روحانيَّة مزار القدّيس شربل في دير مار مارون – عنّايا

الجزء الأوّل من المقالة

Share this Entry

مقدمة:

ليس مزارُ القدّيس شربل في دير مار مارون – عنّايا مجرّد مكانٍ يُزار، ولا محطةَ حجٍّ عابرة، بل هو واحة روحيّة تتلاقى فيها الأرض بالسماء، والصمت بالكلمة، والوجع بالرجاء. إنّه روضةٌ مفتوحة لكلّ قلبٍ عطشان إلى الله، ولكلّ إنسانٍ متعب يبحث عن معنى، أو شفاء، أو بداية جديدة.

في هذا الدير المتواضع، حيث عاش الحبيس الأب شربل بقاعكفرا خفيًّا عن أنظار العالم، تفجّر بعد موته حضورٌ إلهيّ لافت، جعل من عنّايا مقصدًا للحجّ، وموئلًا للصلاة والتأمّل والتوبة. هنا، لا يعلو صوتٌ سوى همس الصلاة، ولا تُسمَع كلماتٌ بقدر ما تُختبَر نعمة؛ فالصمت الذي عاشه القدّيس شربل صار لغةً، والاختفاء الذي اختاره تحوّل نورًا يشعّ في قلوب المؤمنين.

إنّ مزار القدّيس شربل هو ثمرة قداسةٍ عاشت محبَّة الله حتّى الثمالة، وتجلّت بعد الموت شهادةً حيّة على أنّ الله لا يترك أصفياءه في القبر، بل يجعل منهم ينابيع نعمة لشعبه والعالم. ومن خلال هذا المزار، تتجلّى روحانيّة الكنيسة الأنطاكيّة السريانيّة المارونيّة، والرهبانيّة اللبنانيَّة المارونيَّة بجوهرها، النسكيّة في عمقها، والرسوليّة في إشعاعها.

من عنّايا، خرج راهبٌ صامت ليخاطب العالم بأسره، فجمع حول قبره المؤمنين من كلّ الطوائف والأديان، حاملاً إليهم رسالة الرجاء والشفاء والمصالحة مع الله. وهكذا، أصبح مزار القدّيس شربل علامةً كنسيّة حيّة، ومدرسةً روحيّة تُعلّم الإنسان العودة إلى الله، والإصغاء إلى صوته، والسير في درب القداسة وسط واقع الحياة اليوميّة.

وقد بلغ مزار القدّيس شربل في دير مار مارون – عنّايا ذروةً جديدة من إشعاعه الروحي بزيارة قداسة البابا لاون الرابع عشر إلى الضريح في الأوّل من كانون الأوّل 2025، وهي زيارة حملت في طيّاتها معنى كنسيًّا عميقًا. ففي وقوف وسجود خليفة بطرس أمام جثمان ناسكٍ صامت، التقت الكنيسة الجامعة بتواضع القداسة الشرقيّة، وانفتح مزار عنّايا على رحابة العالم بأسره. لقد أكّدت هذه الزيارة أنّ قداسة مار شربل ليست محليّة أو مرتبطة بجغرافيا معيّنة، بل هي عطية إلهيّة للكنيسة جمعاء، ورسالة صلاة وتوبة ورجاء موجّهة إلى كلّ إنسان، أينما وُجد. وهكذا، من هذا الضريح المتواضع، ارتفع صوت الصمت ليُسمَع في أقاصي الأرض.

في مقالنا هذا؛ نقف أمام تاريخ هذا المزار ومسيرته الروحيّة، لا لنروي أحداثًا فحسب، بل لنقرأ في عمقها معنى القداسة، ورسالة الصمت، ونعمة الحضور الإلهيّ المتواصل في دير مار مارون – عنّايا، حيث لا يزال القدّيس شربل حيًّا في الله، وفاعلًا في حياة شعبه.

