يو 3: 1”
المحبّة الحقيقيّة والصافية، الشفّافة والنقيّة، هي المحبّة التي تدخل القلب وتحترق بنار الصليب والآلام. تماماً كمحبّة يسوع للإنسان على عود الصليب “أحبّنا حتى الموت، موت الصليب”.
إذًا لكي يعرف الإنسان ذاتهُ أنّه يُحَب حقيقًة أم لا، يجب عليه أن يدخل في اختبار الآلام مع الرب يسوع المتألّم على الصليب وتصبح المحبة الحقيقة هي في قمّة الصليب وتعليق الذات حُبًا بالآخرين. والمقصود بتعليق الذات أي تعليق الأنانية والطلبات والرغبات التي تعوق التقدّم والسير نحو الرب في حمل الصليب بشكرٍ وفرح، وهنا تكمن الدعوة إلى الحب في أن تكون من دون قيود ولا شروط وللنظر الى المسيح القائل لنا “ها أنا أعطيتكم المثل، افعلوا أنتم أيضاً بعضكم ببعض، أحبّوا بعضكم بعضاً كما أنا أحببتكم”، فيسوع دعانا إلى أن نحبّ أعداءنا، ونصلّي لأجل من أساء إلينا، ولنبارك مضطهدينا، مضيفًا بالقول: تعلّموا منّي أنا الوديع المتواضع القلب، فهو قد أحبّ الإنسان إلى المنتهى وقد أحبّ بشكل خاصّ كلّ مَن أهانه، وضربه وبصق عليه، وجلده. لذا علينا إخوتي كي نُشفى تمامًا من جراحنا أن ننظر إلى المسيح يسوع المسحوق لأجل آثامنا والمسحوق لأجل معاصينا. نحن بطبعنا البشريّ ميّالون إلى الأنانيّة والكبرياء والبخل في عطاء الذات، والشكّ واليأس. أمّا هو فقد بذل ذاته وسفك دمه “هذا هو دمي الذي يسفك عنكم وعن الناس أجمعين. يُعطى لمغفرة الخطايا وللحياة الأبديّة”.
مَن منّا وقف أمام الربّ وقال له: يا رب اختبرني واعرف قلبي، إفحصني، ونجّني من ذاتي؟ قليلون هم مَن تميّزوا بهذه الشجاعة وطلبوا بإرداتهم أن يدخلوا إلى إلامتحان. وما أصعب لحظات الامتحان. كم هي قاسية وتوحي بالفشل والارتباك والاضطراب والانزعاج، لأنّ في الامتحان إظهار للحقيقة والمقدرة وكشف عن الذات. للنّجاح في الامتحان، عليك أن تستعدّ وتبني ذاتك من الداخل على أسس قويّة ومتينة، كمَن يبني بيته على الصخرة.
المحبّة التي هي بدون ألم هي محبَّة زائفة، لأنّ المحبّة الحقيقيّة لا تطلب ما لنفسها، بل تعطي وتبذل ذاتها وتطرح الخوف خارجاً. ترفق وتتأنّى، محبّة فائقة تتخطّى جميع الحدود وتُعطي دون قيود ودون شروط، محبّة مبذولة لأجل الآخر. يمكن في الأمر صعوبة ولكنّ عيشه يتمّ بالتمرّس في الصلاة والتأمّل والارتواء من نبع المحبّة الحقيقيّة ومن رحمته، فهو قد قال لي “أريد رحمة لا ذبيحة”. ومن قلب المحبّة الصافية ونبعها الحقيقيّ، ننال الرحمة والمغفرة، فتعلّموا أن ترحموا، وتغفروا، “إغفروا يُغفر لكم”. كونوا رحماء بعضكم تجاه بعض، افرحوا ولا تحزنوا، روح الله فيكم فتنالون الشّفاء الحقيقيّ والمسامحة على جميع أفعالكم. بصلاة المسبحة يمكنكم المثابرة وعيش المحبَّة ونزع الأنانية، والشهوات والرغبات والطمع والجشع والتخلّق بفكر المسيح.
انظروا دائمًا إلى يسوع المملوء بالحب والشفقة والرحمة، أنتم يا من تدعونه وتطلبون منه قائلين “يا رب اجعل قلبنا مثل قلبك”.
إذاً إخوتي، لا تهتمّوا بشيء ولا تطلبوا شيئاً ولا تفكّروا في شيء سوى عيش المحبّة، كي نستحقّ الدخول إلى قلب يسوع الذي هو الرحمة بعينها، لنستقي منها ونغرفها ونغوص في أعماقها كي تولد فينا الثقة الكاملة والإيمان الراسخ والثابت الغير متزعزع. فعندما نقول “يا رب إنّنا نثق بك”، هل ننظر إلى أنفسنا، ونثق فيه وفي رحمته اللامتناهية؟ الربّ يريد منّا الثقة الواثقة في ذاتها، الثقة الكاملة لأنّ بها نستطيع أن نربح نفوسنا. فهو قد أعطانا سرّ السماء حينما قال لنا “لا تخافوا، ثقوا أنا هو، لا تخف أيّها القطيع الصغير فإنّ أباكم أعطاكم الملكوت”. تعالوا إليه وارتموا في حضنه وهو قادر أن يشفيكم، “تعالوا إليّ ياجميع المتعبين وأنا أريحكم”.
المهمّ في بناء علاقة صحيحة مع يسوع، لا بدّ من الثقة، والحب، والرحمة، والإيمان والصلاة، وكشف الذات أمامه أي فحص الضمير. قراءات الشفاءات في الإنجيل تُظهر لنا أناسًا مرضى، يعرفون مرضهم، وبالتالي يطلبون الشفاء. إشفني يا رب فإنّ عظامي قد جفّت، وإنّ المرارة في حلقي، ونفسي اضطربت جدّاً.
هل نحن متواضعون لمواجهة المنطقة المظلمة في داخلنا، ولنعترف بمرضنا كفاية لنتجرّأ النظر إلى داخلنا في نواحيها المظلمة، فنعترف أننا مرضى، وإننا لا شيء ولا نملك شيئاً سوى الخطيئة؟
أم لا نبصر سوى الخير الذي فينا لنفتخر به، والشرّ الذي في قريبنا لنحتقره وندينه، فنزيد ظلامنا ظلاماً بفعل كبريائنا وقساوة قلوبنا؟
كنظرة الفريسي لذاته ونظرته الى العشار.
- هل نبصر أمراضنا على ضوء نور الله (كلمة الحياة)، أم لا نبصر سوى أمراض الآخرين؟ كالفريسيّين؟
- هل أنا متكبّر، فأسعى لتجاهل أمراضي، لأنها تواضعني وتزعجني؟
- بعد أن أتواضع وأعترف بأمراضي العديدة، هل أثق بالرحمة الإلهيّة التي تشفي نفسي وجسدي وروحي؟
هل أفتح له قلبي على مصراعَيه وأقول له “افعل بي ما تشاء”. هل أدعه يعمل فيَّ، ما أتى من أجله؟
صلاتي ليسوع: يا ربنا وإلهنا ومخلّصنا وحبيبنا يسوع المسيح ابن الله الحيّ، نرفع إليك نحن البشر كإخوة بعضنا لبعض صلاتنا المشتركة لأجل سلامة نفوسنا وقلوبنا وأرواحنا، ولأجل حفظنا في الإيمان الواحد.
مع إخوتي في الإيمان أقول لك: أظهر لي عن عظم محبّتك، فكم أنا بحاجة للغوص فيها أكثر. أقدّم لك قلبي، وأخصّصه مكاناً لسكناك يخرج منه كل روح فاسد وشرّير. أقصد بكلّ عزيمة ثابتة للإخلاص لحبّك الإلهي وألّا أعود لإهانتك مجدّداً بسبب خطاياي.
- يا يسوع، أنا ضعيف وأنت والقويّ فامنحني قوّتك.
- يا يسوع، أنا فقير وأنتَ الغنيّ ولديك كلّ الكنوز فهبني أن أغتني بك.
- يا يسوع، أنا مريض، وأنت الطبيبُ الشافي والقادر فامنحني الصحّة والعافية.
- يا يسوع، أنا جائع، وأنت خبز الحياة فأعطني نعمة التقدّم من مائدتك المقدّسة.
- يا يسوع، أنا عطشان وأنت الماء الحيّ فاروِني بماء محبّتك الذي لاينضب.
- يا يسوع، أنا خاطئ وأنت الغافر، فاغفر لي خطاياي.
- يا يسوع، أنا العبد وأنت المحرّر، فحرّرني من عبوديّتي لذاتي والاستعباد للآخرين.
- يا يسوع، أنا واحد من القطيع، وأنت الراعي فضمّني إلى حظيرتك.
- يا يسوع، أنا المتكبّر، وأنت المتواضع فهبني من تواضعك.
- يا يسوع، أنا التائه والضائع وأنت الطريق والحقّ والحياة، فسيّرني على دربك. تعال الآن يا ربّنا واملك على حياتنا، فإنّنا نوكل إلى دمك الطاهر وقلبك الأقدس عائلاتنا وجماعتنا، وندعوك أن تفعل فينا ما يؤهّلنا للاشتراك في الحياة الأبديّة.
نشكر قراءتكم المقال. إن أردتم تلقّي الأخبار اليوميّة من زينيت عبر البريد الإلكترونيّ، يمكنكم الاشتراك مجانًا عبر الضغط على هذا الرابط
