السّيّد المدير العام،
السّيّد رئيس المؤتمر العامّ،
السّيّد رئيس المجلس التّنفيذيّ،
أصحاب السّيادة،
سيّداتي، سادتي،
يسرّني أن أكون اليوم بينكم، في هذه الجمعيّة التي تلتقي فيها الشّعوب، وتتلاقى اللغات والثّقافات للتعاون في مشروع يخصّ كلّ العائلة البشريّة: “المساهمة في حفظ السّلام والأمن، بالعمل، عن طريق التربية والعِلم والثّقافة، على تعزيز التّعاون بين الأمم، لضمان الاحترام الشّامل للعدالة والقانون وحقوق الإنسان والحرّيّات الأساسيّة” (الميثاق التّأسيسيّ لمنظّمة الأمم المتّحدة للتربية والعِلم والثّقافة، المادّة 1، الفقرة 1). في الواقع، بناء عالم عادل معًا هو الأساس نفسه للتعاون الدّولي. فخبراتنا وقدراتنا وكفاءاتنا تهدف إلى إنشاء حيّز رحب للجميع ومثمر لكلّ واحد، لكي تتمكّن جميع الشّعوب من النّمو في سلام.

بصفتي شاهدًا للسلام، أوجّه تحيّتي القلبيّة إليكم، أنتم الممثّلين عن الدّول الأعضاء والدّول المراقبة، وعن المنظّمات الدّوليّة، والعالم الأكاديميّ والمجتمع المدنيّ. أشكر السّيّد خالد العناني، المدير العام لهذه المنظّمة، على دعوته الحارّة [وعلى الكلام الذي وجّهه إلينا]. بصفتي راعيًّا، أنقل إليكم كلمة الكنيسة، التي تصير بلا انقطاع ”رسالة وحوارًا“ موجّهَين إلى جميع الشّعوب، وإلى الرّجال والنّساء ذوي الإرادة الصّالحة (راجع بولس السّادس، الرّسالة البابويّة العامّة، Ecclesiam suam، عدد 67).
مشروع بناء عالم عادل معًا، يتَّفق مع رسالة تعلّمنا أن نقوم بها معًا على مرّ التّاريخ. في هذا الصّدد، اليونسكو هي، في آنٍ واحد، الهدف والأداة لمواصلة هذه المهمّة اليوم، بمزيد من الالتزام، في مجالات نشاطنا المتعدّدة. في سنة 2027، سنحتفل بالذّكرى الخامسة والسّبعين لحضور الكرسيّ الرّسوليّ في اليونسكو: وهو حضور ينبع من القناعة بأن المستقبل يعتمد، قبل كلّ شيء، على احترام وتعزيز الكرامة غير القابلة للتصرّف لكلّ إنسان مخلوق على صورة الله.
لذلك ننظر إلى هذه المنظّمة على أنّها شريك مميّز في خدمة الخير العام، الذي هو ”صورة الكرامة الاجتماعيّة“ التي نشارك فيها جميعًا، بطريقة أصيلة ومتساوية (راجع الرّسالة البابويّة العامّة، الإنسانيّة الرّائعة، رقم 59). منذ سنة 1952، تتميّز بعثة المراقبة الدّائمة للكرسيّ الرّسوليّ وترافق، من هذا المنظور، مبادرات اليونسكو، وتقدّم إسهامها في الحوار بين الأمم، من أجل دعم تنمية بشريّة أصيلة، لا تكون كذلك إلّا عندما تتوجّه إلى “تعزيز كلّ إنسان، والإنسان بكامله” (بولس السّادس، الرّسالة البابويّة العامّة، تقدُّم الشّعوب-Populorum Progressio، عدد 14).

