الأردن، الأربعاء 1 فبراير 2012 (ZENIT.org). - شاهد العالم جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، ترافقه جلالة الملكة رانيا العبد الله، يقفان مع قداسة البابا بندكتس السادس عشر في أيار 2009 ، على مطل نهر الأردن المبارك، لوضع حجر الأساس لكنيسة معموديّة السيّد المسيح، فعرف العالم أجمع أنّ الأردن حالة فريدة ، وأنّ إطلالة قائد عربي لتدشين كنيسة هو علامة ودلالة ملموستان على أنّ حريّة العبادة في الأردن ، والمكفولة في الدستور، هي ليست حبراً على ورق ، بل هي واقع يومي معاش، ينعم تحت مظلته جميع المواطنين، جميعهم بدون استثناء، بحريّة أداء الشعائر الدينية ، وبحريّة بناء المساجد والكنائس، وبالتالي فإنّهم يعملون بعيشهم المشترك على  خدمة مجتمعهم وقيادتهم ووطنهم.
وليس على الأردن بجديد أن نقول بأنّه راعي المبادرات الخلاقة والفريدة في عالم الحوار والتقارب بين الأديان ، أو بين أتباع الديانات، ليس على مستوى الأردن فحسب، بل وفي العالم أجمع. فمنذ زيارة البابا بولس السادس عام 1964 إلى المملكة واستقباله من الملك الحسين بن طلال رحمه الله ، متزامنا مع استقبال شعبي حاشد ، كان الأردن وما زال فاتحا ذراعيه ليكون قدوة وأنموذجاً يُحتذى في كل أصقاع الأرض .
 وفي ثمانينات القرن الماضي، ابتدأت مؤتمرات الحوار السنوية ، في كل من عمّان العاصمة الحبيبة والفاتيكان بما يمثل من ثقل معنوي وأخلاقي وروحي . فقد عُقد اللقاء الأول بعنوان التعليم الديني في المجتمع المعاصر عام 1989 ، حقوق الطفل و تربيته في الإسلام و المسيحية 1990 و المرأة في المجتمع 1992 و الدين والقوميات 1994 والدين واستخدام موارد الأرض 1996 و الكرامة الإنسانية 1997.
وقد استهل الملك عبدالله الثاني ابن الحسين عهده السعيد عام 1999 ، فبادر إلى إعلان عيد الميلاد عطلة رسمية لكل المواطنين ، وكان ذلك إيذاناً أيضاً بأنَّ العهد الجديد في الأردن يكمل المشوار في الرعاية والسهر، ليس فقط على أمن المواطن وإنّما على شعوره بأنّه عنصر إيجابي وفاعل في بناء المجتمع الحديث. وفي آذار عام 2000 كان الملك عبدالله الثاني ومعه العائلة الهاشمية والأسرة الأردنية يصطفون للترحيب بالبابا يوحنا بولس الثاني الذي قال أمام جلالته : " هنيئاً لكم أيها الأردنيون بصفتَي الضيافة والانفتاح اللتين تتمتعون بهما " .
وبعد أحداث الحادي عشر من أيلول ، ولمّا ذهبت فئات كبيرة  من العالم ومجتمعات كثيرة ، إلى توجيه أصابع الاتهام إلى الإسلام والمسلمين وصبغهم  بصفة الإرهاب الذي لا دين له أصلاً ، كان الأردن سبّاقا وكانت الرعاية الهاشمية لمؤتمر العرب المسيحيين الذي عقد في عمان في 12 آذار عام 2002، خطوة ريادية كذلك ، فوقف العرب المسيحيون " معاً للدفاع عن الأمّة " ، كما جاء في شعار المؤتمر الذي رعاه جلالة الملك شخصياً.
وفي تشرين ثاني عام 2004 ، وبرعاية من الملك أيضاً، كانت الخطوة الأردنية السبّاقة في إطلاق "رسالة عمان" التاريخية التي أصبحت وثيقة يلتجئ إليها كل قاص ودان ليطلع على هوية الإسلام الحقيقية الناصعة ، وهي تؤكد للعالم أنَّ الإسلام لا علاقة له بالإرهاب ، وأنّه دين انفتاح على الآخر ودين اعتدال ووسطية ، وليس أبدا دين انغلاق وعنف وسيف وتخريب بيوت الناس ومؤسّساتهم وبيوت عبادتهم.
