لا يمكن أنْ نرضى بإنْ نكونَ صورة أو نسخة (كوبي) للآخر، ويرى الإنسان ذاته في وسط أمواج العلم والتقنيّة والتكنولوجيّات الكثيرة التي تعصف بحياتنا – ولا نقول أنها خاطئةٌ أو سيّئة – وكأنّه ألعوبة بأياد خفية تحرّكه يمينة ويسرة.. فبعد أن كان الإنسان هو الشخص ” الفاعل” ، أمسى “مفعولً به” مشتّتًا ضائعًا تائهًا في بحر العالم الميكانيكيّ المتحرّك .. وهو الثابت الجامد عليه أن يطيع وأن يساير كلّ شيء أمامه .. إمّا لانّ الحُجّة قويّة عليه وقد تأتيه من المجتمع البيتيّ (الأهل والأقارب)، بإنْ يكونَ صورة لهم لئلا تُفقد كرامته ، (أي ميكانيكيّة الشرف والكرامة) المشهورين بها أهل الشرق ، وتشوَّه الصورة التي كوّنوها ، وإمّا لانّ العالم المعاصر – وهذا هو ما يحدث – يقدّمُ معطياتٍ لا خُلقية وهميّة مستهلكةٍ لحقيقة الإنسان – كما كانت الفلسفة الماركسيّة تقول: بإن الله الخالق للإنسان لا يمكن أن نعترف به، لانّ هذا قمّة إنحطاط الإنسان وجعله فاقد الحريّة. فلا تقبل الماركسيّة بإن يكون عبدًا مطيعًا للخالق فهذا كسرٌ للحريّة وللعمل، لكنْ ، من المؤكّد أن هذه النظرة الماركسيّة خاطئةٌ جدّا، فلم تسلمُ من الأنتقادات التي وجّهتْ إليها.. قد يكون الموضوع فيه شيءٌ من التناقض، أي يجب أن يكون الانسان حرّا طليقًا .. لكن حريّة الله هي التي تعطي لحريّة الإنسان القيمة الحقيقيّة وتجعلهُ صورة حقيقيّة لله وللكرامة الصحيحة: لهذا فالمسيحيّة بالعكس تقول، إن الله هو الذي يعطي للإنسان قيمته الحقيقية ولا يكبتها أبدًا.. وأكبر صورة وأعظمها هي صورة : المسيح … فيسوع هو الشخص الأكثر حريّةً في التاريخ البشريّ كلّه ، وقدرَ أن يعطيَ للإنسان كرامته وقيمته .. وحتى أهله وبيته وأبناء قريته _ كما نرى في إنجيل مرقس – قالوا عنه، بسبب تصرّفاته وسلوكيّاته المغايرةَ للمألوف وللأعراف وللتقاليد – أنه جُنّ جنونه أي فقد عقله .. بالعاميّة نقول: فضحنا وكسر سُمَعتَـنا ! … ليس عجيبًا اليوم أتباع المسيح في هذا العالم المعاصر .. وفي العالم البيتي التقليديّ .. أن يكونوا هم أيضا :ضدّ التيّار فاقدي العقل، لانّ العالم العائليّ لا يقبلُ فكرة المسيح والترك البيتي وقلع الجذور، والعالم المعاصر والتقنيّ، يريد أن يكون الإنسان هو الإله – ومن المؤكّد بعد سنين كثيرة سيصنع العلم والتكنولوجيا إنسان الآلةُ التقنيّ .. وهذا ما نراه واضحًا في موضوع الاستنساخ البشريّ والانسان الآلي … أو الأنسان المتفوّق .. الخ ..