الفاتيكان، 2008 (Zenit.org). – ننشر في ما يلي التعليم الذي تلاه قداسة البابا بندكتس السادس عشر في قاعة بولس السادس في الفاتيكان.

* * *

أيها الإخوة والأخوات الأعزاء،

بعد وقفة الرياضات الروحية الأسبوع الماضي نعود اليوم إلى شخصية القديس أغسطينوس العظيم، الذي تحدثت عنه مرارًا في تعليم الأربعاء. إنه أب الكنيسة الذي ترك أكبر عدد من المؤلفات، وأود الكلام عن هذه الكتابات اليوم بشكل مقتضب. تتمتع بعض مؤلفات أغسطينوس بأهمية بالغة، ليس فقط بالنسبة لتاريخ المسيحية بل أيضًا بالنسبة لنشوء كل الثقافة الغربية: المثال الأفصح هو كتاب الاعترافات، الذي هو أحد أكثر كتابات العصر المسيحي القديم قراءةً. فأسوةً بسائر آباء الكنيسة في العصور الأولى، ولكن بشكل أوسع بكثير، كان لأسقف هيبونا تأثيرًا وسعًا وثابتًا، كما يبدو ذلك من خلال تقليد المخطوط الرحب لمؤلفاته، الذي هو كثير بالفعل.

وقد استعرضها هو نفسه قبل بضعة سنوات من وفاته في كتاب "المراجعات" وبعد موته بقليل تم تسجيل كتابات أغسطينوس بحرض كبير في "الفهرس" الذي أضافه صديقه الأمين بوسيديوس على سيرة القديس أغسطينوس، " Vita Augustini".

ولقد تم تسجيل فهرس مؤلفات أغسطينوس لرغبة واضحة في حفظ ذكره بينما كان الغزو الوندالي يمتد في كل إفريقيا الرومانية، ويتضمن الفهرس 1300 مؤلف قام بتعدادها المؤلِف نفسه، ومؤلفات أخرى "لا يمكن إحصاؤها، لأنه لم يضع عليها أي رقم". كان بوسيديوس أسقف مدينة مجاورة، وقال هذه الكلمات في هيبونا بالذات – حيث لجأ ورافق صديقه حتى الموت – وكان يرتكز بشكل شبه أكيد على فهرس مكتبة أغسطينوس الشخصية. يزيد عدد الرسائل التي ما زالت محفوظة عن 300 رسالة، ونحو 600 عظة، وكانت أكثر بكثير قبلاً، وربما كان عددها بين 300 و 4000 عظة، ثمرة حوالي 40 سنة من الوعظ قام بها البليغ القديم الذي قرر أن يتبع يسوع وأن يتحدث لا إلى كبار البلاط الإمبراطوري، بل إلى شعب هيبونا البسيط.

وفي السنوات الأخيرة اغتنت معرفتنا بأب الكنيسة الكبير هذا إثر اكتشاف مجموعة من الرسائل وبعض العظات. يكتب بوسيديوس: "قام بتأليف ونشر الكثير من الكتب، وألقى الكثير من العظات في الكنيسة، وقد تمت كتابتها وتصحيحها لدحض مختلف الهراطقة، ولتفسير الكتاب المقدس ولتنوير أبناء الكنيسة القديسين. وهذه الكتابات – يشدد الأسقف القديس – هي كثيرة لدرجة يصعب على الباحث أن يقرأها ويتعلم أن يعرفها" (Vita Augustini, 18, 9).