وفي أيلول عام 2006 ، وفيما كان العالم يدعو إلى قطع صِلات الحوار بين المسيحيين والمسلمين، إثر محاضرة في إحدى جامعات ألمانيا، كان صوت العقل صادرا من الأردن ، فأطلق الأمير غازي بن محمد مبادرة "كلمة سواء"، وتجاوب معها الفاتيكان، وتمّ تأسيس المنتدى الإسلامي الكاثوليكي الدائم ، ليكون صاحب المبادرات الحوارية العالمية، للتقريب بين الحضارات في وجه من يقولون بصراعها وبين أتباع الديانات ، وبخاصّة بين المسلمين والمسيحيين الذين يشكلون 55 بالمئة من سكان العالم ، وبمستطاعهم في وئامهم وحوارهم وعيشهم السلمي أن يحافظوا على الانسجام والتعاون في العالم أجمع . وقد عَقد المنتدى أولى جلساته في الفاتيكان في تشرين الثاني 2008 بعنوان "محبة الله و محبة الجار".
وفي أيار 2009 ، وقف الأردنيون خلف قائدهم، مرحّبين بصاحب القداسة البابا بندكتس السادس عشر الذي أشاد بالمبادرات الأردنية الحوارية ، واقتبس منها في كلماته وبخاصّة أثناء زيارته التاريخية لمسجد الحسين بن طلال في عمّان.
وجاءت دعوة الملك على منبر الأمم المتحدة ، في الثالث والعشرين من أيلول 2010، إلى تخصيص أسبوع سنوي للوئام بين الأديان ، لتكمل المسيرة النيّرة التي اختطها الأردن ، فتبنّتها الدول الأعضاء في الجمعية الأممّية بالإجماع وأقرّتها في العشرين من تشرين ثاني 2010 ، وهكذا نشأ الأسبوع الأول من شباط أسبوعاً سنوياً للوئام بين الأديان ، هاشميّ الفكر وأردنيّ المنشأ وعالميّ التطبيق، وهو سيؤسس بإذن الله لعلاقات طيبة متميّزة بين أتباع الديانات  الذين يتعاونون معاً لتنمية المجتمعات ولخدمة الإنسانية.
و في تشرين أوّل 2011 ، شارك الأردن بوفد رفيع في الاجتماع التاريخي الذي دعا إليه البابا بندكتس في مدينة أسيزي في إيطاليا ، وشارك به ممثلو الأديان في العالم ، إحياء لخمس وعشرين سنة مضت على أول لقاء دعا إليه البابا الراحل في المدينة ذاتها والتي أصبحت رمزا للتعاون بين الأديان في صنع السلام . وفي تشرين ثاني 2011، عُقِد المنتدى الإسلامي الكاثوليكي الثاني في موقع المعمودية – المغطس في الأردن، و جاء تحت عنوان : "العقل و الإيمان و الإنسان"، و شارك به الكاردينال لويس توران رئيس المجلس الحبري للحو ار بين الأديان، رئيسا للوفد الكاثوليكي، و الأمير غازي بن محمد، رئيسا للوفد الاسلامي ، وشارك كذلك الكاهن الأردني المونسنيور خالد عكشة الذي يعمل سكرتيرا للجنة الحوار في الفاتيكان بين المسلمين و المسيحيين. و قد استقبل الملك أعضاء الوفدين، و قال لهم: " الوجود المسيحي في المنطقة تاريخي، وهو مكوّن أساسي في التنوّع الإنساني الذي يحرص الأردن على حمايته ". و بعدها بأيام كانت مدينة الفحيص برؤساء الكنائس و المؤمنين فيها في استقبال الملك عبدالله الثاني في زيارة تهنئة للمسيحيين في عيد الميلاد المجيد.
واليوم ، وفيما يحيي العالم الأسبوع الثاني للوئام بين الأديان ، و فيما يبدي العالم مخاوفه على المسيحيين في الشرق الأوسط كنتيجة سلبية للأحداث الجارية في عدّة بلدان، يواصل الأردن، كونه أنموذجاً راقياً في العيش المشترك و في التآلف و التعددية الايجابية. ومن أجمل القول ما جاء على لسان وزير الخارجية الإيطالي للوفود المشاركة  في سينودس (مجمع) الكنيسة الكاثوليكية في الشرق الأوسط، الذي انعقد في الفاتيكان في تشرين أول 2010 ، فوقف عند أوضاع المسيحيين  في الوطن العربي ، ووجد أنّ هنالك العديد من الصعوبات والتحديات والآلام التي تواجههم ، إلاّ أنّه في نهاية الكلمة ، قد صرّح بأنّ حكومته الإيطالية تنظر بعين التقدير والإعجاب إلى أنموذج مثالي في الشرق، وهو أنموذج الأردن الذي يعيش سكانه، مسيحيين ومسلمين ، معا  بمحبة وانسجام وعيش مشترك مثالي.
    وبعد ، هذا غيض من فيض من مبادرات أردنية ، جعلت الأسبوع الأول من شباط من كل عام، أسبوع الوئام بين الأديان ...  وما أحوج العالم دائما إلى التذكر والتذكير بضرورة التعاون بين أتباع الديانات، فما وجدت هذه لتكون عنصر فرقة وتباغض ، بل لتسهم في كلّ مجهود للمودّة والسلام في كل أقطار الأرض.  

مدير الإعلام في البطريركية اللاتينية
abouna.org@gmail.com
www.abouna.org

الضمير والوجدان والاخلاق المسيحية

بقلم شربل الشعّار
كندا، الاثنين 30 يناير 2012 (ZENIT.org). – كلمة ضمير تعني في اللغة اللاتينية (Latin conscius con- “together” + scire “to know”), أن “أعرف مع”. وهناك مثل لبناني يقول: العتب على قدر المعرفة (أو المحبة).
يقول الدكتور دانولد ديماركو (دكتور في الفلسفة واللآهوت) في كتابه “نظرة جديدة على وسائل منع الحمل” أن الضمير ليس هو مصدر الحقّ. ويجب ان نثقّف ضميرنا حسب تعاليم الكنيسة الكاثوليكية حول الأخلاقيات المسيحية. مصدر الحقّ هو الله وليس الضمير. فإذا لم يكن هنالك تنوير للضمير لا يعتبر هذا الضمير صالحًا.
وهنا نرى انه عندما لا يكون الضمير صالحًا ومنورًا بالحقّ، يتصرف البشر من خلال الوجدان البعيد عن المعرفة، وحسب الشعور والحواس الخمس والغرائز والميول الملحدة.
يعلّم أحد الأساتذة الملحدين في احد الجامعات الكندية التلاميذ، فيقول: جربها (اي الخطيئة) عهر زنى إشتهاء مماثل… إذا احسست انها جيدة تكون جيدة.
هذه نسبية اخلاقية التي تقول ما هو شرّ لك هو خيرّ لي وما هو خير لك شرّ لي. انت وانا نقرر ما هي الحقيقة!
عندما نتكلم عن الأخلاقيات بشكل عام والأخلاق المسيحية بشكل خاص، نرى في المجتمعات اليوم ان هنالك عدة مستويات من الأخلاق (وارفض ان اسميها انواع)، الأمر يتعلق بالمسافة بين الناس والحقّ، الحقّ الذي نتكلم عنه هو شخصّ يسوع المسيح، الطريق والحقّ والحياة، واستعمال الوجدان بدل الضمير، لهذه السبب نرى في المجتمع اليوم اختلاف وتباعد لاقصى الدراجات في الأخلاقيات والحقّ بالحياة بعضهم مع القتل وبعضهم مع الحياة. من التربية الجنسية الغير أخلاقية للأطفال في المدارس، إلى عقلية منع الحمل إلى الإجهاض الكيماوي والجراحي إلى التبرّع بالأعضاء الجسدية الحيوية الغير اخلاقي، وصولاً إلى ما يسمّى القتل الرحيم ومساعدة الإنتحار.
الوجدان
صدرت في العام 2000 دراسة عن الوجدان تقول ما يلي:
“الوجدان هو صوت صغير كدائرة الخاتم : يقول لكِ بمن تثقي ومتى تكوني صامة ، وما هو إحساس أعز أصدقاءكِ ولا يقول لكِ دائما كل ما تريدي أن تسمعيه، لكن، متى كانت آخر مرة هذا الصوت كان خاطئاً؟ إذا كنتِ تواجهِين أزمة حمل ليس من الضروري أن تعملي إجهاض هنالك غير خيرات ، فكري قبل” (1).
الوجدان في اللغة العربية: من وجد، ووجودا، ووجدانا، بمعنى أدركه وحصل المطلوب، والإدراك هنا على ضربين: تصوري في الذهن أو تصديقي له واقع خارج الذهن والوجود أنواع:
وجود حسي: وهو ما يوجد بوساطة الحواس الخمس، نحو: وجدت زيدا، ووجدت صوته ووجدت طعمه ووجدت خشونته. ووجود شعوري: وهو ما يوجد بوساطة حركة الإحساس الغريزي بالشعور الداخلي في خلجات النفس، نحو: وجدت شعور الحب للأشياء والميل لها، من التملك والخوف والخشوع والتذلل والكبرياء وغيرها. ووجود بقوة الإنفعال الشعوري كوجود الغضب والحزن والسيادة والسخط.
السامري الصالح عندما إلتقى بالرجل الجريح على جنب طريق، لم يستعمل وجدانه، مثل الكاهن واللاوي اللذين خافا على ذاتهما وقالا كل واحد في نفسه وجدانه: ماذا سيحصل لي إذا ساعدت هذا الإنسان؟ السامري الصالح استعمل قلبه وضميره وحول السؤال وسأل نفسه: ماذا سيحصل له إذا لم أساعده انا؟
إذًا السامري الصالح لم يفكر بوجوده والخطر والتهديد على حياته، بل فكر بوجود القريب المعذب وحياته هو التي في خطر، لان الذي سرق وضرب وهرب، وعذاب ضميره بدء (2)