لقد قام الجنديّ ( وذهبَ بعضهم إلى القول بأنّ هذا الجنديّ قائد المئة واسمه لونجينوس الذي رأى عجائب المسيح ) بحركة لم تكن ضروريّة _ إذ إنه فعل هذا تكميلا لوظيفته لأنه كان أحد الجنود المأمورين بكسر سوق المصلوبين . وكأنه بدافع الفضول شاء أن يتحقّق من موت يسوع .

يقول الأطباء ، إن لدى المصلوب البائس ، يتبقّى دم في القلب ، وان بفعل التعليق بالذات ، يتجمّع سائل مصليّ حول القلب ، بحيث يصبح بوسع ضربة رمح أن تجعل هذا السائل الشبيه بالماء يجري . لكن ، يوحنا لا يسجّل هذه التفاصيل الطبيّة البعيدة عن نظرة اللاهوتيّ ! - هي محتملة من وجهة نظر فيزيولوجيّة -  لكي يقصّ علينا حدثا عابرًا : لا ، فالأمر يتعلّق بيسوع ! لذا ، يرى يوحنا ، في هذا الحدث ، معنى لاهوتيّا عميقا . هناك شهادة احتفاليّة ( ... الذي رأى شهد ، وشهادته صحيحة ، وذاك يعلم أنه يقول الحقّ لتؤمنوا أنتم أيضا " ) .

لندع كلّ الشروحات والتفاصيل حول النصّ وكتابته ، وكيف كُتبْ ... الخ . ما يهمّنا الآن هو ماذا يخفي يوحنا من عمق كبير وراء هذه التفاصيل " الدم والماء " ؟!.

لقد رأى يوحنا ، في طعنة الرمح ، إتمام قول نبويّ ، كما استشفّ سرّا ، بشكل واضح ، في الدم والماء الجاريين من جنب المسيح . ما هي هذه الرمزيّة ؟ آباءُ الكنيسة أنفسهم تردّدوا : كثيرون منهم فكّروا في سرّ الفداء ، إذ ان الدم ، لدى يوحنّا كما في مجمل العهد الجديد  ، هو التعبير عن الثمن المدفوع ، الثمن الذي دفعه يسوع عن الخطايا . أمّا الماء ، فقد كان يعبّر عن العماد ، ذهب بعضهم إلى التوضيح بأنه دلالةٌ على الإفخارستيّا والعماد ، لا بل على سائر الأسرار .

وهناك عددٌ من آباء الكنيسة فكّر في الكنيسة ، وهي تخرجُ من جنب المسيح . بينما آخرون رأوا إنها " النعمة " ، أو " الروح " الذي يخرج من المسيح ؛ وكان يسوع ذاته ، بحسب إنجيل يوحنا ، قد اختصّ هذه الكلمة من الكتاب المقدّس  : " ستجري من جوفه أنهار الماء الحيّ " ( يو 7 : 38 ) . في كلّ الكتاب المقدس ، وفي إنجيل يوحنا ، نرى أنّ الماء هو رمزُ الروح ورمزُ الحكمة والنعمة والحياة الإلهيّة ، وبهذا المعنى يكون قد تفجّرت أنهارُ ماء الحياة من جسد المسيح المائت (قد نرى خلف الجسد المائت هذا سرّ القيامة وتأكيدًا بأنّ جسد الربّ هو القيامة ! ) .

موضوع الماء والدم هذا ، يجدُ ما يقابله ، بشكل ٍ مدهش ، في الديانة اليهوديّة . هناك " هجّادة " من الكتابات الرابينيّة تنقلُ لنا بأنّ موسى ، حين ضرب الصخرة مرّتين بعصاة ، أخرجَ منها دمًا وماء معا . ولا يخلو هذا التقليد المتأخّر من غرابة . إلاّ أنّ هذا التقارب أيضا يثير الدهشة . ومن غير المحتمل أن تكون الكتابات الرابينيّة قد قلّدت الإنجيل ، إذ ان لنصوصها بُعــــدًا مختلفا جدّا : ذلك أنّ الدم الذي خرج من الصخرة ، يرمز إلى " العقاب " الذي استحقّه موسى حين قال كلمة قاسية بحق الإسرائليّين . مع ذلك ، إذا كان التطبيق مختلفا ، فهناك واقع لا مناص منه ، وهو أن من صخرة موسى خرج " دم وماء " ! ومما لا شكّ فيه ، هو أن المسيحيّين الأولين رأوا في موسى الذي رافق الشعب المختار في البريّة ، نموذجا للمسيح  (راجع 1 قور 10 : 4 ) .

إنّ موضوع الدم والماء لدى الإنسان يعكسُ مفهومــــــا قديمــا وساذجــــا بشأن "الفيزيولوجيّة " . هناك ميدراشٌ رابينيّ آخر " اللاوي الكبير " يقول بأنّ الإنسان مكوّن بالتساوي من ماء ودم : فإذا كان فاضلا ، تتوازن العناصر فيه ، وإذا أخطأ ، فهناك عنصرٌ سيتغلّب : إذا كان ماءً فسيصبحُ مستسقيا ، وإذا كان دمـــا فسيكون أبرص . مثل هذه الفيزيولوجيّة القديمة تسمحُ بتطبيقات كثيرة ، ولنا منها تطبيق على صخرة موسى ، غير أنّ تطبيق يوحنّا يفوقه إلى حدّ كبير ، وما يقصده يوحنا ويريده مغاير تمامــا !.

لنرى أخيرًا ما يقوله لنا البابا بنديكتوس السادس عشر في شرحه لمعاني " الدم والماء " : "خرجَ دمٌ وماء من قلب يسوع المطعون . وعبر العصور ، بحسب كلمة زكريّا ، توجّهت الكنيسة بنظرها نجو هذا القلب المطعون ، فوجدت فيه نبع البركة المشار إليه مسبقا في الدم والماء . إنّ كلمة زكريّا (12 : 10)  تدفعنا إلى البحث عن فهم أعمق لما حصل هنا . نعثرُ على أوّل درجة من مسار الفهم هذا في رسالة يوحنا الآولى التي تتناول بقوّة الحديث عن الدم والماء ، اللذين خرجا من جنب يسوع : " هذا الذي أتى بالماء والدم : يسوع المسيح ، لا بالماء فقط ، بل بالماء والدم . والروح هو الشاهد ، لأنّ الروح هو الحقّ . ومن ثمّ فالشهود ثلاثة : الروح والماء والدمّ ، وهؤلاء الثلاثة على اتفاق " ( 1 يو 5 : 6 - 7 ) .

إنّ يسوع لم يأت ِ بالماء وحده ، بل بالدمّ أيضا ... ما معنى هذا ؟  يفترض بنديكتوس السادس عشر ، من دون شكّ ، أنه يلمّح إلى تيّار فكريّ ، لم يكن يعطي قيمة إلا للعماد ، ويضعُ جانــبا الصليب . وقد يعني أيضا ، أنّ الإهتمام كان منصبّا فقط على الكلمة ، على العقيدة ، على الرسالة ، وليس على " الجسم " ، على جسد المسيح الحيّ ، النازف على الصليب . هذا يعني أن الجهد كان منصبّا على خلق مسيحيّة من الفكر والآراء ، تُلغى منها حقيقة الجسم : الذبيحة والسرّ .

أرى أيضا ، أنّ المعاني الكامنة للماء والدم والروح (خروج الدم هو العهد الإلهيّ الذي أتمّه الله الآب للبشريّة بواسطة يسوع ،  والماء هو سرّ الولادة الجديدة والخلق الثاني والخلاص ، والروح هو الله ذاته الذي أكملَ كلّ شيء في ذبيحة الصليب ) ، إنه سرّ الثالوث يظهرُ أمام مَن طعنه (الوثنيّة البعيدة عن الله ) ، سرّ الثالوث الإلهيّ ظهرَ كصعقة قويّة للفكر اليونانيّ الذي ك ان يرى الله لا يتألّم ولا يهتمّ جالسًا في علياء سمائه لا يتحرّك . إنه كشفٌ لغرابة الله . ولا ننسى أيضا ، الكنيسة عروس المسيح تكوّنت من جنبه مائتـــا ، كأنه آدم آخر راقد ، وكأنما حوّاء أخرى . وتذكّرن الطعنة وخروج الماء والدم ، وقوّة روح الله ، إلى مزج الماءُ بالخمر في تقديس الكأس (التحوّل الجوهريّ ) .

" إنّ الله حاضرًا في موت يسوع بكلّ قوّته  " 

البابا في المقابلة العامة يتحدث عن الأب

أيُّها الإخوةُ والأخواتُ الأعزّاءُ، إنَّ كلمةَ أب تعبّرُ عن علاقةٍ أساسيّةٍ واقعُها قديمُ العهدِ، كقِدَمِ التاريخِ البشريِّ. لكنَّ اليومَ، وصلْنا إلى حدِّ التأكيدِ على أنَّ مجتمعَنا باتَ “مجتمَعًا بدونِ آباء”. بمعنى آخر، وخصوصًا في الثّقافةِ الغربيّةِ، يبدو أنَّ صورةَ الأبِ باتتْ غائبةً رمزيًّا. وتمَّ النظرُ إلى هذه المسألةِ في البدءِ وكأنَّها تحرُّرٌ: تحرُّرٌ من الأبِ السيّدِ الذي يُشكّلُ عائقًا في وجهِ تحرُّرِ الشبّانِ واستقلالِهم. في الواقعِ كانَ التسلّطُ في الماضي سيّدَ الموقفِ في منازلِنا، وكانَ أحيانًا يصلُ إلى حدِّ الطُغيانِ. أمّا اليوم، يبدو أنَّ المشكلةَ لا تكمنُ في الحضورِ المُتطفّلِ للآباءِ، بل في غيابِهم. إنَّهم يَصبُّون أحيانًا اهتماماتِهم على أنفسِهم وعلى تحقيقِ طموحاتِهمِ الفرديّة، وصولاً إلى حدِّ نسيانِ الأُسرة. ويتركون الشبّانَ والصغارَ لوحدِهم. كلُّ هذا يولّدُ نواقصَ وجروحًا أليمةً جدًّا وقد تؤدّي إلى انحرافِ الأطفالِ والمراهقين لفقدانِ مثالٍ وقدوةٍ يكونان موضعَ ثقةٍ في حياتِهم اليوميّة. إنَّهم أيتامٌ في العائلةِ لأنَّ الآباءَ هم غالبًا غائبون عنِ البيت، وعندما يكونون حاضرين، لا يقومون بواجبِهمِ التربويّ، ولا يُقدِّمون لأبنائهم، من خلالِ مثالِهم المُرفَقِ بالكلمات، المبادئَ والِقيَمَ وقواعدَ الحياةِ التي يحتاجون إليها حاجتَهم للخُبزِ. إنَّ الجماعةَ المدنيّةَ أيضًا، تضطلعُ بمسؤوليّةٍ تُجاهَ الشبّانِ، مسؤوليّة تتغاضى عنها أحيانًا أو تُسيءُ ممارستَها. والشبّانُ يظلون، هكذا، يتامى يفتقرون إلى سُبُلٍ يسلكونَها، وإلى معلِّمين يثقون بهم، وإلى مُثلٍ وقِيَمٍ تدعمُهم يوميًّا. وربّما يتشبَّعون بالأوثانِ ويندفعون نحوَ الحُلمِ بالترفيهِ والملذّات؛ ويعيشون وَهْمَ إلهِ المالِ ويُحرَمون من الثّرواتِ الحقيقيّةِ. إذًا إنّهُ لأمرٌ مُفيدٌ بالنسبةِ للجميع، الآباء والأبناء، أنْ يستمعوا مجدّدًا إلى الوعدِ الذي قطعَهُ يسوعُ على تلاميذه: “لن أتركَكُم يتامى”. الأربعاءُ المقبلُ سنتابعُ الحديثَ عن هذا الموضوع، مُسلِّطين الضوءَ على جمالِ الأُبوّةِ والأُمومةِ.