  1. بعد وفاة الحبيس الأب شربل بقاعكفرا في 24/12/1898، أضحت هوية دير مار مارون- عنَّايا، مرتبطة به وتعود إليه، حتَّى أصبح القول: “طالعين عَ مار شربل” أو إلى “عنَّايا” والمقصود بذلك إلى دير مار مارون في بلدة عنَّايا، حيث ضريح القدِّيس شربل.

يجذب القدِّيس شربل الجميع بقداسته، فالمزار في عنَّايا مؤسَّس على بطولة قداسته وحضوره الفاعل بين المؤمنين من خلال جثمانه. يرقد القدِّيس شربل في مثواه بين جدران الدير كـ “حي نائم”، يُمطر البركات والعطايا على كل سائل ومصلي وطالب نعمة وشفاء. إنَّه على حدِ قول البابا بولس السادس: “يشترك في سعادة القدِّيسين بنور المسيح، يُمجِّدُ الله ويشفع بنا” (من خطاب التقديس 9/10/1977).

  1. نجد في نطاق بطريركيّة أنطاكية، وفي عالمنا السريانيّ على وجهٍ خاص، ظاهرةَ الحجّ من قِبَل المؤمنين إلى مناسك النساك وإلى أديرة الرهبان، وذلك لنيل البركات والشفاءات، أو لأخذ النصائح والتوجيهات من النساك والرهبان، أو لزيارة أضرحتهم والتبرّك منها. وهذا ما يخبرنا عنه التاريخ في ما يتعلّق بمار مارون في ضريحه في براد شماليّ سوريا، وبمار سمعان العمودي، حيث بُنيت كنيسة على اسمه بشكلٍ مصلّب حول عموده، وغيرهما الكثيرين من أبطال الفضيلة والقداسة. وهكذا الحال مع القدّيس شربل، الذي قصده المؤمنون في المحبسة (1875–1898)، ولا يزالون يقصدونه في دير عنّايا، حيث جثمانه- ذخائره مصدر نعمٍ وبركات منذ وفاته إلى يومنا هذا.
    وهذا ما يؤكّده البابا القدّيس بولس السادس بقوله: “فإنّ ما يُثير التأثّر أنّ شعب الله لم ينخدع، لأنّ قداسة شربل مخلوف قد أشعّت في حياته، فأقبل مواطنوه من مسيحيّين وغير مسيحيّين على تكريمه، ولجأوا إليه لجوئهم إلى طبيب النفوس والأجساد” (من خطاب التقديس). وهذا ما قاله أيضًا البابا لاون الرابع عشر في زيارته إلى ضريح مار شربل: “ففي حياته على الأرض، كان الكثيرون يأتون إليه لينالوا من الله العزاء والمغفرة والنَّصيحة. وبعد موته، تضاعف ذلك وصار بحرًا من الرَّحمة”.
  2. يُجسِّد القدّيس شربل روحانيّة الكنيسة الأنطاكيّة السريانيّة المارونيّة، الغنيّة بالنساك والرهبان. وهذه الكنيسة رهبانيّة بطبيعتها، بل يمكن القول إنّها “كنيسة رهبانيّة” وُلِدت من رحم الدير، على ضفاف نهر العاصي في بلاد أفاميا (سوريا الثانية)، حيث كان دير مار مارون، وذلك بعد مجمع خلقيدونية سنة 451.
    ويُعتبَر القدّيس شربل من سلالة النساك والقدّيسين الكبار في تراثنا الكنسي الأنطاكيّ السريانيّ المارونيّ، إذ يُجسِّد هذه الروحانيّة النسكيّة المميّزة، وفق روحانيّة وتقاليد وقوانين الرهبانيّة اللبنانيّة المارونيّة، ونهج المؤسِّس عبد الله قراعلي، وذلك كما يصفه البابا القدِّيس بولس السادس في احتفال تطويبه بقوله: “زهرة القداسة العجيبة، النامية في حقل التقاليد الرهبانيّة الشرقيّة القديمة” (من خطاب التطويب).
  3. بعد أن شاع خبر تدفّق النور على قبر الأب شربل، أتى الناس من البلدات المجاورة إلى دير عنّايا لزيارة قبر “صفيّ الله” الأب شربل بقاعكفرا الحبيس. أتى الناس يفتّشون عن الكنز الموضوع في ذاك القبر، صارخين هاتفين: “مَن يُدحرِج لنا الحجر عن باب القبر؟”. كان الجميع يريد أن ينال منه بركة، فهو، على غرار القدّيس مارون شفيع الدير، “الكنز المرغوب فيه”، وفق ما يروي لنا ثيودوريطُس أسقف قورش في كتابه “تاريخ أصفياء الله” (الفصل السادس عشر)، سنة 444.

 بعد وفاة مار شربل ببضعة أيام، ظهرت ظاهرة النور على قبره، كدفق نور القيامة على قبر يسوع، وكانت هذه علامة إضافيّة من الله تدلّ على قداسته. لذلك، وبعد أن تحقّق منها الرهبان وأعلموا السيّد البطريرك الياس الحويّك بموجب رسالة رفعها إليه رئيس الدير الأب أنطونيوس المشمشاني، سمح لهم غبطته برفع جثمان الأب شربل من القبر، إذ إنّ الله لا يترك صفيَّه شربل في القبر ليرى فسادًا. فالقدّيس شربل مجّد الله في حياته، والله سيمجّده بعد مماته.

  1. رُفِعَ الجثمان ووُضع في “المنبش”، أي في حائط كنيسة الدير الشماليّة، في الموضع المخصّص للفحم وأواني الكنيسة القديمة، وكان ذلك في شهر نيسان سنة 1899. وقد وُجِدَ الجثمان “ليّنًا وطريًّا”، كاليوم الأوّل لدفنه. ورُفع من موضعه حفاظًا عليه من رطوبة المدفن، وخوفًا من أن يأتي أحد فيأخذه تبرّكًا، ولكي لا يُؤدَّى له أيّ نوع من العبادة أو الإكرام المخالف للقوانين الكنسيّة، ممّا يعيق عمليّة التطويب.
  2. إنّ عبارة “باب الزيارة” في الرهبانيّة اللبنانيّة المارونيّة تشير إلى وجود راهبٍ يرقد برائحة القداسة والبرارة في الدير. ويُقال “زوّار القدّيس” للدلالة على الحجّاج الزائرين، ويُطلق على المكان تسمية “المزار أو الزيارة”. وهكذا كانت الحال في عنّايا وكفيفان وجربتا، ولا تزال إلى يومنا. ونجد في أحد التقارير العائدة إلى سنة 1908 أنّ الأخ متّى بو رميا الإهمجي كان يشغل، منذ ستّ سنوات، وظيفة حارس للمكان الذي وُضع فيه خادم الله الأب شربل الحبيس.
  3. بعد “المنبش”، وُضع جثمان الأب شربل الحبيس في “المنزول” (غرفة كانت مخصّصة كمضافة، ومكان إقامة، وهي حاليًا مكان البخور والزيت)، وذلك عند مدخل الدير القديم من الجهة الشرقيّة الشماليّة. وهناك وُضع الجثمان في تابوتٍ خشبيّ، من سنة 1909 ولغاية سنة 1927، وهو تقدمة الدكتور جورج أنطون شكرالله، من بعبدا (نجد هذا التابوت حاليًّا في متحف القدِّيس). كما أُقيم في المنزول مذبح، وكان آباء الدير يحتفلون بالقدّاس الإلهيّ، ولا سيّما من أجل النساء القادمات لزيارة القدّيس، إذ إنّ قوانين الرهبانيّة لا تسمح بدخول النساء إلى كنيسة الدير، لكونها ضمن الحصن الرهباني. وكان الزوّار يتوافدون لزيارته ونيل بركته، وكان بالإمكان مشاهدته من خلال طبقةٍ زجاجيّة.
  4. هناك محطة أساسيّة من “تاريخ القدّيس شربل في قبره”، مرتبطة بشهرة قداسته وعجائبه، وبالمادّة اللزجة التي كانت تَرْشَح من جثمانه (شِبه العَرَق الدموي)، إضافةً إلى إقبال الزوّار على طلب شفاعته. وقد شكّلت هذه العوامل مجتمعةً حافزًا دفع رئيس عام الرهبانيّة آنذاك، الأباتي اغناطيوس داغر التنّوري، إلى رفع طلب فتح دعوى رجل الله الأب شربل بقاعكفرا الحبيس إلى قداسة البابا بيوس الحادي عشر، وذلك في 4 أيّار 1925.
    عندها طلب قداسة البابا منه أن تُرفع الدعوى بدايةً لدى السيّد البطريرك الياس الحويّك، فقام الأباتي التنّوري بذلك في 23/12/1925، بعد أن كلّف الأب أنطونيوس شبلي البحث عن حياته وآثاره، وإعداد ما يلزم لرفع العريضة. وافق البطريرك على العريضة المقدَّمة إليه في 28/1/1926، وألّف لجنة للتحقيق الإخباري في بطولة فضائل وقداسة عبد الله الأب شربل، وأقسمت اليمين القانونيَّة في 4/3/1926 في بكركي، واستمرّ عمل اللجنة لغاية 20/6/1928، تاريخ ختام التحقيق المذكور. بعد ذلك، رفع الأب العام التنّوري ملفّ الدعوى إلى قداسة البابا بيوس الحادي عشر في 22 تشرين الأوّل 1928.
  5. من تاريخ المزار أيضًا، نذكر نقل جثمان خادم الله الأب شربل من قِبَل اللجنة المكلَّفة إلى تابوتٍ جديد، وكان ذلك يوم الأحد في 24 تمُّوز 1927. وبعد لفّ التابوت بشريطٍ أبيض وختمه بالشمع الأحمر، وُضع، بعد الدخول من بوّابة الدير القديم، في غرفةٍ صغيرة جدًّا تقع في الجهة الشرقيّة الجنوبيّة عن يسار الداخل. ثم أُوصِد المكان بالحجر والطين، ووُضِعت علامة تدلّ على أنّ هذا المكان هو “قبر الأب شربل الحبيس”. وإلى ذلك الموضع، من زاوية الدير، كان الزوّار يأتون ويتباركون من “القدّيس” شربل، طالبين النِّعَم والبركات والشفاءات، فهو بحقّ “طبيب الأرواح والأجساد”. وقد استراح الجثمان في هذا الموضع لغاية سنة 1950.

تاريخٌ لا يُنسى من تاريخ مزار القدّيس شربل في دير عنّايا: ليل 24/25 شباط 1950. يروي الأب بطرس يونس، رئيس الدير آنذاك، أنّ عبد الله الأب شربل ظهر له ليلًا طالبًا منه أن يفتح القبر، ففعل ذلك في تلك الليلة الباردة. وفي اليوم التالي، أعلم الأب الرئيس قدس الأب العام يوحنّا العنداري، الذي بدوره أبلغ البطريرك مار أنطون بطرس عريضة بما حصل. وبالطبع، لم يكن في استطاعة أحد فتح القبر من دون إذن البطريرك. وبعد استكمال جميع التدابير اللازمة، فُتح القبر رسميًّا بإذن البطريرك عريضة، وشُكِّلت لجنة لمتابعة مسار الدعوى، وكان ذلك في 22 نيسان 1950. في ذلك النهار، أتى الناس من كلّ مكان، فامتلأت الساحات والدير بحشود لا تُعدّ ولا تُحصى. وجاء في المحضر الذي نُظِّم بمناسبة فتح القبر في 22 نيسان ما يلي: “فُتِحت السماء، وفاضت نعم الله الروحيّة والجسديّة على لبنان والعالم، ولا تزال فائضة”.

-يتبع –

Share this Entry

الأب شربل رعد

Help us mantain ZENIT

إذا نالت هذه المقالة اعجابك، يمكنك أن تساعدنا من خلال تبرع مادي صغير