وفي إطار إنتاج أغسطينوس الأدبي – أي في إطار آلاف الكتابات التي تقسم بين كتابات فلسفية، ودفاعية، وعقائدية، وخلقية، ونسكية، وتفسيرية، وضد الهراطقة، إضافة إلى الرسائل والعظات – تتألق بعض الكتابات المميزة لأجل نظرتها اللاهوتية والفلسفية العميقة. جديرة بالذكر بوجه خاص الاعترافات المذكورة آنفًا، والتي كتبت في 13 سفراً بين عامي 397 و400 تمجيدًا لله. هي بمثابة سيرة ذاتية مكتوبة بشكل حوار مع الله. يعكس هذا الأسلوب الأدبي حياة القديس أغسطينوس، التي لم تكن حياة منغلقة على ذاتها، ومتشتتة في كثير من الأشياء، بل معاشة بجوهرها في حوار مع الله وبالتالي كحياة مع الآخرين. وعنوان "الاعترافات" بحد ذاته يكفي للإشارة إلى فرادة هذه السيرة الذاتية. تحمل كلمة " confessiones " في اللغة اللاتينية المسيحية معنين وقد نشأت من تقليد المزامير، ويترابط هذان المعنيان. فـ  " confessiones " تعني تسبيح الله، الاعتراف لله بخطايانا وبؤسنا. النظر إلى البؤس الذاتي على ضوء الله يضحي تسبيحًا لله وشكرًا له لأن الله يحبنا ويقبلنا، ويحولنا ويرفعنا نحو ذاته. وبشأن هذه الاعترافات التي حظيت بشهرة واسعة حتى خلال حياته، كتب أغسطينوس بالذات: "لقد كان لها تأثير كبير علي بينما كنت أكتبها وما زال لها هذا التأثير كل مرة أعيد قراءتها. هذه الكتابات تروق للكثير من الإخوة" (Retractationes, II, 6)، وانا واحد من هؤلاء "الإخوة".

 بفضل الإعترافات يمكننا أن نسير خطوة تلو الأخرى في المسيرة الباطنية التي عاشها هذا الرجل الفريد والمولع بالله.

و"المراجعات" هو كتاب آخر أقل انتشارًا ولكنه مميز وعالي الأهمية بالشكل عينه، ألفه أغسطينوس في مجلدين حوالي عام 427. يقوم أغسطينوس الشيخ بعمل "مراجعة" (retractatio) لكل مؤلفاته المكتوبة، تاركًا نصًا أدبيًا فريدًا وثمينًا، ولكن أيضًا درسًا في الصدق والتواضع الفكري.

"مدينة الله": كتاب هام ومصيري في نمو فكر الغرب السياسي وفي لاهوت التاريخ المسيحي – كُتب بين 413 و 426 في 22 سفرًا. كانت المناسبة سبي روما الذي قام به الغوط عام 410. وقال الكثير من الوثنيين الذين كانوا ما زالوا أحياء، مع الكثير من المسيحيين: لقد سقطت روما، لا يستطيع إله المسيحيين والرسل أن يحموا المدينة. خلال تواجد الآلهة الوثنين كانت روما "رأس العالم"، العاصمة الكبرى، ولم يكن أحد يعتقد بأنها قد تسقط في أيدي الأعداء. الآن، مع إله المسيحيين، لم تعد هذه المدينة تبدو آمنة. إله المسيحيين لم يحمها، ولذا لا يمكن أن يكون الإله الذي يجب أن يتوكل الإنسان عليه.

على هذا الاعتراض الذي لمس بالعمق حتى قلوب المسيحيين، يجيب القديس أغسطينوس عبر هذا المؤلف العظيم، "مدينة الله"، موضحًا ما علينا أن ننتظر من الله وما لا يجب أن ننتظره منه، وما هي العلاقة بين البعد السياسي وبعد الإيمان، بعد الكنيسة. ما زال هذا الكتاب اليوم أيضًا منهلاً للتعريف بالعلمانية الحقة وكفاءات الكنيسة، الرجاء الحقيقي والكبير الذي يهبنا إياه الإيمان.

هذا الكتاب الكبير هو عرض لتاريخ البشرية التي تقودها العناية الإلهية، ولكنها الآن منقسمة بين حُبّين. وهذا هو المشروع الأساسي، أي فهم أغسطينوس للتاريخ، وهو صراع بين حبين: حب الذات "حتى عدم الاكتراث بالله"، وحب الله "حتى عدم الاكتراث بالذات" (De civitate Dei, XIV, 28)، ووصولاً إلى الحرية الكاملة من الذات لأجل الآخرين على ضوء الله.

