انتقل البابا بعدها إلى الحديث عن مزايا الثقافة البرازيلية وقدرتها على الدمج بين عناصر مختلفة مشيرا إلى أن هذه النظرة إلى الإنسان والحياة، التي تميّز الشعب البرازيلي، تتغذى من عصارة الإنجيل ومن خلال الكنيسة الكاثوليكية: الإيمان بيسوع المسيح، بمحبة الله والأخوّة مع القريب.  هذا ثم أكد الحبر الأعظم أن تنمية أنسنة متكاملة وثقافة اللقاء والعلاقات ليست إلا الطريقة المسيحية من أجل تعزيز الخير المشترك وفرح الحياة. وهنا في البرازيل يتلاقى الإيمان مع العقل، البعد الديني مع مختلف أبعاد الثقافة الإنسانية: الفن، العلوم، العمل والأدب.

بعدها تطرق البابا فرنسيس إلى المسؤولية الاجتماعية، التي تتطلب الارتكاز إلى نموذج ثقافي محدد وبالتالي انتهاج خط سياسي. وقال: إننا مسؤولون عن تنشئة أجيال جديدة تكون جديرة في حقلي الاقتصاد والسياسة وراسخة في القيم الخلقية. المستقبل يتطلب منا نظرة إنسانية للاقتصاد وسياسةً تفسح المجال أمام المشاركة واستئصال الفقر، إذ لا بد أن يتم ضمان الأخوّة والكرامة والتضامن بالنسبة للجميع دون استثناء أحد. إن من يتمتعون بمناصب قيادية مدعوون إلى وضع أهداف ملموسة أمام أعينهم والبحث عن الوسائل اللازمة من أجل بلوغ هذه الأهداف. ومن هذا المنطلق وتفاديا للفشل وخيبات الأمل لا بد أن تُجند كل الطاقات والقدرات لصالح الأشخاص الذين نعمل من أجلهم بالإضافة إلى خلق الظروف اللازمة لإيجاد مسيرات جديدة مع الحفاظ على الأمل حيا في القلوب. لا بد أن يحرك الطبقة الحاكمة البحث عن مصلحة الخير العام، وهذا هو السبيل الكفيل بالوصول إلى جذور الشر في المجتمع والتغلب عليها من خلال أفعال جريئة وحرة. ومن هذا المنطلق يجب أن ندرك الواقع الذي نعيشه ونوجه أنظارنا أيضا نحو المستقبل، ويبدو هذا الحس بالمسؤولية الخلقية تحديا تاريخيا لم يسبق له مثيل.

بغية مواجهة المشاكل المطروحة اليوم أمامنا ـ تابع البابا يقول ـ يتعين الاستناد أيضا إلى الحوار البنّاء. الحوار هو الخيار البديل عن اللامبالاة الأنانية والتظاهرات العنيفة. إنه حوار بين الأجيال، ومع الشعب، إنها القدرة على الأخذ والعطاء، مع الحفاظ على الانفتاح على الحقيقة. إن البلد ينمو، قال الحبر الأعظم، عندما يُعقد حوار بناء بين المكونات الثقافية الغنية والمتنوعة: الثقافة الشعبية، والجامعية والشبابية والفنية والتكنولوجية والاقتصادية والعالمية والإعلامية. من المستحيل أن نتصور مستقبلا للمجتمع من دون إسهام قوي من قبل الطاقات الخلقية، ويضطلع بدور رئيس على هذا الصعيد إسهام الديانات الكبرى، التي هي خميرة الحياة الاجتماعية ومحرك الديمقراطية. كما تساهم الدولة العلمانية في الحفاظ على التعايش السلمي بين الديانات المختلفة، شرط ألا تتخذ مواقف طائفية وأن تحترم وتقيّم حضور العامل الديني في المجتمع وتشجع التعبير عن المعتقدات الدينية.

ختم البابا كلمته قائلا: عندما يطلب مني القادة نصيحة ما، أعطي دائما الجواب نفسه: الحوار، الحوار، الحوار! إن الطريقة الوحيدة لتحقيق نمو الشخص والعائلة والمجتمع، والطريقة الوحيدة التي تسمح بتقدم حياة الشعوب هي ثقافة اللقاء، ثقافة يقدم فيها كل طرف ما هو جيد لديه، ويأخذ ما هو جيد لدى الآخرين. وهكذا فقط ينمو التفاهم بين الثقافات والأديان في إطار الاحترام المتبادل. ينبغي علينا اليوم أن نراهن على ثقافة اللقاء وإلا سيخسر الجميع!

الأب لومباردي يعلق عن نشاطات البابا يوم أمس الأربعاء ويسلط الضوء على أهمية زيارته لمعبد أباريسيدا ومستشفى فرنسيس الأسيزي

في ختام اليوم الأول من نشاطات البابا فرنسيس في البرازيل أجرى مراسل إذاعة الفاتيكان في ريو دي جانيرو مقابلة مع مدير دار الصحافة التابعة للكرسي الرسولي الأب فدريكو لومباردي الذي سلط الضوء على أهمية زيارة الحبر الأعظم لمعبد أباريسيدا المريمي وعلى تميّز البابوات السابقين بإكرامهم للسيدة العذراء. قال الأب لومبادري بهذا الصدد إنه تأثر بدافع الاستمرارية بين أفعال البابوين فرنسيس وبندكتس السادس عشر، والتي قد تكون مستوحاة من البابا الراحل الطوباوي يوحنا بولس الثاني. ولفت إلى تميّز هؤلاء الرجال الثلاثة ـ الذين يعرفهم معرفة شخصية ـ بإكرامهم القوي للسيدة العذراء. وتابع الأب لومباردي مشيرا إلى أهمية معبد أباريسيدا المريمي في البرازيل، الذي يُعتبر معبدا وطنيا، وقد استضاف مؤتمر اتحاد المجالس الأسقفية في أمريكا اللاتينية والكراييب، وقد شارك في صياغة نص الوثيقة الصادرة عن هذا اللقاء، الكاردينال برغوليو آنذاك، أي البابا الحالي فرنسيس، وقد سلطت الوثيقة الضوء على رسالة الكنيسة في أمريكا اللاتنية خلال هذه السنوات.

البابا فرنسيس بين الفقراء ونداء من أجل عالم أكثر عدلا وتضامنا

في اليوم الرابع من زيارته البرازيل احتفالا باليوم العالمي الثامن والعشرين للشباب، قصد قداسة البابا فرنسيس صباح الخميس بالتوقيت المحلي “مدينة الصفيح” في فارجينيا بضواحي ريو. وفور وصوله، ووسط ترحيب حار جدا، زار الحبر الأعظم الكنيسة الصغيرة التي تحمل اسم القديس جيرولامو إيملياني حيث رفع الصلاة وبارك المذبح الجديد، ليتوجه بعدها سيرا على الأقدام إلى ملعب لكرة القدم في هذا الحي الفقير حيث وجه كلمة قال فيها: منذ وضع برنامج زيارة البرازيل، كانت رغبتي بأن أزور جميع أحياء هذه الأمة، أردتُ أن أقرع كل باب، لكن البرازيل بلد كبير جدا، فاخترت المجيء إلى هنا، للقاء هذه الجماعة التي تمثل اليوم كل أحياء البرازيل، وأضاف: ما أجمل الاستقبال بمحبة وكرم وفرح! لقد شعرت منذ اللحظة الأولى لوصولي الأرض البرازيلية بحرارة الاستقبال. فعندما نستقبل شخصا بكرم ونتقاسم معه بعضا من الطعام وفترة من وقتنا، لا نبقى أبدا فقراء إنما نغتني. أعلم جيدا أنه عندما يطرق جائع بابكم تجدون دائما طريقة لتتقاسموا معه الطعام.