عندما توجّه سلفي الموقّر، القدّيس البابا يوحنّا بولس الثّاني إلى هذه الجمعيّة، ذكّر بأنّ “الجنس البشرّ يعيش بالعقل وبالعمل – genus humanum arte et ratione vivit”. لأنّ الإنسان في الواقع، “يحيا حياةً إنسانيّة حقًّا بفضل الثّقافة” [1]، وهذه الكلمة تدلّ على طريقة الحياة التي يُعطي بها الإنسان معنى لكلّ ما يقوم به. بعد ستّة وأربعين سنة، وإذ أجدّد بينكم التزام الكرسيّ الرّسوليّ بالتعاون، أدعوكم إلى أن تنظروا إلى اليونسكو ليس فقط بكونها منظّمة دوليّة عريقة، بل أيضًا بكونها مكانًا تتأمّل فيه البشريّة في نفسها، وفي تاريخها ومستقبلها. في الواقع، تعزيز التّربية والعلوم والثّقافة مستحيل من دون تعزيز حياة الرّجل والمرأة، اللذين هما أساسيّان في هذه الحياة.
في مجال التّربية، الكنيسة الكاثوليكيّة تقدّم خبرة عريقة جدًّا: فمنذ قرون، تفتح جماعاتها المدارس والجامعات، وتعلّم القراءة والكتابة، وهي حاضرة حتّى في أفقر الأماكن وأبعدها. من خلال الميثاق التّربويّ العالميّ، أراد سلفي البابا فرنسيس أن يُدرج هذه الخبرة في إطار تحالف تربويّ أوسع، ومفتوح لمساهمة الجميع. لكن ما أودّ أن أنقله إليكم ليس الأعمال قبل كلّ شيء، بل القناعة التي تنبع منها هذه الأعمال. فما من تربية تكتمل إن لم تتناول مسألة المعنى. ذكّر القدّيس البابا يوحنّا بولس الثّاني بذلك في الكلمة نفسها: التّربية تعني مساعدة الإنسان لكي ”يكون“، لكي يزداد الكيان فيه، لا لكي ”يملك“ أكثر فقط، وذلك بإدراك السّموّ الذي فيه وفيه كمال إنسانيّته (راجع المرجع نفسه، 10-11).
من ثمّ، أمامنا سؤال أساسيّ يستحقّ أن نتعمّق فيه في هذه الجمعيّة، وهو سؤال يُخاطبنا بإلحاح: ماذا يعني أن نكون بشرًا؟ كلّ ثقافة تُسأل بهذا السّؤال، كلّ شكلٍ من أشكال المعرفة، وكلّ فنّ وكلّ دين. حتّى في القرن الحادي والعشرين، لا يمكننا، في نهاية المطاف، أن نفترض أنّنا نعرف من هو الإنسان أو ماذا يعني أن نعيش كإنسان. في الواقع، كلّ جيل مدعوّ إلى أن يواجه هذا السّؤال، لا سيّما أمام المآسي التي لا تزال تتكرّر للأسف حتّى اليوم.

أوّلًا، الإنسان هو الذي يُحبل به ويُولد، ولذلك، أنّ نكون بشرًا يعني، قبل كلّ شيء، أن نكون أطفالًا. لم يختر أيّ واحد منّا أن يكون كذلك. ولم يقرّر أحد منّا مِمَّن، أو متى، أو أين يولد. هذه الحقيقة الواضحة تسلّط الضّوء على أمر ليس فقط بيولوجيًّا، بل أخلاقيًّا أيضًا: فنحن كلّنا مثل الأطفال، إخوة وأخوات. منذ البدء، إنسانيّتنا هي عطيّة واختبار، ووعد ومسؤوليّة. بالنّسبة إلى كلّ إنسان، الولادة تؤسّس رابطةً أصيلة، ووحدة وشركة حياة، تجد مصدرها وبيئتها التربويّة الأولى في العائلة.
