أشارت وثيقة "يسوع المسيح الحامل الماء الحي"[1] وهي تأمّل حول تيّار العصر الجديد، أنّه لطالما هدّدت الغنّوصية الإيمان المسيحي وهي تبقى موجودة وتترافق معه. وتستشهد الوثيقة بالبابا القديس يوحنا بولس الثاني الذي حذّر في "العبور إلى الرجاء" من مسألة بعث بعض تقاليد الغنّوصية القديمة بشكل ما يسمّى "العصر الجديد". ويُضيف أنّ الغنّوصية لم تختفِ قطّ من حقل المسيحية. لقد تساكنت معها دائمًا، أحيانًا كتيّارٍ فلسفي وفي أغلب الأحيان بأشكالٍ دينية أو مقاربة للدين، وكانت دائمًا، حتى عندما لا تكون صريحة، في تعاكس أكيد مع جوهر المسيحية". وتعطي الوثيقة مثالاً على ذلك "التاسوعية"Enneagramme وتعرّف عنها ك "آلةٍ لتحليل الطباع وفق فئاتٍ تسع. وهي عندما تُستعمل كأداةٍ للنموّ الروحي تُدخل التباسًا في العقيدة المسيحية وفي ممارسة الإيمان فيها."(الفصل الاول، فقرة 4)

ويحذّر البابا يوحنا بولس الثاني في الإطار نفسه، من موضة بعض المعتقدات الخيالية التي قد تُعرض على المسيحيين كالإيمان بطاقات كونية وهمية (وهذه تُعرض ضمن بعض تقنيات التنمية البشرية الرائجة) فيقول البابا:

 ".. المحزن أن يلتمسَ كثيرون حلولاً لمشاكلهم في ممارسات دينية لا تتوافق والإيمان المسيحي. هناك جموح قويّ نحو الإيمان بالأساطير التي تقدّم وعودًا بسهولة نوال القوّة والنجاح. وإنّه من الخطر قبول أفكار رجراجة تزعم القُدْسية، وتقدّم الله على أنّه "طاقة كونية"، أو بأيّ طريقة أخرى لا تتوافق والتعليم الكاثوليكي. فلا تستسلموا لأوهامٍ باطلة وتقليعات عابرة، غالباً ما تخلّف وراءها فراغًا روحيًا مأساويًا".( اليوم العالمي العشرون للشبيبة في كولونيا، 2005)

 في الخط التعليمي نفسه، تكلّم قداسة البابا فرنسيس، في عدّة مناسبات عن الغنّوصية الجديدة والبلاجية ، اللتان تهدّدان قداسة المسيحيين والمستترتان في بعض التقنيات والمقترحات والإيديولوجيات. نقرأ مثلاً في الفصل الثاني من الإرشاد الرسولي "افرحوا وابتهجوا"[2]:

" في هذا الإطار أرغب في لفت الإنتباه إلى تحريفَيْن للقداسة بإمكانهما أن يحوِّلانا عن المسيرة: الغنوصيّة والبيلاجيّة. إنهما هريطقتان وُلدتا في القرون المسيحيّة الأولى ولكنّهما لا تزالان تشكِّلان واقعًا مفزعًا. فاليوم أيضًا، قلوب العديد من المسيحيين تسمح، ربما بدون إدراك، بأن يجذبها هذان التحريفان المضلِّلان. إذ تتجلّى فيهما حضوريّة، محورها الإنسان، وتختبئ خلف حقيقة كاثوليكيّة. نرى هذيْن الشكلَين من الأمان العقائدي أو النظامي اللذين يُفضيان إلى “نُخبويّة نرجسيّة وسلطويّة حيث وبدلاً من البشارة يتمُّ تحليل وتصنيف الآخرين، وبدلاً من تسهيل الحصول على النعمة يتمُّ استهلاك الطاقات في السيطرة. وفي الحالتين لا يهمّ فعلاً يسوع المسيح ولا الآخرين (افرحوا وابتهجوا، فقرة 35).

بالفعل، نجد هذه النزعة إلى تحليل وتصنيف الآخرين والسيطرة عليهم، في بعض تقنيات التنمية البشرية (كالتاسوعية، البرمجة اللغوية العصبية، التنويم والكوتشنغ الشخصي وغيرها). كما ينحرف بعضُها صوب غنّوصيةٍ جديدة معاصرة  تفترض كما يقول البابا “إيمانًا تأسُرُه النزعة الذاتية، حيث ما يهمُّ فقط هو خبرة محدّدة أو سلسلة استنتاجات ومعرفة يُظَنُّ أنّه بإمكانها أن تُشجّع وتنير، ولكن يبقى فيها الشخص في النهاية منغلقًا في ملازمة فكره الخاص أو في مشاعره”(افرحوا وابتهجوا، فقرة 36)

حداثة مفخّخة !

