ترجمة ندى بطرس
أعادت رسالة، كُشِف عنها مؤخّراً وقد كتبها بندكتس السّادس عشر بعد أكثر من عام على استقالته التاريخيّة، فتحَ أحد أكثر النقاشات ديمومة في التاريخ الكاثوليكي المعاصر، كما وأنهت هذا النقاش بالنسبة إلى البعض: إن كان تنحّى حقّاً عن البابوية في شباط 2013.
في التفاصيل التي وردت في مقال نشره القسم الإنكليزي في زينيت، وُجِّهت الرسالة المؤرّخة في 21 آب 2014، إلى المونسنيور نيكولا باكس Nicola Bux، وهو مسؤول سابق في الفاتيكان ومعاوِن قريب لبندكتس خلال سنوات عمله في مجمع عقيدة الإيمان، ثم في سينودسات رئيسيّة. وكان باكس قد راسل أوّلاً بندكتس ليُعبِّر عن شكوكه اللاهوتيّة والقانونيّة بشأن الاستقالة، طالباً توضيحاً من الرّجل الذي ترك، لأوّل مرة منذ ستة قرون، كرسي بطرس بكامل إرادته.
كان ردّ بندكتس حازماً لا لبس فيه. وقد كتب أنّه يمكن للبابا أن يستقيل بحرية؛ وهذا القرار سليمٌ لاهوتيّاً وقانونيّاً. إنّ اقتراح خلاف ذلك – أي الادّعاء مثلاً بأنّه تخلّى فقط عن “ممارسة الخدمة” مع الاحتفاظ بـ”المهمّة البابويّة” – كان، على حدّ تعبيره، مخالفاً للتعاليم العقائديّة والقانونيّة. وأصرّ على أنّ مَن يُروّجون لمثل هذه النظريّات ليسوا مؤرّخين حقيقيّين ولا لاهوتيّين. أمّا الحديث عن انقسام، فقد رفضه رفضاً قاطعاً.
في الرّسالة نفسها، كشف بندكتس أنّ سلفه، يوحنا بولس الثاني، قد فكّر مرّة جديّاً في الاستقالة مع اقتراب عيد ميلاده الخامس والسبعين، واختار في النهاية عدم القيام بذلك، مؤكّداً على مبدأ الحرّية البابويّة نفسه. كما ودافع عن حقّ البابا في التحدّث والكتابة بصفته الشخصيّة، ذاكِراً كتبه عن يسوع التي ألّفها خلال حبريّته على أنّها أعمال خارجة عن الواجبات الرسميّة للمكتب البابوي – وهي “مهمّة من الرب” قام بها إلى جانب دوره كأسقف روما.
اختار باكس عدم نشر الرسالة خلال حياة بندكتس، خوفاً من استغلالها في ظلّ المناخ الاستقطابي الذي أعقب الاستقالة.
في السنوات الفاصلة، كثرت نظريات هامشيّة، لا سيّما في إيطاليا، حيث زعمت بعض الجماعات التقليديّة أنّ بندكتس قد أُجبر أو دبّر “بابويّة مزدوجة” خفيّة ظلّ فيها البابا الحقيقيّ، فيما بنى أحد أبرز المدافعين، الصحفي أندريا سيونشي، رواية مؤامرة معقّدة في كتابه The Ratzinger Code الصادر عام 2022.
أمّا الآن، فيأتي نشر الرّسالة كملحق لكتاب باكس الجديد، “الواقع واليوتوبيا في الكنيسة”، الذي شارك في تأليفه فيتو بالميوتي Vito Palmiotti. يضع الكتاب المراسلات ضمن نقد أوسع لتيّارات ما بعد المجمع الفاتيكاني الثاني في الكاثوليكيّة، مُقارِناً ما يراه المؤلّفان واقعيةً راسخةً ليوحنا بولس الثاني وبندكتس مع ما يسمّيانه النزعات “اليوتوبيّة” للبابا فرنسيس وشخصيّات مثل الأسقف الإيطالي الراحل تونينو بيلو.
رسالة بندكتس إعادة تأكيد على البابويّة كمنصب حقيقيّ قابل للتنازل عنه، مرتبط بالحقائق الملموسة للقوانين الكنسيّة وتقاليدها، لا بإعادة تفسيرات تخمينيّة أو رمزيّة. وبينما قد لا تُقنع الرسالة كلّ منتقد، إلّا أنّها تُعتَبَر الآن الكلمة الأخيرة لبندكتس في مسألة أجّجت شائعاتٍ لعقدٍ من الزمن. إنّها، في نظر ناشرها، وثيقة تاريخيّة تُفسّر رأيه آنذاك وتُؤكّد عزمه. وبغضّ النظر عمّا قد يُقال عن استقالته، أراد بندكتس السّادس عشر أن تُدرك الكنيسة – والتاريخ – أنّه كان يقصد تماماً ما فعله.
