Pixabay CC0

تسلّل العصر الجديد في الكنيسة

الجزء الحادي والستّون

Share this Entry

رأي كاثوليكي في تأمّل الوعي الكامل Mindfulness

“تحبّ الربّ إلهك من كلّ قلبك ومن كلّ نفسك ومن كلّ فكرك… وتحبّ قريبك كنفسك”(مت22/ 37، 39)

ماتيو ريكار وMindfulness

في ملفٍّ بعنوان “تأمّل الوعي الكامل”La méditation de pleine conscience  إلى مجموعة CCMM[1] المولجة بالإهتمام بالإنتهاكات البدعوية بشكلٍ عام وبضحايا الدورات النفسية الروحيةSessions psycho spirituelles وعائلاتهم، يطرح الشماس “برتران شوديه”Bertrand Chaudet  من “راعوية الروحانيات الجديدة والإنتهاكات البدعوية”[2] إشكاليات ومحاذير هذه التقنية.

يتكلّم الشماس “شوديه” عن ماتيو ريكارMathieu Ricard وهو راهبٌ بوذي، دكتور في جينات الخلايا منذ سنة 1979، و تلميذ مقرّب جدًا من “الدالاي لاما” والمترجم الشخصي له في الفرنسية. معروف بكتاباته وهو ابن الفيلسوف والصحافي الأكاديمي “جان فرنسوا ريفيل”Jean-Francois Revel  الذي كان بدوره تلميذًا  للإيزوتيريكي جورج غوردييفGeorges Gurdieff [3] وتلميذًا للفنّانة والراهبة البوذية .Yahne le Toumelin . يقول “شوديه” أنّ “ريكار” أصبح رائداً في الترويج لتأمّل الوعي الكامل ولتقنية أخرى جديدة اسمها “العلوم التأمّلية”Les sciences contemplatives. كذلك ينشط في مركز للأبحاث Institut Mind and Life الذي أسّسه الدالاي لاما سنة 1987 بهدف تنمية التعاون بين العلوم الدماغية والبوذية. نشير هنا أن من أعضاء مجلس إدارة هذه المؤسّسة أيضًا “ريشار دافيدسون”Richard Davidson وهو من الناشطين في حركة غوردييف في الولايات المتحدة وفي مركز إيسالين التابع لتيّار العصر الجديد. و”تانيا سينغر”Tania Singer التي تروّج للتاسوعيةEnneagram  التي أطلقها غوردييف وهي تتعاون كذلك مع L’Association de Meditation de Bruxelles Emergences

يدّعي “ريكار” كما يدّعي مؤيدّو هذه التقنية، أنّ ممارسة يومية خلال 20 دقيقة تخفّف من القلق، الضغط النفسي، الميل إلى الغضب، وما شابهها وتنمي لدى المتأمّل التعاطف الذي يؤدي إلى تحسّن الحياة الإجتماعية. وهذه أيضًا وعود التأمّل التجاوزي MT(Meditation Transcendantale) . إستعمل “ريكار” مبدأ التعاطفempathie الذي روّج له عالم النفس “رودجرز”، فحوّله إلى شكلٍ من أشكال اللامبالاة بالنسبة للآخر. وذكر “شوديه” أنّ ماتيو ريكار عرض في مؤتمر صحافي في مكاتب غوغل الفرنسية، تأمّله كما ورد في مجلة express  في شهر تموز سنة 2014 حيث لاقى نجاحًا كبيراً. ويقول “شوديه” أنّ جهات تموّل أبحاث ريكار مثل Institut Mind and Life  مع أنّ “ريكار” يصرّح أنّه يرفض التعامل مع شركات تجارية بما فيها المختبرات الصيدلية وأنّه بفضل جمعيته الإنسانية Karuna-Shechenالتي أسّسها بنفسه، يعالج مئة ألف مريض سنويًا ويعلّم 20 ألف طفل في النيبال الهند والتيبت. ويتساءل CIPPAD[4] عن حيادية الأبحاث التي يموّلها “ريكار” مع العلم أنّ العلماء الذين يقومون بها، هم أنفسهم من ممارسي “تأمّل الوعي الكامل” أو من المؤيدّين لفكر مماثل أو أعضاء في Institut Mind and Life! ويؤكد “شوديه” أنّ هذه المؤسسة تموّلها عدّة مؤسّسات خاصة ومدراء شركات وحتى ممولون مجهولو الهوية ما يعني أنها غير مستقلّة كما يدّعي “ماتيو ريكار”.

في هذا الإطار، أجرت مؤخرًا AHRQ وكالة الصحة الأميريكية، دراسةً حول “تأمّل الوعي الكامل” وتقنيات أخرى للتأمل يستعان فيها بالمانترا، انطلقت من 18.753منشور فيها 47 تجربة عيادية مع 3515 شخص. استنتجت على أثرها أنّ لا وجود لدليلٍ جدّيٍ كافٍ يؤكّد تأثير “تأمل الوعي الكامل” في تحسّن الوضع الصحي لدى المكتئبين والمتوّترين. ولا دليل كذلك على إيجابيات مثل تحسّن المزاج والإنتباه ونوعية النوم والتخلّص من الإدمانات كالتدخين والكحول،…[5]

تأمّلٌ علماني؟

يُقدّم “تأمّل الوعي الكامل” على أنّه تأمّل علماني لكن تتبادر إلى ذهننا الشكوك متى علمنا أن من يرّوج لها هم رهبان بوذيون! تطرح الصحافية في مجلة إكسبرس “كلير شارتيه”Claire Chartier سؤالاً على “ماتيو ريكار” قائلةً: “إنّ التزام الهدوء وتمنّي محبة الآخر: أليس في السياق نفسه للصلاة؟ هناك فرقٌ مهم: أن تتحدّ بشيء يتخطّاك من خلال التأمّل هو استسلام أكثر منه نظامًا يهدف إلى تغيير نظرتك للأمور”[6]

بالفعل إنّ الفارق مهمّ، إنّ العلاقة مع الله في التأمّل المسيحي تتطلّب وتؤدّي معاً، إلى ارتداد (توبة قلبية) ينتج عنه طريقة مختلفة في التفكير والتصرّف، إذًا هذه العلاقة ليست مجرّد “نظام” بل هي تبادلٌ يغيّر القلب والأفكار والأعمال.

في الحقيقة ما ينصح به هذا التأمّل هو التمحور حول الذات ومراقبة الذات، يؤدّي فعلياً إلى نوع من النشوة الذاتية Enstase. “هي سقوطٌ في الذات حيث نكتشف أنّ كلّ شيء فيها. فجأةً يحصل انفجار بركاني من السلام. يفاجؤنا هذا السلام المصنوع ذاتيًا … نترك ذواتنا للتغيير بدل أن نريد دائمًا تغيير ما هو حولنا”[7]

إختبار ذوبان الذات !

وينتهي “برتران شوديه” في نهاية تقريره إلى الخلاصة التي تقول أنّ هدف “تأمّل الوعي الكامل” هو التوّسع حتى بلوغ ذوبان الأنا. تلك الأنا لا معنى لوجودها. لأنّها في كلّ شيء وكلّ شيء فيها (هذا يتوافق مع مبدأ الحلولية الذي تعتقد به ديانات الشرق الأقصىPantheism ). “الوعي الكامل هو تمدّد وتوّسع للذات. نمتصّ كلّ ما حولنا، نتطبّع به ونتماهى معه. تمامًا مثل دائرة تتوّسع لتشمل كلّ ما هو حولها. نحن محور الكون. لكنه ليس كونًا محدودًا فكل حدوده مشرّعة…في الوعي الكامل الأنا تذوب في المحيط والمحيط يذوب فيها”[8]

“بتأمّل الوعي الكامل، نتواصل مع العالم لدرجة تصبح فيها الإختلافات بين الأنا واللا “أنا” أمرًا غير منطقي ومزعجًا. التحضير للرجوع من حيث أتينا، كالموجة التي تندثر في المحيط. عندها لا وجود للحدود بل هناك فقط روابط”[9]

يدعونا “تأمّل الوعي الكامل” إلى قبول الواقع من دون إصدار أحكام وإلى الإنفصال الحسّي والعقلي عن الكون والوجود (وهي حالة تختلف جوهريًا عن حالة اللاهوى المعروفة في الأدب النسكي المسيحي) فالعالم الظاهر ليس سوى أوهام (مايا-Mayaفي البوذية) وفقط بالدخول إلى الذات يكون التحرّر. ويلفت “شوديه” إلى أنّ هذه الرؤية البوذية من التيبت قد ولّدت نظامًا إجتماعيًا طبَقيًا لا مكان فيه لمحبة الآخر كما يفهم في المسيحية (أحبّ قريبك كنفسك-مت22/ 39)

 يتبع

لمجد المسيح

[1] CCMM: Centre contre les manipulations mentales ou centre Roger-Ikor est une association francaise laiique de lute contre les sectes.

[2] Pastorale des nouvelles croyances et derives sectaires (pncds72.free.fr)

[3] جورج إيفانوفيتش غوردييف هو إيزوتيريكي ولد في الكوكاز(لا نعرف تاريخ ولادته) ووصل الى فرنسا سنة 1921 وكان محاطًا بعدد من الأتباع الروس. تأثر بالتيوزوفية هيلينا بلافاتسكي مؤسّسة الجمعية التيوزوفية سنة 1875 فاستوحى منها ليختلق تقنيات  مثل تقنية التاسوعيةEnneagram.

[4] Centre d’information et de prevention sur les psychotherapies Abusives et deviantes.

مركز المعلومات والوقاية في العلاجات النفسية المسيئة والمنحرفة

[5] Meditation Programs for psychological Stress and Well-Being, Effective Health Care Program, Comparative Effectiveness Review, number 124, January 2014, Agency for Healthcare Research and Quality U.S, Department of Health and Human Services 540 Gaither Road Rockville, MD 20850, www.ahrq.gov.

[6] L’Express Numero 3289 du 16 au 22 juillet 2014 ,“les vrais pouvoirs de la meditation”p. 22

[7] Ib. p.255

[8] Christophe André,”Méditer jour après jour”, L’iconoclaste sept 2011. P.282, 283.

[9] Ib. p. 285

Share this Entry

جيزل فرح طربيه

Help us mantain ZENIT

إذا نالت هذه المقالة اعجابك، يمكنك أن تساعدنا من خلال تبرع مادي صغير