vatican media

المجمع الفاتيكاني الثاني… النّعمة الكبرى التي أعطاها الله للكنيسة في القرن العشرين

المقابلة العامة للبابا لاون الرابع عشر يوم الأربعاء 7 كانون الثاني

Share this Entry

أيّها الإخوة والأخوات الأعزّاء، صباح الخير وأهلًا وسهلًا بكم!

بعد سنة اليوبيل، التي توقّفنا فيها عند أسرار حياة سيّدنا يسوع المسيح، نبدأ سلسلة جديدة من الدّروس نخصّصها للمجمع الفاتيكانيّ الثّاني ولقراءة وثائقه من جديد. إنّها مناسبة ثمينة لنكتشف جمال وأهمّيّة هذا الحدث الكنسيّ. قال القدّيس البابا يوحنّا بولس الثّاني، في ختام يوبيل سنة 2000: “أشعر، أكثر من أيّ وقت مضى، بواجب الإشارة إلى المجمع على أنّه النّعمة الكبرى التي أعطاها الله للكنيسة في القرن العشرين” (الرّسالة البابويّة، في بداية الألفيّة الجديدة، 57).

مع ذكرى مجمع نيقية، أحيَينا في سنة 2025 الذّكرى السّتين لانعقاد المجمع الفاتيكانيّ الثّاني. وعلى الرّغم من أنّ الزّمن الذي يفصلنا عن هذا الحدث ليس بعيدًا جدًا، إلّا أنّ جيل الأساقفة واللاهوتيّين والمؤمنين الذين عاشوا المجمع الفاتيكانيّ الثّاني ليسوا اليوم موجودين. ومن هنا، وبينما نشعر بالدّعوة إلى ألّا نخمد النّبوءة، وإلى أن نستمر في البحث عن طرق وأساليب لتجسيد حَدسِه وعلمه، من المهمّ أن نعرفه من جديد عن قرب، لا ”بما يُقال عنه“ أو بالتّفسيرات التي وردت عنه، بل بقراءة وثائقه من جديد والتأمّل في مضمونها. في الواقع، إنّها سلطة الكنيسة التّعليميّة التي لا تزال حتّى اليوم النّجم الهادي لمسيرة الكنيسة. وكما علّم البابا بنديكتس السّادس عشر: “مع مرور السّنين لم تفقد الوثائق قيمتها ومعناها الحاضر. إذ يتبيّن أنّ تعاليمها ذات صلة خاصّة بالاحتياجات الجديدة للكنيسة ولمجتمع اليوم المعولم” (أوّل رسالة بعد القداس مع الكرادلة النّاخبين، 20 نيسان/أبريل 2005).

عندما افتتح البابا القدّيس يوحنّا الثّالث والعشرون أعمال المجمع، في 11 تشرين الأوّل/أكتوبر 1962، قال فيه إنّه فجر يوم من النّور لكلّ الكنيسة. وقد مهّد عمل الآباء الكثيرين المدعوّين، القادمين من كنائس جميع القارات، الطّريق فعلًا لمرحلة كنسيّة جديدة. وبعد تأمّل غنيّ في الكتاب المقدّس واللاهوت والليتورجيّا الذي امتدّ على مدار القرن العشرين، اكتشف المجمع الفاتيكانيّ الثّاني من جديد وجه الله الآب الذي يدعونا في المسيح إلى أن نكون أبناءه. نظر المجمع إلى الكنيسة في نور المسيح، نور الأمم، وسرّ شركة وسرّ وحدة بين الله وشعبه، وأطلق إصلاحًا ليتورجيًّا مهمًّا، محوره سرّ الخلاص والمشاركة الفاعلة والواعية لجميع شعب الله. وفي الوقت نفسه، ساعدنا المجمع لننفتح على العالم، وندرك تغيّرات وتحديات العصر الحديث، بروح الحوار والمسؤوليّة المشتركة، ككنيسة تريد أن تفتح ذراعيها نحو الإنسانيّة، وتكون صدى لآمال الشّعوب وآلامها، وتتعاون في بناء مجتمع فيه مزيد من العدل والأخوّة.

بفضل المجمع الفاتيكانيّ الثّاني، “تصير الكنيسة كلمة، وتصير رسالة، وحوارًا” (القدّيس بولس السّادس، الرّسالة البابويّة العامّة،Ecclesiam suam، 67)، فتلتزم بالسّعي إلى الحقيقة بطريق المسكونيّة، والحوار بين الأديان، والحوار مع جميع ذوي النّيّة الصّالحة.

هذا الرّوح، وهذا الموقف الدّاخليّ، يجب أن يميّزا حياتنا الرّوحيّة وعمل الكنيسة الرّعوي، لأنّنا ما زلنا مدعوّين إلى تحقيق الإصلاح الكنسيّ بصورة أعمق في بعده الخَدَمي، وإلى أن نبقى، أمام تحديات اليوم، مفسّرين متنبّهين ويقظين لعلامات الأزمنة، ومبشّرين فرحين بالإنجيل، وشهودًا أصيلين للعدل والسّلام. كتب المطران ألبينو لوتشاني (Albino Luciani)، أسقف فيتّوريو فينيتو (Vittorio Veneto)، الذي صار في ما بعد البابا يوحنّا بولس الأوّل، في بداية المجمع بصورة نبويّة: “كما هو الحال دائمًا، هناك حاجة إلى إنشاء ليس مجرّد هيئات أو أساليب أو هيكليّات، بل قداسة أعمق وأشمل. […] يمكن أن نرى ثمار المجمع الأفضل والوافرة بعد قرون، وأن تنضج وتتجاوز تناقضاتٍ مُتعبة وظروفٍ صعبة” [1]. أن نكتشف من جديد المجمع، كما أكّد البابا فرنسيس، يساعدنا “لنعطي الأولويّة لله من جديد، ولكنيسةٍ مفتونة بحبّها لربّها ولكلّ البشر الذين أحبّهم” ( عظة في الذّكرى السّتين لبدء المجمع الفاتيكانيّ الثّاني، 11 تشرين الأوّل/أكتوبر 2022).