ثانيًا، كلّنا نولد عُراة ومحتاجين. نحن فقراء بطبيعتنا: نحتاج إلى الخبز والكلام، وإلى العناية والمحبّة، أي إلى كلّ ما يغذّي الجسد والرّوح. نحن نعلَم ذلك جيدًّا، مع ذلك، عندما نصير راشدين، نوشك أن ننسى ذلك. المحتاجون بالتّحديد هم الذين يعانون أخطر عواقب هذا النّسيان، في كلّ مرّة يتمّ فيها خيانة إنسانيّتهم أو إهمالها، أو استغلالها أو خداعها. نسياننا لظروف ولادتنا يحجب فكرة الحياة البشريّة نفسها، لأنّه يفصل الحياة عن التّاريخ المشترك بيننا جميعًا. ننسى أنّ الحياة عطيّة ونحسبها شيئا نملكه. وليست وديعة تحتاج إلى المسؤوليّة والعناية. بل نحن مُنتَج نستثمره. هذا النّقض المأساويّ للمعنى يذكّرنا بأن نكون بشرًا يعني أن نكون أحرارًا بطبيعتنا. ولأنّنا أطفال، حرّيتنا تبدأ بإجابتنا على حرّية مَن يتوجّه إلينا أوّلًا، سواء بأعمال المودّة أو الرّفض، أو بالاستقبال المحبّ أو بالإهمال والقسوة.
ثالثًا، إنّ إبقاء ذكرى إنسانيّتنا المشتركة حيّة يعني الاعتراف بكبرها، أي بإمكاناتها الهائلة، رغم أنّها مجروحة بأشكال كثيرة من الشّرّ والظّلم. الذين يعملون في مجالات التّربية والعِلم والثّقافة مدعوّون، أكثر من سواهم، إلى العناية بكلّ شخص، لكي يتألّق جمال حرّيتنا. هذا الجمال له اسم، هو العدل. نعم، الحرّيّة جميلة عندما تكون موجّهة نحو الخير والحقّ، ومشوّهة عندما تنحدر إلى التّعسّف والعنف والتّعطّش إلى السُّلطة. لذلك، أن نكون بشرًا يقتضي منّا مسؤوليّة أمام التّاريخ: فالإنسان هو مَن ينمو ويتعلّم ويعمل بيديه وعقله. ومن خلال هذا العمل، يستطيع الإنسان أن يزرع الأرض أو يشوّهها، وأن يبدع الأعمال الفنّيّة أو يدمّرها. في هذه المرحلة الخاصّة، يجب علينا أن ندرك أنّ أفظع ”الأعمال الإنسانيّة“ هي الحرب، لأنّها تضع العِلم نفسه في خدمة إرادة لا إنسانيّة للتدمير والقتل.
في هذا الصّدد، تبدأ مقدّمة الميثاق التّأسيسيّ لمنظّمة الأمم المتّحدة للتربية والعِلم والثّقافة بكلام لا يزال يحتفظ اليوم أيضًا بأهمّيّة بالغة – كما رأينا عند ”جدار السّلام“: “بما أنَّ الحروب تتولّد في عقول البشر، ففي عقولهم يجب أن تُبنى قلاع السّلام” (الميثاق التّأسيسيّ لمنظّمة الأمم المتّحدة للتربية والعِلم والثّقافة، المقدّمة، 1945). كُتب هذا الكلام في أعقاب الحرب العالميّة الثّانية، وهي أكبر مأساة كان فيها تدمير في القرن الماضي. أدركت البشريّة أنّ التّقدّم العلمي، عندما ينفصل عن الحكمة، يمكن أن يتحوّل إلى سلاح للدمار، وأنّ الثقافة، عندما تخضع للأيديولوجيّا، يمكن أن تنحدر إلى زيف ودعاية، وأنّ التّعليم، عندما يتخلّى عن الحقيقة، يمكن أن يصير أداة للتلاعب بالضّمائر. فهمت الدّول المؤسّسة لليونسكو أنّ المعاهدات ضروريّة، لكنّها غير كافية في حدّ ذاتها. فهي تحتاج إلى ثقافة للسلام والتزام مشترك بالسّلام، يعزّزانها. فالسّلام لا يمكن بناءه فقط بالمعاهدات، ولا بالتسويات بين القوى المتعارضة. السّلام يكون حقيقيًا عندما ينبع من فضيلة العدل، لا من مجرّد عقد، ومن إرادة مستقيمة، ولا من توازن غير مستقرّ بين المصالح. في الواقع، الإرادة المستقيمة وحدها قادرة على أن ترى في الآخر أخًا أو أختًا، أي إنسانًا مماثلًا له.
بعد ثمانين سنة، لم يفقد كلام ميثاقكم التّأسيسيّ شيئًا من قوّته. مع ذلك، نرى أيضًا كم تعرّض هذا المبدأ المشترك للتهديد العميق من قبل أشكال من الهمجيّة تغذّي التّنافس والصّراع. من بين التّحدّيات التي تواجه اليوم عالم العِلم والتّعليم، أودّ أن ألفت الانتباه بصورة خاصّة إلى تلك النّاشئة من المجال الواسع للتكنولوجيّا. يجب أن تَضمنَ جهودنا في هذا المجال بقاء التكنولوجيّات الجديدة في خدمة الإنسان، بدلًا من أن تصير أداةً أخرى للهيمنة والظّلم.
على مرّ العصور، أُوكلت إلى الآلات مهام كثيرة كان البشر يؤدّونها في السّابق، واستمرّت قدرات هذه الآلات وتطبيقاتها في التوسّع. في الآونة الأخيرة، أُطلقت على بعض الأنظمة الاصطناعيّة تسمية إحدى ملكاتنا البشريّة في التّفكير: الذّكاء. في الوقت نفسه، فإنّ أفكارنا وعلاقاتنا معرّضة لخطر الافتقار من جرّاء عمليّة التّجريد من الطّابع الإنسانيّ. صارت المفارقة واضحة بصورة متزايدة: ففي الوقت الذي يُنسب فيه ”الذّكاء“ إلى الأنظمة الحاسوبيّة، نجد صعوبة في إدراك كرامة البشر غير القابلة للتصرّف، الذين صارت حياتهم تقاس وفق معيار الكفاءة، وإذا صاروا غير قادرين على الإنتاج، يتمّ رفضهم وإقصاؤهم.
هذه الحقيقة المؤلمة تدعونا إلى أن نتأمّل في ضعف طبيعتنا البشريّة وفي الوقت نفسه في الكرامة الهائلة لكلّ إنسان، وهي كرامة لا تنتقص حتّى في أشدّ الظّروف ضعفًا، وصولًا إلى الموت نفسه. نعم، الإنسان هو بالتّأكيد مَن يولد، لكنّه أيضًا مَن يموت. كرامتنا لا يدمّرها المرض ولا الألم، ولا تعتمد على قدراتنا. بل إنّها تتطلّب عناية محبّة في كلّ مرحلة من مراحل الحياة.
بالنّسبة إلى الإيمان المسيحيّ، سرّ الإنسان يجد نوره الكامل في المسيح، الذي “كشف لنا عن سرِّ الآب وعن محبَّتِه، وبيَّن للإنسان جوهره، وما هو بالذّات فكشف له عن سموّ دعوته” (المجمع الفاتيكانيّ الثانيّ، الدّستور الرّعائيّ، فرح ورجاء، 22). وفي نوره، يظهر لنا كلّ شخص وأنّه أراده الله بصورة خاصّة وأحبّه. هذا النّور يساعدنا أيضًا لنفهم بعمق معنى خبرتنا البشريّة المشتركة.

أيّها السّيّدات والسّادة، بصفتكم رجالًا ونساءً في مجال العِلم، أنتم مدعوّون باستمرار إلى أن تتعاونوا باسم تاريخنا المشترك، لكي ينبثق، من تنوّع وجهات النّظر، تقاربٌ في الرّؤية، ومن هذا التّقارب تناغمٌ في العمل. هذا التّناغم يتجلّى في عمل اليونسكو عندما تمنح صوتًا سمفونيًّا لأسمى التطلّعات إلى خير البشريّة والعناية بها. حيث يوجد التّناغم، تجد الأصوات المختلفة متّفقة، وهكذا تتّحد الشّعوب التي تمثّلونها في الوئام.
في هذا الصّدد، أودّ أن أستند إلى صورَتَين من الكتاب المقدّس، مستوحاتَين من كنز البشريّة الثّقافي الكبير: برج بابل وساحة العنصرة العامّة. أقدّمهما بوصفهما طريقَتَين لتمثيل وَحدة العائلة البشريّة، المدعوة اليوم أيضًا باستمرار إلى معرفة اتّجاهها الصّحيح ومعنى التّاريخ الذي تعيشه. في الواقع، قصص الكتاب المقدّس تصوّر شكلين من أشكال الحياة الاجتماعيّة تدعونا إلى أن نتأمّل في ظروف زمننا.
برج بابل يمثّل وحدةً فُرضت بالهيمنة (راجع تكوين 11، 4). في الوقت نفسه، هذا الصّرح يكشف أنّه كلّما سعت السُّلطة إلى القهر، سعت في الوقت نفسه إلى إضعاف نفسها، وكشفت عن وجهها اللاإنساني. نرى ذلك في الآلام والظّلم اللذين يسبّبهما الاستبداد، وكذلك في أشكال الاستغلال التي تجرح المجتمع والبيئة معًا. وكما يعلّمنا التّاريخ، انغمست إمبراطوريّات كثيرة في الفساد، قبل أن يلتهمها هذا الفساد نفسه وتنهار مثل البرج. نتيجة هذه الكبرياء، التي ترفع ثمّ تضع، هو التشتّت. فافتراض الإنسان أن يجعل نفسه مثل الله وأن يُخضِع الشّعوب لنير واحد، يقود إلى بلبلة اللغات والعجز عن فهم بعضنا بعضًا. بدلًا من أن يبلغ برج بابل السّماء، كما افترض أن يفعل، ينهار، فتنتج عن ذلك عاقبتان سلبيّتان. وكما كانت الوَحدة التي فرضها قسرية، تصير كذلك التعدّدية التي تعقب انهياره مصدرًا للصراع. اليوم، إغراء بابل يعود في عولمة تُلاحَق من دون أخوّة، وفي أشكال نهب من الاستعمار الجديد، وفي فرض الإيديولوجيّات، وفي كلّ تلك ”الاتّصالات من دون روابط“ التي تحصر الحياة البشريّة في تجارة (راجع اللجنة اللاهوتيّة الدّوليّة، إلى أين، أيّتها البشريّة؟، 42). حتّى العِلم، عندما يُحصر في تقنية للسُلطة، لا يعود في خدمة الارتقاء بالإنسان، بل يعرّض ثمار الجهد البشريّ لخطر الانحطاط.
نحن نملك اليوم، بصورة خاصّة، وسائل قادرة على ربط الأشخاص والقارات في لحظة، ومع ذلك نشهد في الوقت نفسه أشكالًا جديدة من العزلة والفقر المادي والرّوحي والتّخلّي. فقد صار التّواصل أسرع بكثير، لكنّه ليس بالضرورة أكثر صدقًا. والمعلومات وافرة، لكنّها ليست مرادفة للحكمة. ومن دون أساس أخلاقيّ مشترك، توشك قنوات التّواصل العديدة بتكثير المعلومات الزّائفة وإضفاء قيمة على كلمات خالية من المعنى، وبذلك تعيق الحوار بدلًا من أن تعزّزه.
الذّكاء الاصطناعيّ يفاقم هذه المشكلة: فعلى الرّغم من أنّ هذه الأنظمة تستطيع الرّبط بين البيانات، فإنّها لا تستطيع الإجابة عن الأسئلة المتعلّقة بمعنى الحياة البشريّة، الذي يتجذّر في الخبرة المعاشة. والبشر لا يستطيعون أن يعيشوا من دون معنى. فالمعنى هو أكسجين العقل. لذلك، فإنّ تحديّات التّواصل، وهي دائمًا تحديّات تربويّة، تجعل البحث عن الحقيقة مسألة عدالة اجتماعيّة وإنصاف تاريخيّ. لهذا، فإنّ التّربية في هذا المجال أمر أساسيّ، وأنا أرحّب بمبادرة اليونسكو من خلال برنامج محو الأمّيّة الإعلاميّة والمعلوماتيّة، الذي يعزّز الاستخدام المسؤول لوسائل الإعلام والأدوات الرّقميّة.
في الواقع، من دون الحقيقة، تصير اللغة خاضعة لمنطق العنف ولإرادة الأقوياء الاعتباطيّة. إذّاك يُستبعد الآخرون باسم الرّبح، ويُقتل الأبرياء باسم الحرّيّة. وبدلًا من احترام القانون، أصحاب السُّلطة يستدعونها عندما تخدم مصالحهم، ويتجاهلونها عندما تقيّدهم، فيعاملون العدالة نفسها كما لو كانت سلعة تُشترى وتُباع. إن أدركنا أنّ فساد القانون يبدأ بفساد القلب، يمكننا أن ندرك كيف يعرّض كلّ عِلم لخطر فقدان معناه الصّحيح عندما يُمارس من دون أخلاق، وبالتّالي يتوقّف عن خدمة الكرامة الإنسانيّة وعن التّعبير عنها.
في هذا الصّدد، أشجّع المجتمع الدّوليّ بأسره على إيلاء عناية خاصّة لحماية الأطفال والشّباب. ففي العصر الرّقمي، يجب ألّا تتحوّل هشاشتهم أبدًا إلى فرصة للاستغلال. ليت هذه التّكنولوجيّات تدعم نموّهم وتربيتهم وعلاقاتهم، وتصون حرّيتهم في التّفكير والتّمييز، وتبقى دائمًا في خدمة كرامة الإنسان.

فساد الثّقافة الذي نتأمّله يجد خلاصه في ساحة العنصرة العامّة. هناك، تُستقبل رسالة سلام هي خبر سارّ لكلّ شعب. هذا الإعلان يبشّر بقيامة يسوع من بين الأموات، أي بانتصار الحياة على الموت، وبالخلاص الذي يمنح الرّجاء للعالم. في يوم العنصرة، تصير السّاحة العامّة مكانًا يُحتفل فيه بالسّلام الذي يشفي كلّ إساءة إلى الإنسان. ويَسمع كلّ واحد هذه الرّسالة ”بلغته الأمّ“، ولا تقمع الوَحدة والشّركة بأيّ حال من الأحوال التنوّع (راجع أعمال الرّسل 2، 8). بل تتيح للتنوّع أن يزدهر في انسجام الأصوات والوجوه. في إعلان السّلام، تصير غنى الثّقافات حاملًا لحقيقة شاملة. هكذا، تعليم الكتاب المقدّس يبيّن لنا الطّريق إلى بلوغ ما نسعى إليه جميعًا: “تلك الوَحدة التي لا تُلغي الاختلافات، بل تثمّن التّاريخ الشّخصيّ لكلّ شخص، والثّقافة الاجتماعيّة والدّينيّة لكلّ شعب” (عظة في القدّاس الإلهيّ في بداية حبريّة البابا، 18 أيار/مايو 2025). فليست هيمنة بابل، بل سلام العنصرة، هي التي تجعل هذه الوَحدة والشّركة بين جميع الشّعوب ممكنة. لذلك، كلّ ثقافة تبلغ حكمتها عندما تتكلّم على السّلام وخير الجميع، وتشهد لمعنى إنسانيّتنا الأصيل.
إنّ العاملين في مجال التّربية يعرفون أنّ الحقيقة وحدها تحرّرنا. والذين يعلّمون ويُجرون الأبحاث يعرفون أنّ الخطأ يستعبدنا للجهل والخرافة. وكلّما واجهنا عقبات في رسالتنا، فلنتذكّر أنّ لنا جميعًا أرضًا واحدة وطبيعة بشريّة مشتركة. إذ لا يمكن فهم الإنسان بفصل ما هو مترابط بطبيعته: الجسد والرّوح، الحياة الشّخصيّة والعلاقات، علاقتنا بالآخرين وبالبيئة. فجميع هذه الأمور هي جزء من وَحدة حياتنا. لذلك، فإنّ زراعة الأرض تعني أيضًا تنمية ورعاية الإنسانيّة التي نقطنها. وإلى هذه المهمّة تُدعى التّربية والعِلم. وليس من قبيل المصادفة أنّ كلّ ثقافة، حتّى في أصلها اللغوي، تُعدّ فعلًا من أفعال ”التنمية“. لذلك، أجدّد نداء أسلافي إلى أن نعتني معًا بالإنسان والخليقة: فقد تحدّث البابا بندكتس السّادس عشر عن ضرورة قيام إيكولوجيّا للإنسان، بينما طوّر البابا فرنسيس منظور الإيكولوجيّا المتكاملة (راجع بندكتس السّادس عشر، كلمة أمام البرلمان الألماني، 22 أيلول/سبتمبر 2011؛ فرنسيس، الرّسالة البابويّة العامّة، كُن مسبّحًا، 137-162).
المعيار الذي يمكننا من خلاله تقييم التزامنا هو العناية التي نبديها تجاه الصّغار والفقراء: الأطفال في أحشاء أمهاتهم وفي مختلف ساحات الحرب، والأشخاص ذوو الإعاقات الجسديّة والفكريّة، والمسنّون، والمهاجرون واللاجئون، وجميع الذين تستبعدهم الكبرياء باعتبارهم غير منتجين. فهؤلاء هم الاختبار الحقيقي لادّعاءاتنا بشأن كرامة الإنسان، التي تمتدّ حمايتها وتعزيزها أيضًا إلى الخليقة. في مقابل ذلك، تقف إرادة الاستغلال والنّهب، واستخراج أكبر قدر ممكن من كلّ كائن حَي، والاستهلاك من دون حماية، والتّدمير من دون زراعة. هكذا، فإنّ الأزمة البيئيّة الرّاهنة هي أزمة أنثروبولوجيّة. وعلاوة على ذلك، الكنيسة تؤمن بأنّ كلّ ثقافة تحمل في داخلها حكمة تنضج ضمن منظومة بيئية للشعوب. نعم، إنّ موطن الإنسان هو المجتمع، وليس مجرّد بيئة ماديّة، مثل الصّحراء أو المحيط بالنّسبة إلى الحيوانات، بل بيئة أخلاقيّة وعلائقيّة. حيث يسود السّلام الاجتماعيّ، تزدهر الشّعوب في العدالة.
من هنا تجد اليونسكو خلاصة مهامها التّربوية والعلميّة السّامية: في العمل الدّؤوب على بناء السّلام. أمام حالات الطّوارئ الكثيرة والمعقّدة في عصرنا، العالم ينظر إلى المؤسّسات الدّوليّة بمشاعر متباينة. فمن جهة، هي مدعوّة إلى مواجهة تحدّيات لا تستطيع أيّ دولة أن تواجهها بمفردها. ومن جهة أخرى، هذه المؤسّسات نفسها تمرّ بأزمة في الفاعليّة، ولا سيّما عندما يُنظر إلى الحوار على أنّه عائق أمام العمل، بدلًا من أن يكون موردًا للسلام؛ وعلى أنّه شكل من أشكال النّفاق، بدلًا من أن يكون فرصة للبحث معًا عن الخير. أمام هذه الانحرافات، يجب أن نعزّز فضيلة نادرة بقدر ما هي مرغوبة، هي الثّقة. الثّقة بأنّ الاختلافات لا تشكّل بالضّرورة تهديدًا. والثّقة بأنّ الحوار الصّادق يمكن أن يولّد خيرًا أكبر من ذلك الذي يستطيع كلّ واحد أن يحقّقه بمفرده. الكرسيّ الرّسوليّ يريد أن يبثّ هذه الثّقة في اليونسكو، كما في سائر المنظّمات الدّوليّة، وهو يدرك أنّ لكلّ شعب غنى يقدّمه في البحث عن ذلك التقدّم الأصيل الذي لا يستطيع السّلام وحده أن يضمنه. ليس المقصود الدّعوة إلى تفاؤل ساذج يتجاهل الصّعوبات، بل المثابرة في الرّجاء بأنّ الخير ممكن دائمًا. فكلّ طفل يولد يحمل الرّجاء. وكلّ رجل وكلّ امرأة يكرّس حياته للبحث عن الحقيقة ينجز عملًا من أعمال الرّجاء. فلتشهد اليونسكو إذًا لهذا الرّجاء، بتعزيز التّفاهم بين الأمم، بواسطة الحوار بين ثقافاتها الخاصّة. في الواقع، نحن نؤمن، بأنّ التّربية هي الأداة التي تسمح بتجاوز المخاوف المتبادلة، وأنّ العِلم يستطيع أن يكون في خدمة حياة كلّ إنسان، وأن يزرع اليوم بذور حصاد طيّب للمستقبل. هذه الثّقة تغذّي رجاءنا في المحبّة، أي في الخدمة من أجل خير القريب: فإن كرّسنا جميعًا أنفسنا، بانسجام، لإنسانيّتنا الرّائعة، سيتمكّن السّلام أخيرًا أن يزهر.

إذ نتعاون في هذا العمل، تؤدّي التّقاليد الدّينيّة دورًا ضروريًّا ولا غنى عنه من النّاحية الثّقافيّة، وتعبّر الأديان عن تساؤلاتنا أمام أصل الحياة ونهايتها، إذ تصوغ المعنى الأوّل والنّهائي لحياتنا، الذي ينعكس في الخيارات اليوميّة. فعندما يوجّه الرّجال والنّساء ذوو الإرادة الصالحة أعمالهم نحو الله، لا يتشتّت تعدّد الثّقافات في فوضى بابل. بل العكس، تجد البشريّة نفسها في بحث مشترك عن المعنى، وعن مصير ليس الموت. فنحن لا نسير نحو العدم. لذلك، النّفس البشريّة، في علاقتها بالله، تشعر بصورة أوضح أيضًا بالدّعوة إلى زرع السّلام، من خلال عهد بين شعوب تدرك أنّها أبناء الآب الواحد، وأنّ جميعنا إخوة وأخوات.
لذلك، أتمنّى أن يعزّز لقاؤنا التزام كلّ واحد بالعمل بلا كلل، لكي يصير الوَعي بأنّنا ننتمي إلى عائلة بشريّة واحدة أكثر حياةً ونشاطًا وعدلًا. في هذا الصّدد، أودّ أن أعبّر عن خالص شكري لجميع العاملين في اليونسكو، الذين يؤدّون بكفاءة وتفانٍ هذه الرّسالة النّبيلة جدًّا: بناء السّلام بتنمية جميع علوم الإنسان وفنونه.
أوجّه هذا الكلام إليكم جميعًا، وإلى الشّعوب التي تمثّلونها، وبصورة خاصّة إلى الشّباب والشّابات. فالأجيال الجديدة هي التي تراقب عملنا باهتمام أكبر. وإذ أدعم تطلّعاتهم إلى العدالة، أتوجّه إليكم جميعًا وإلى شعوبكم بكلّ امتنان وتقدير، سائلًا الله، الخالق القدير والرّحيم، أن يفيض عليكم بركاته الوافرة.
__________________
[1] كلمة إلى منظّمة الأمم المتّحدة للتربية والعلم والثّقافة (اليونسكو)، 2 حزيران/يونيو 1980. راجع توما الأكويني، التحليلات الثّانية لأرسطو، 1.
***********
© جميع الحقوق محفوظة – حاضرة الفاتيكان 2026
Copyright © دائرة الاتصالات – Libreria Editrice Vaticana