هذا هو ربما أعظم كتب أغسطينوس، وله أهميته الدائمة. ويتمتع بأهمية كبيرة أيضًا كتاب "في الثالوث" ()، وهو مؤلف من 15 سفراً حول محور الإيمان المسيحي الأساسي، الإيمان بالإله الثالوثي، وتمت كتابته على مرحلتين: بين عامي 399 و 412 الأسفار الإثني عشر الأولى، وتم نشرها على غفلة من أغسطينوس، الذي أكمل الأسفار نحو العام 420 وأعاد النظر في المؤلف بكامله.

يتأمل أغسطينوس هنا بوجه الله ويسعى إلى فهم سر الله الواحد، والخالق الأوحد لكل العالم وخالقنا جميعًا، ومع ذلك، فإن هذا الإله الأوحد بالذات هو إله ثالوثي، هو حلقة محبة. يسعى أغسطينوس إلى فهم السر الذي لا يُسبر غوره: كيان الله الثالوثي، في ثلاثة أقانيم بالذات، هو وحدة الإله الواحد الأحقّ الأعمق.

أما "في العقيدة المسيحية" (De doctrina Christiana) فهو مدخل ثقافي إلى تفسير الكتاب المقدس بكل ما للكلمة من معنى ، وفي نهاية المطاف، إلى تفسير المسيحية عينها، التي كان لها أهمية مصيرية في قيام الحضارة الغربية.

بالرغم من كل تواضعه، كان أغسطينوس يعي بالتأكيد مقامه الفكري. ولكن بالنسبة له، الأمر الأهم من تأليف كتابات بعيدة النظر ولاهوتية، كان حمل الرسالة المسيحية إلى البسطاء. تظهر هذه النية الأعمق التي كانت دليلًا له كل حياته في رسالة كتبها إلى رفيقه أوفيديوس، حيث يعلمه بقراره أن يتوقف لحين عن إملاء أسفار "في الثالوث" "لأنها متعبة جدًا، وأعتقد أن قلة من الناس تستطيع فهمها؛ ولهذا هناك حاجة ملحة لنصوص نترجى أن تكون ذات فائدة لكثيرين" (Epistulae, 169, 1, 1).

ولذا كان أكثر فائدة بالنسبة له نقل الإيمان بشكل مفهوم للجميع، بدل كتابة مؤلفات لاهوتية كبيرة. كانت المسؤولية التي كان يشعر بها بشكل حاد في تعميم الرسالة المسيحية الدافع وراء كتابات مثل "في التعليم المسيحي للمبتدئين" (De catechizandis rudibus) وهو يتضمن نظريات وتطبيق في تعليم الإيمان، أو "مزمور ضد بدعة دوناتوس" (Psalmus contra partem Donati).

كانت بدعة دوناتوس أكبر مشاكل إفريقيا في زمن القديس أغسطينوس، كان انشقاقًا إفريقيًا إراديًا. كانوا يقولون: المسيحية الحقة هي المسيحية الإفريقية. كانوا يناهضون وحدة الكنيسة. حارب الأسقف العظيم ضد هذا الإنشقاق طوال حياته ساعيًا إلى إقناع الدوناتيين بأنه في الوحدة فقط تستطيع الإفريقية أن تكون حقةُ. ولكي يفهم البسطاء، الذين ما كانوا ليفهموا مستوى البليغ في اللاتينية، قال: علي أن أكتب مع بعض الأخطاء في القواعد، وبلغة لاتينية مبسطة. وقام بذلك في هذا المزمور، وهو عبارة عن قصيدة بسيطة ضد الدوناتيين، لكي يساعد الناس على أن يفهموا أنه فقط في وحدة الكنيسة يمكن أن نعيش جميعنا علاقتنا مع الله وأن يزدهر السلام في العالم.

في إطار هذا النتاج الذي يتوجه إلى جمهور أوسع، تحتل العظات أهمية خاصة. غالبًا ما ألقاها أغسطينوس بشكل عفوي، وكتبت خلال الوعظ وتم نشرها بعد ذلك فورًا. من بين هذه المؤلفات يتألق التعليق الرائع على المزامير (Enarrationes in Psalmos)، والذي كان يقرأ كثيرًا خلال العصور الوسطى. وتفسر عادة نشر آلاف عظات أغسطينوس – غالبًا دون علم المؤلف – انتشار هذه المؤلفات وضياعها في ما بعد، ولكن يفسر حيويتها أيضًا.

فسرعان ما كانت عظات أسقف هيبونا، نظرًا لشهرة مؤلفها، تصير نصوصًا مطلوبة وكانت تفيد الأساقفة الآخرين والكهنة كنموذج يتم التصرف به تبعًا للسياق الجديد.

يمثل التقليد التصويري، بدءًا بلوحة مائية لاترانية تعود للقرن السادس، القديس أغسطينوس وبيده كتاب، تعبيرًا عن إنتاجه الأدبي، الذي أثر كثيرًا في عقلية وفكر المسيحيين، وتعبيرًا أيضًا عن حبه للكتب، وللقراءة ولمعرفة الثقافة الكبرى التي سبقته.

لدى موته لم يخلف شيئًا، بحسب ما يخبر به بوسيديوس، ولكن "كان يحض دومًا على الحفاظ بحرص على مكتبة  الكنيسة بكل مخطوطاتها من أجل الخلفاء"، وخصوصًا مخطوطات مؤلفاته.  في هذه المؤلفات، ما يبقى أغسطينوس "حيًا أبدًا" ويفيد من يطالع كتاباته، حتى ولو – يختم بوسيديوس - "أعتقد أنه كان ينال فائدة أكبر في التواصل معه مَن تمكن من رؤيته وسماعه وهو يتكلم شخصيًا في الكنيسة، وخصوصًا أولئك الذين كانوا على اتصال مع حياته اليومية مع الناس" (Vita Augustini, 31).

نعم، كم جميل لو كان بامكاننا أن نسمعه حيًا. ولكنه حي حقًا في كتاباته، وهو حاضر فينا، ويمكننا أن نرى أيضًا أن نرى الحيوية الدائمة في الإيمان الذي وهب له حياته كلها.

* * *

نقله من الإيطالية إلى العربية روبير شعيب – وكالة زينيت العالمية (Zenit.org)

حقوق الطبع محفوظة لمكتبة النشر الفاتيكانية – 2008.

تعليم الأربعاء لقداسة البابا بندكتس السادس عشر

الفاتيكان، 28 نوفمبر2007 (ZENIT.org). – ننشر في ما يلي التعليم الذي تلاه قداسة البابا بندكتس السادس عشر في ساحة القديس بطرس في الفاتيكان.

* * *

القديس افرام السرياني

أيها الإخوة والأخوات الأعزاء!

بحسب الرأي السائد اليوم، يتم اعتبار المسيحية دينًا أوروبيًا، قام بنشر ثقافة هذه القارة في دول أخرى. ولكن واقع الأمور أكثر تعقيدًا، لأن جذور الدين المسيحي هي في العهد القديم وبالتالي في أورشليم وفي العالم السامي. والمسيحية تتغذى على جذر العهد القديم هذا. وكذلك انتشاره في العصور الأولى، تم في اتجاه الغرب – نحو العالم اليوناني واللاتيني، حيث ألهم الثقافة الأوروبية – وفي اتجاه الشرق، وصولاً إلى بلاد الفرس، والهند، مسهمًا بذلك في قيام ثقافة خاصة، ساميّة اللغة، ذات هوية خاصة.

 لإظهار تعدد وجوه إيمان فجر المسيحية، تحدثت في تعليم الأربعاء الماضي عن ممثل لهذه المسيحية الأخرى، أفرهاط الحكيم الفارسي، الذي نعرف القليل عنه.

 في الخط عينه أود أن أتحدث اليوم عن القديس افرام السرياني، الذي ولد في نصيبي نحو العام 306 في عائلة مسيحية. هو أكبر ممثل للمسيحية السريانية وقد تمكن أن يوفق بين دعوته كلاهوتي وكشاعر.

 تنشأ ونما بالقرب من يعقوب، أسقف نصيبي (303 – 338)، وأسس معه المدرسة اللاهوتية في مدينته. سيم شماسًا، وعاش يعمق حياة الجماعة المسيحية حتى عام 363، السنة التي وقعت فيها نصيبي بيد الفرس. وعندها هاجر إلى أديسا، حيث تابع رسالته كواعظ. مات في هذه المدينة عام 373، ضحية الطاعون الذي أصيب بعدواه خلال عنايته بمرضى الطاعون.

 لا نعرف بالتأكيد هل كان راهبًا أم لا، ولكن على كل حال، من المؤكد أنه بقي شماسًا طيلة حياته وقد اعتنق البتولية والفقر. وهكذا تظهر في خصوصية تعبيره الثقافي الهوية المسيحية المشتركة والأساسية: الإيمان، الرجاء – هذا الرجاء الذي يؤهل المرء أن يعيش فقيرًا وعفيفًا في هذا العالم، واضعًا كل تطلعاته في الرب – وأخيرًا المحبة، وصولاً إلى هبة الذات في عنايته بمرضى الطاعون.

 لقد ترك لنا القديس افرام إرثًا لاهوتيًا ضخمًا: يمكننا أن نقسم مؤلفاته اللاهوتية إلى 4 أقسام: كتابات وضعت في نثر عادي (الكتابات الجدلية، أو التفاسير البيبلية)؛ كتابات في نثر شعري؛ عظات في بيوت شعرية؛ وأخيرًا الأناشيد، وهي أوسع مؤلفات افرام.

 افرام السرياني مؤلف غني ومشوق لأسباب عدة، وخصوصًا من الناحية اللاهوتية. خصوصية كتاباته هي أن اللاهوت والشعر يلتقيان فيها. وإذ نتقرب من كتاباته، علينا أن نصر على هذا الأمر منذ البدء: أي أنه يؤلف اللاهوت ببنية شعرية. يؤهله الشعر أن يتعمق في التفكير اللاهوتي من خلال المفارقات والصور. في الوقت عينه يصبح اللاهوت ليتورجية، يضحي موسيقى.

 كان بالحقيقة مؤلفًا موسيقيًا كبيرًا، كان موسيقارًا كبيرًا. اللاهوت، التفكير بالإيمان، الشعر، الغناء، وتسبيح الله تتماشى سوية؛ وفي هذا الطابع الليتورجي بالضبط، تتجلى في لاهوت افرام بشكل صافٍ الحقيقة اللاهوتية.

 في بحثه عن الله، وفي عمله اللاهوتي، يتبع افرام درب المفارقة والرمز. تحظى لديه الصور المتعارضة بتفضيل كبير، لأنها تفيد في التشديد على سر الله.

 لا يمكنني أن أقدم الكثير من مؤلفاته، وذلك نظرًا لصعوبة ترجمة الشعر، ولكن لكي نعطي أقله فكرة عن لاهوته الشعري، أود أن أستشهد بشكل جزئي بنشيدين. وخصوصًا، نظرًا لدنو زمن المجيء، أعرض عليكم بعض الصور المختارة من أناشيد “في ميلاد المسيح”. أمام العذراء، يعبر افرام بشكل ملهم عن دهشته:

 

تعليم الأربعاء لقداسة البابا بندكتس السادس عشر

الفاتيكان، 21 نوفمبر2007 (ZENIT.org). – ننشر في ما يلي التعليم الذي تلاه قداسة البابا بندكتس السادس عشر في ساحة القديس بطرس في الفاتيكان.

* * *

 أفرهاط “الحكيم”

 أيها الإخوة والأخوات الأعزاء،

 في جولتنا في عالم آباء الكنيسة، أود أن أقودكم اليوم إلى قسم غير معروف كثيرًا من كون الإيمان هذا، أي الأراضي التي أزهرت فيها الكنائس ذات اللغة الساميّة، والتي لم تتأثر بعد بالتفكير اليوناني. نمت هذه الكنائس، طوال القرن الرابع، في الشرق الأوسط، من الأراضي المقدسة إلى لبنان وصولاً إلى بلاد ما بين النهرين.

 في ذلك القرن الذي كان قرن تنشئة على الصعيد الكنسي والأدبي، عرفت تلك الجماعات ازدهار الظاهرة التقشفية والنسكية ذات الطابع المحلي، الذي لم يتأثر بالنسك القبطي.

 وعليه تمثل الجماعات السريانية في القرن الرابع العالم السامي الذي منه نتج الكتاب المقدس عينه، وهي تعبير عن مسيحية لم يتصل إنتاجها اللاهوتي بعد بالحضارات المختلفة، بل يعيش أشكالاً خاصة من الفكر.

 في هذه الكنائس، يلعب التقشف بأشكاله النسكية المتنوعة (نساك الصحراء، المغاور، الحبساء، والعموديين)، والحياة الرهبانية بشكلها الجماعي، دورًا حيويًا في نمو الفكر اللاهوتي والروحي.

 أود أن أقدم هذا العالم عبر شخصية عظيمة، هي شخصية أفرهاط المعرف أيضًا باسم “الحكيم”، وهو إحدى الشخصيات البالغة الأهمية وفي الوقت عينه البالغة الغموض في المسيحية السريانية من القرن الرابع. أصله من منطقة نينوى-الموصل، في عراق اليوم، عاش في النصف الأول من القرن الرابع. لدينا معلومات قليلة بشأن حياته؛ كان له علاقات وثيقة مع المحيط الرهباني والنسكي في الكنيسة السريانية، وقد حفظ لنا أخباره في أعماله وكرس له بعضًا من تفكيره.

 لا بل بحسب بعض المراجع، يقال أنه كان رئيسًا لدير، وقد تم تكريسه أسقفًا في ما بعد. كتب 23 خطابًا عرفت باسم “الخطب” أو “البراهين”، تطرق فيها إلى العديد من الموضوعات المسيحية، كالإيمان، المحبة، الصوم، التواضع، الصلاة، الحياة التقشفية، وأيضًا العلاقة بين اليهودية والمسيحية، بين العهد القديم والعهد الجديد. يكتب أفرهاط بأسلوب بسيط، وبجمل قصيرة مستعملاً مفاهيم متوازية ومتباينة أحيانًا؛ ومع ذلك يستطيع أن يسبك خطابًا متكاسكًا يتقدم بشكل متين في مختلف المواضيع التي يعالجها.

 يأتي أفرهاط من جماعة كنسية كانت على الحدود بين اليهودية والمسيحية. كانت جماعة مرتبطة جدًا بالكنيسة الأم في أورشليم، وكان يتم اختيار أساقفتها تقليديًا من ما يعرفون بـ “أقارب” يعقوب، “أخي الرب” (راجع مر 6، 3): كانوا بالتالي أشخاصًا مرتبطين دمًا وإيمانًا بكنيسة أورشليم.

 لغة أفرهاط هي السريانية، وهي بالتالي لغة ساميّة، مثل العبرانية في العهد القديم، ومثل الأرامية التي كان يتكلم بها يسوع نفسه. وكانت الجماعة الكنسية حيث كان أفرهاط يعيش جماعة تسعى لكي تبقى أمينة للتقليد اليهودي-المسيحي، التي كانت تشعر بأنها ابنته. ولذا كانت تحافظ على علاقة وثيقة مع العالم العبراني ومع كتبه المقدسة.

 بشكل معبّر، يصف أفرهاط نفسه بـ “تلميذ الكتاب المقدس”، في عهديه القديم والجديد (الخطبة 22، 26)، ويعتبر الكتاب المقدس مصدر الإلهام الوحيد، ويعود إليه بشكل مستمر جاعلاً منه محور تفكيره.

 كثيرة هي المواضيع التي يتطرق إليها أفرهاط في خطبه. أمينًا للتراث السرياني، غالبًا من يقدم الخلاص الذي قام به المسيح كشفاء، وبالتالي، يقدم المسيح نفسه كطبيب. أما الخطيئة، فتعتبر كجرح، وحدها التوبة تستطيع شفاءه. يقول أفرهاط: لا يخجل رجل ٌجُرح خلال معركة من تسليم نفسه إلى يدي طبيب حكيم…؛ بالشكل عينه، من جرحه الشيطان، لا يجب أن يخجل من الاعتراف بخطيئته والابتعاد عنها، طالبًا دواء التوبة” (خطبة 7، 3).

 هناك بعد آخر مهم في كتابات أفرهاط وهو تعليمه بشأن الصلاة، وبشكل خاص بشأن المسيح معلم الصلاة. فالمسيحي يصلي متبعًا تعليم المسيح ونموذجه كمصلي: “لقد علم مخلصنا الصلاة هكذا، قائلاً: “صل في الخفية إلى من هو خفي، ولكنه يرى كل شيء”؛ وأيضًا: “أدخل إلى مخدعك وصل إلى أبيك في الخفية، وأبوك الذي يرى في الخفية هو يجازيك” (متى 6، 6)… ما يريد مخلصنا إظهاره هو أن الله يعرف أشواق وأفكار القلب” (خطبة 4، 10).

 بالنسبة لأفرهاط تتمحور الحياة المسيحية على الاقتداء بالمسيح، على حمل نيره واتباعه في سبيل الإنجيل. أكثر الفضائل التي تليق بتلميذ المسيح هي التواضع. والتواضع ليس بعدًا ثانويًا من حياة المسيحي الروحية: فطبيعة الإنسان وضيعة والله هو الذي يرفعه إلى مجده. يشير أفرهاط إلى أن التواضع ليس قيمة سلبية: “إذا كانت جذور الإنسان مغروسة في الأرض، تتعالى ثماره حتى رب العظَمة” (خطبة 9، 14). في البقاء بالتواضع، حتى في الواقع الأرضي الذي يعيش فيه، يستطيع المسيح أن يدخل في علاقة مع الرب: “المتواضع هو متواضع، أما قلبه فيرتفع إلى قمم شامخة. عيون محياه تتأمل الأرض أما عيون فكره فتعاين الأعالي السامية” (خطبة 9، 2).

 إن نظرة أفرهاط إلى الإنسان وواقعه الجسداني هي نظرة إيجابية جدًا: الجسد البشري، على مثال المسيح المتواضع، هو مدعو إلى الجمال، إلى الفرح وإلى النور: “الله يتقرب من الإنسان الذي يحب، ومن العدل أن نحب التواضع وأن نبقى في حالة التواضع. المتواضعون هم بسطاء، صبورون، رحماء، دومًا على أهبة الاستعداد إلى أن يتوبوا، كاملون، مستقيمون، خبر
اء في الخير، فطنون، حليمون، بديعون ومرغوبون” (خطبة 9، 14).

 غالبًا ما يقدم أفراهاط الحياة المسيحية في بعد تقشفي وروحي واضح: الإيمان هو ركيزتها وأساسها؛ فالإيمان يجعل الإنسان هيكلاً يقيم فيه المسيح بالذات. وبالتالي، يجعل تصبح المحبة صادقة أمرًا ممكنًا مع الإيمان، ويتم التعبير عنها عبر محبة الله والقريب. وهناك بعد آخر مهم في أفرهاط وهو الصوم، الذي يعتبره في إطار واسع. يتحدث عن صوم الطعام كممارسة ضرورية لكي نكون محبين ومتبتلين، يتحدث عن الصوم الذي يتألف من كبح النفس طلبًا للقداسة، عم صوم الكلمات الباطلة أو المشينة، عن صوم الغضب، عن صوم التملك لأجل الخدمة، عن صوم النوم للقيام على الصلاة.

 أيها الإخوة والأخوات الأعزاء، فلنعد – في الختام – إلى تعليم أفرهاط بشأن الصلاة. بحسب هذا “الحكيم” القديم، الصلاة تتحقق عندما يسكن المسيح في قلب المسيحي، ويدعوه إلى التزام محبة متماسك نحو القريب.