أيّها الإخوة والأخوات، إنّ ما قاله القدّيس البابا بولس السّادس لآباء المجمع في ختام أعماله، يبقى لنا نحن أيضًا، اليوم، معيارًا يوجّهنا. فقد أكّد أنّ ساعة الانطلاق قد حانت، وأنّه آن الأوان لمغادرة قاعة المجمع للقاء البشريّة وحمل بشارة الإنجيل السّارّة إليها، ونحن واعون أنّنا عشنا زمن نعمة اجتمع فيه الماضي والحاضر والمستقبل: “الماضي: لأنّ كنيسة المسيح مجتمعة هنا، بتقليدها، وتاريخها، ومجامعها، ومعلّميها، وقديسيها. […] الحاضر: لأنّنا نغادر لنذهب نحو عالم اليوم، بما فيه من بؤس وآلام وخطايا، ولكن أيضًا بما فيه من إنجازات مدهشة، وقِيَم وفضائل. […] أمّا المستقبل، فهو هنا، في النّداء الملحّ للشّعوب إلى مزيد من العدل، في إرادتهم للسّلام، وفي عطشهم الواعي أو غير الواعي إلى حياة أسمى، تلك الحياة التي تستطيع كنيسة المسيح وتريد أن تمنحها لهم” (القديس بولس السّادس، رسالة إلى آباء المجمع، 8 كانون الأوّل/ديسمبر 1965).

وهكذا هو الأمر بالنّسبة إلينا أيضًا. فباقترابنا من وثائق المجمع الفاتيكانيّ الثّاني واكتشاف طابع النّبوءة فيها ومعناها الحالي، فإنّنا نقبل غنى تقليد حياة الكنيسة، وفي الوقت نفسه، نتساءل عن حاضرنا، ونجدّد فرحنا بالاندفاع نحو العالم لنحمل إليه إنجيل ملكوت الله، ملكوت المحبّة والعدل والسّلام.

*******

قِراءَةٌ مِن رسالَةِ القِدِّيسِ بولس الرَّسول إلى العِبرانيّين (13، 7-9)

[أَيُّها الإِخوَة] أُذكُروا رُؤَساءَكم، إِنَّهم خاطَبوكم بِكَلِمَةِ الله، وٱعتَبِروا بما ٱنتَهَت إِلَيه سيرَتُهم وٱقتَدوا بِإِيمانِهِم. إِنَّ يسوعَ المَسيحَ هو هو أَمْسِ واليَومَ ولِلأَبَد. لا تَضِلُّوا بِتَعاليمَ مُختَلِفَةٍ غَريبَة.

كلامُ الرَّبّ

*******

Speaker:

بدأَ قَداسَةُ البابا اليَومَ سِلسِلَةً جديدةً مِن الدُّروسِ في التَّعليمِ المسيحيّ، موضوعُها المجمعِ الفاتيكانيّ الثَّاني، ودعانا إلى أنْ نقرأَ وثائِقَه مِن جديدٍ ونتأمَّلَ في مضمونِها، بعدَ مرورِ ستِّينَ سنةً على انعقادِه. وأكَّدَ قداسَتُهُ أنَّ المجمعَ يَبقَى نعمةً كُبرَى ومرجعًا حيًّا لمسيرةِ الكنيسة. ففيهِ نَكتَشِفُ مِن جديدٍ وجهَ اللهِ الآبِ الَّذي يدعُونا في المسيحِ إلى أنْ نكون أبناءَه، ورسَّخَ معنَى الشَّرِكَةِ والوَحدَةِ بين اللهِ وشعبِه، وأطَلَقَ إصلاحًا ليتورجيًّا مِحوَرُهُ سرَّ الخلاصِ ومشاركَةِ شعبِ الله، وساعَدَ الكنيسةَ لِتَنفَتِحَ على العالَمِ بروحِ الحوارِ والمسؤوليَّةِ المشتركة. وشدَّدَ المجمعُ على أهمِّيَّةِ محافظةِ الكنيسةِ على المسكونيَّةِ والحوارِ بين الأديان، ومواصلَةِ الإصلاحِ الدَّاخليّ، وقراءَةِ علاماتِ الأزمِنَةِ بتمييزٍ ويَقَظَة، والانطلاقِ بفرحٍ لِحَملِ إنجيلِ ملكوتِ الله، ملكوتِ المحبَّةِ والعدلِ والسَّلام، إلى كلِّ العالم.

*******

Speaker:

أُحيِّي المُؤمِنِينَ النَّاطِقِينَ باللُغَةِ العَرَبِيَّة. المسيحيُّ مدعوٌّ إلى أنْ يَنطَلِقَ بِفَرَحٍ لِحَملِ إنجيلِ ملكوتِ الله، ملكوتِ المحبَّةِ والعدلِ والسَّلام، إلى كلِّ العالَم. بارَكَكُم الرَّبُّ جَميعًا وَحَماكُم دائِمًا مِن كلِّ شَرّ!

*******

©جميع الحقوق محفوظة – حاضرة الفاتيكان 2026

[1] A. Luciani – Giovanni Paolo I, Note sul Concilio, in Opera omnia, vol. II, Vittorio Veneto 1959-1962. Discorsi, scritti, articoli, