أيّها الإخوة والأخوات الأعزّاء،
يسرّني كثيرًا أن ألتقي بكم، أنتم الذين تكرّسون حياتكم لخدمة التّربية، فأنتم تقتدون بيسوع، المعلّم الإلهيّ. أحيّي الكاردينال دانيال ستورلا، السّالسيّ، المستشار الأكبر لهذه الجامعة الكاثوليكيّة. كما أحيّي أصحاب السّيادة الأساقفة، ورئيس الجامعة، الأب خوليو فرنانديث تيشيرا (Julio Fernández Techera)، اليسوعيّ، وجميع السُّلطات المدنيّة. وأوجّه تحيّة خاصّة إلى الأساتذة والطلّاب، الوافدين من العديد من المؤسّسات التّربوية في هذا البلد.
قبل ما يزيد قليلًا على ثمانية وثلاثين سنة، زار القدّيس البابا يوحنّا بولس الثّاني هذا الصّرح العلميّ، الذي كان آنذاك يخطو خطواته الأولى. اليوم، أودّ أن أعرب لكم من كلّ قلبي عن امتناني وشكري للعمل التّربويّ الذي أنجزتموه، وما زلتم تواصلون إنجازه، في جماعات التّنشئة والتّعليم، على اختلاف مستويات التّعلّم ومراحله، في خدمة إعلان الإنجيل وصون كرامة الإنسان. هذا الثّبات يُظهر أنّ التّربية الكاثوليكيّة في الأوروغواي صارت “الصّيغة العمليّة التي يتحوّل بها الإنجيل إلى عمل تربويّ، وعلاقة، وثقافة”. وهو يؤكّد لنا أيضًا أنّ الإنجيل لا تمسّه شيخوخة، بل “يجعل كُلَّ شَيءٍ جَديدًا” (رؤيا 21، 5). فكلّ جيل يتلقّاه بوصفه جديدًا يجدّد الحياة. وكلّ جيل يكتشف فيه قوّته على الزّرع والتّكاثر (راجع رسالة بابويّة عامّة، رسم خرائط جديدة للرجاء، التّمهيد، 1. 1).
غاية الرّسالة الرّعويّة في المجال التّربويّ هي أن يصغي الطّالب والأستاذ والمسؤول عن المؤسّسة التّربوية إلى البشرى السّارّة، وأن يراها ويتذوّقها ويلمسها ويشمّ عبيرها. وأن تنير هذه البشرى حواسّهم، كما تفعل الجداريّات الزّاخرة بالحياة في هذا الحرم الجامعيّ، لكي ينمو كلّ مَن ينتمي إلى الجماعة التّربويّة، وتترسّخ فيه كرامته الشّخصيّة التي لا يجوز المساس بها. ينطبق الأمر نفسه على بيئات التّربية خارج إطار المدرسة والتّعليم النّظاميّ، وعلى الجماعات التّربويّة المعنيّة بإعادة الإدماج الاجتماعيّ أو التّأهيل العلاجيّ. ففي هذه البيئات، يتقدّم على الكلمات حضور البالغين المتنبّه وشهادتهم الحيّة، شرط أن يكونوا جديرين بالثّقة، وأكفَاء، ومتعاونين بعضهم مع بعض.
لكي نبلغ هذه الغاية، مع الواقع العالميّ الذي نعيشه، أرى أنّه من الضّروريّ “تجاوز الرّؤية الثّنائيّة: فالإنسان هو ”واحدٌ وهو نفس وجسد“. ومن ثمّ، التّقليل من شأن الجسد واعتباره شيئًا يمكن التّصرّف به بصورة عشوائيّة هو دائمًا إنكار لكرامة الإنسان” (راجع الدّستور الرّعائي، فرح ورجاء، 14؛ المقابلة العامّة، 9 أيلول/سبتمبر 2026).
لذلك، أدعوكم إلى أن نقوم معًا بتأمّل قصير عبر حواسّنا الخمس، ونكتشف من جديد جمال الإنجيل وروعة إنسانيّتنا، بالتأمّل فيها.
لنبدأ بالتأمّل في آية من أحد المزامير: “عِندَما أَرى [أتأمّل] سَمَواتِكَ” (مزمور 8، 4). يقودنا صاحب المزمور إلى واحدة من أسمى وظائف العينَين: التأمّل. التأمّل في أيّامنا هذه هو أن ننظر بانتباه، مندهشين، إلى أمر روحيّ أو مادّيّ. إنّ الوعي بمكانتنا في تدبير الله، وبمسؤوليّتنا الشّخصيّة والجماعيّة للمحافظة على الانسجام الأصيل، ينبع من التأمّل في الخليقة ومن اللقاء بالله. يمكننا أن نرى هذا الانسجام أيضًا في مباني الحرم الجامعيّ الاثني عشر، التي تندمج بتناغم في محيط هذا الحيّ.
التأمّل هو إعلان للإنجيل بالعمليّة المعرفيّة التي تزداد صعوبةً يومًا بعد يوم، ألّا وهي الانتباه. عندما ينمو أطفالنا وشبابنا في هذه القدرة، يستطيعون بلوغ العمق الذي يتوقون إليه، فيجدون فسحات للصمت والتّمييز، وينمون في ألفة الحوار مع ضميرهم ومع الله (راجع رسالة بابويّة عامّة، رسم خرائط جديدة للرجاء، 10. 3). أطلب منكم أن تمنحوا التأمّل مكانةً مميّزة في عملكم التربويّ.
ثانيًّا، يواصل صاحب المزمور تأمّله قائلًا: “عِندَما أَرى سَمَواتِكَ صُنعَ أَصابِعِكَ” (مزمور 8، 4)، حتّى يبلغ به الأمر أن يرى أصابع الله، كما لو كانت أصابع فنّان يترك في الخليقة الأنوار والملائكة والكائنات الحيّة التي تتحرّك في الفلك وعلى الأرض وفي المياه. من بين كلّ هذه الكائنات، لا يملك الأصابع التي تتّحد في اليدين لتعمل في الأرض وتُخرج الثّمار وتحيّي الآخرين وتداعبهم وتعانقهم سوى الإنسان. مع ذلك، يجب ألّا ننسى أنّ الأصابع البشريّة تُنتج اليوم أفظع ”الأعمال البشريّة“: الحرب (راجع كلمة في مقرّ اليونسكو، 25 أيلول/سبتمبر 2026).
التّربية الكاثوليكيّة التي تقومون بها مدعوّة إلى أن تساعد الجماعة التربويّة لتكتشف أهمّيّة اللمس واليدين والأصابع في تعزيز السّلام. فإن اختبر طلّابنا “عناق المعموديّة الذي منحنا إيّاه الآب عندما كنّا صغارًا”، اشتاقوا “إلى العناق الآخر، عناق الآب الرّحيم الذي ينتظرنا في المجد”. إنّ جعل أطفالنا وشبابنا يشعرون “بأنّهم يعيشون بين هذين العناقين، هذه هي المهمّة التي تقع على عاتق مَن يُعلن الإنجيل. إنّها شاقة لكنّها جميلة” (راجع فرنسيس، الإرشاد الرسوليّ، فرح الإنجيل، 144). فمَن يشعر بأنّ الآب يعانقه يصير، لا محالة، صانعًا للسلام.
في هذا التّأمّل الذي نقوم به، الرّسول بطرس يوجّهنا إلى حاسّة الذّوق، إذ يقول: “لقد ذُقتُم كَيفَ أَنَّ الرَّبَّ طَيِّب” (1 بطرس 2، 3). وتستحضر هذه الحاسّة المذاق والحكمة التي تنبع من الاختبار، والتأمّل المتأنّي، والتذوّق. إنّني أتحدّث عن الحكمة التي تقرّبنا من صلاح الله. والحكمة التي تجعلنا إخوة. والحكمة التي تقودنا إلى القداسة. فالذّوق لا يقتصر على التعرّف إلى النّكهات، وتصنيف الأطعمة، وتجميع المأكولات. وبالمثل، لا يمكن اعتبار مَن يجمع المعلومات حكيمًا، إن لم يميّز ويتأمّل، ولم يسعَ إلى فهم السّياق.
لذلك، بات من الملحّ أن يسهم تعليمنا المدرسيّ والجامعيّ في “الاستخدام الحكيم للتكنولوجيّات والذّكاء الاصطناعيّ، بحيث تكون الأولويّة للإنسان لا للخوارزميّة، وتتحقّق المواءمة بين الذّكاءات التقنيّة والعاطفيّة والاجتماعيّة والرّوحيّة والبيئيّة” (راجع رسالة بابويّة عامّة، رسم خرائط جديدة للرجاء، 10. 3). ليتذوّق أطفالنا وشبابنا “ما هو صالِحٌ وما هو مَرْضِيٌّ وما هو كامِل” (رومة 12، 2).
للتأمّل في حاسّة الشّمّ، يمكننا الرّجوع إلى حادثة المسح بالطّيب في بيت عنيا، كما يرويها الإنجيليّ يوحنّا: “فعَبِقَ البَيتُ بِالطِّيب” (يوحنّا 12، 3). القدّيس أغسطينس يذكّرنا ويقول: “لقد امتلأ العالم بالصّيت الحسن، لأنّ الصّيت الحسن هو العطر الطّيّب” (شرح إنجيل يوحنّا، العظة 50، رقم 7). لقد تعرّضت سمعة الإنسان في عالم اليوم لضربات لا تُحصى، حتّى غدا الإقصاء والرّفض والازدراء أشبه برائحة كريهة منفّرة، اعتادت حاسّة الشّمّ فينا أن تقبلها.
مسيرة نزع الإنسانيّة التي نعيشها هي تحدٍّ أمام مؤسّساتنا المدرسيّة والجامعيّة. “صارت المفارقة واضحة بصورة متزايدة: ففي الوقت الذي يُنسب فيه ”الذّكاء“ إلى الأنظمة الحاسوبيّة، نجد صعوبة في إدراك كرامة البشر غير القابلة للتصرّف، الذين صارت حياتهم تقاس وفق معيار الكفاءة، وإذا صاروا غير قادرين على الإنتاج، يتمّ رفضهم وإقصاؤهم” (كلمة في مقرّ اليونسكو، 25 أيلول/سبتمبر 2026).
من الضّروريّ أن ندافع عن عطر الإنسان الطّيّب، مستندين إلى عطر المسيح الطّيّب. نحن بحاجة إلى أن نعلن من جديد أنّ الحياة البشريّة يجب أن تُحترَم في جميع مراحلها وأحوالها. فلا يجوز أن نرفض أحدًا.
نختتم تأمّلنا بحاسّة السّمع، ونستشهد بالإنجيليّ متّى الذي يقول: “مَن كانَ له أُذُنان فَلْيَسمَعْ!” (متّى 13، 9). ونختتم تأمّلنا هنا، ونحن نأمل في أن يُصغى إلى ما تأمّلنا فيه في هذا الصّرح العلميّ، وأن يُصغى إليه لاحقًا في مؤسّساتكم التّربوية. إنّ تمرين الأذن على الإصغاء أمر بالغ الأهمّيّة في عالم اليوم، والتّمييز في ما نسمعه هو ما يُحدِث الفرق. “أدرك القدّيس أغسطينس، بدمج حكمة الكتاب المقدّس في التّقليد اليونانيّ الرّومانيّ، أنّ المعلّم الحقيقيّ يوقظ الرّغبة في الحقيقة، ويُربّي الحرّيّة على قراءة العلامات والإصغاء إلى الصّوت الدّاخليّ” (رسالة بابويّة عامّة، رسم خرائط جديدة للرجاء، 2. 2).
يجب ألّا تنغلق تربيتنا الكاثوليكيّة على نفسها ضمن دائرة مغلقة. بل يجب أن تعتاد الإصغاء إلى العائلات والمجتمع المدنيّ والسُّلطات السّياسيّة والإداريّة، وكذلك الإصغاء إلى ممثّلي القطاعات الإنتاجيّة والفئات المهنيّة. في أيّامنا هذه، يُصغي أطفالنا وشبابنا حين يشاركون في العمل التطوّعيّ أو الرّسالة أو المشاريع المجتمعيّة. فمَن يُصغي يرى في الآخر خيرًا، لا تهديدًا. وقد عُدَّ الإصغاء إلى الله في الكتاب المقدّس فعلًا من أفعال الحكمة والتعقّل والعدل (راجع الأمثال 1، 2-5؛ 2، 1-9). هذه الفضائل الثّلاث يجب أن تزيّن مشاريعنا التّربويّة، مع الأخذ في الاعتبار أنّ الأجيال تتغيّر اليوم بوتيرة أسرع بكثير ممّا كانت عليه في السّابق، وأنّ مواكبة العصر من دون التخلّي عن التّقليد السّليم هو تحدٍّ حقيقيّ.
أيّها الإخوة والأخوات الأعزّاء، أطلب منكم أن تواصلوا المسيرة وإعلان الإنجيل والتأمّل في الإنسان بكليّته: “الجسد والنّفس، القلب والضّمير، العقل والإرادة” (الدّستور الرّعائي، فرح ورجاء، 3). يجب ألّا نتوقّف. لنواصل السّير مع الرّبّ يسوع، الطّريق والحقّ والحياة. أجدّد شكري لكم على العمل التّربويّ الذي تقومون به، وإذ أضع جهودكم تحت حماية سيّدتنا مريم العذراء الطّوباويّة، كرسيّ الحكمة، أمنحكم من كلّ قلبي البركة الرّسوليّة.
***********
© جميع الحقوق محفوظة – حاضرة الفاتيكان 2026
Copyright © دائرة الاتصالات – Libreria Editrice Vaticana
نشكر قراءتكم المقال. إن أردتم تلقّي الأخبار اليوميّة من زينيت عبر البريد الإلكترونيّ، يمكنكم الاشتراك مجانًا عبر الضغط على هذا الرابط