"إنّ خلاص الإنسان المعاصر ليس في افتخار ما يعرفه، بل في تواضع القليل الذي يعرفه" (خادم الله فولتون شين)

الموضة اليوم في التنشئة اللاهوتية والأنشطة الرعوية، هي أن ُتُدخلَ، باسم العصرنة والحداثة، تقنياتُ التنمية البشرية ونظرياتٌ من علم النفس الإيجابي أو عبر الشخصي أو غيرها من العلوم النفسية غير المعترف بها في المنهاج العلمي للعلاج النفسي الكلاسيكي. والنتيجة كما يقول البابا فرنسيس عقل بدون الله وبدون جسد! إنّ ما يقيس كمال الأشخاص ومستوى تقدّمهم الروحي ليس مستوى معارفهم مهما كانت، وليس تدرّبهم على تقنيات مهما كانت معقّدة، بل هو درجة المحبة !

    "بفضل الله، وعبر تاريخ الكنيسة ظهر بوضوح أن ما يقيس كمال الأشخاص هو درجة المحبّة التي يتمتّعون بها، لا كميّة المعلومات والمعرفة التي يستطيعون اكتسابها. يلقي “الغنوصيّون” غموضًا على هذه النقطة ويدينون الآخرين مستندين على قدرتهم على فهم عمق بعض العقائد المحدّدة. والعقل بحسب مفهومهم هو غير متجسّد، غير قادر على لمس جسد المسيح المتألِّم في الآخرين، ومحصور في موسوعة تجريديّة. وفي النهاية إذ بتجرِّدهم السرَّ من الجسد، يفضّلون “إلهًا بدون مسيح، ومسيحًا بدون كنيسة، وكنيسة بدون شعب” (افرحوا وابتهجوا، فقرة 37)

هذه الغنوصية الجديدة تأخذ لها شكلاً جذّاباً ومخادعًا بسبب مظهرها المتناغم الصارم والشمولي. ويوضح البابا فرنسيس أنه بمقاربته لهذا الموضوع، هو لا يقصد أنّ العقلانيين هم أعداء الإيمان المسيحي، بل يلفت إلى أنّه

"يمكن لهذا الأمر أن يحصل داخل الكنيسة سواء كان بين علمانيّي الرعايا أو بين الذين يعلّمون الفلسفة واللاهوت في مراكز التنشئة. لأنّه شائع أيضًا لدى الغنّوصيين الإعتقاد أنّهم بتفسيراتهم يمكنهم أن يجعلوا الإيمان والإنجيل مفهومَين بشكل كامل. فنظريّاتهم الخاصة هي مُطلقة بالنسبة إليهم ويجبرون الآخرين على الخضوع لاستنتاجاتهم. هناك اختلاف بين الإستعمال السليم والمتواضع للعقل بهدف التفكير حول التعليم اللاهوتي والخلقي للإنجيل، وبين الادّعاء بتحويل تعليم يسوع إلى مجرَّد منطق بارد وقاسٍ يسعى للسيطرة على كلِّ شيء" (افرحوا وابتهجوا، فقرة 39)

عقيدة بلا سرّ

وتكون النتيجة بحسب البابا فرنسيس عقيدة بلا سرّ،  أيّ عقيدة مفرغة من كلّ محتواها الأسراريّ بسبب طغيان واستبداد الغنوصية التي تمجّد المعرفة !

"الغنوصيّة هي إحدى أسوأ الإيديولوجيات، إذ أنّها فيما تمجّد، دون مبرّر، المعرفة أو خبرة معيّنة، تعتبر أن نظرتها للواقع هي الكمال. بهذا الشكل، وربما بدون أن تدرك، تتغذى هذه الإيديولوجيّة من ذاتها وتزداد جهالة. وأحيانًا تصبح مضلّلة بشكل خاص عندما تلبس حلّة روحانيّة مجرّدة. لأنَّ الغنوصيّة “بطبيعتها تريد أن تُخضع السرّ” ، سواء كان سرّ الله ونعمته أو سرّ حياة الآخرين."(افرحوا وابتهجوا، فقرة 40)

يتبع

[1]http://www.vatican.va/roman_curia/pontifical_councils/interelg/documents/rc_pc_interelg_doc_20030203_new-age_fr.html

[2] ar.zenit.org/articles/الارشاد-الرسولي-افرحوا-وابتهجوا-للبابا

وجه "بابا نويل" الحقيقي… القديس نيقولاوس

فيما تركت السنون المنصرمة الدور لمخيّلاتنا في رسم ملامح وجوه لشخصيات مهمة مرت في التاريخ ، برع العلم الحديث في تطوير صور و نماذج وفّرتها آثار باقية لهؤلاء… في هذا الإطار، تم العمل على بقايا القديس نيقولاوس، الذي يُعرف ب “بابا نويل”. […]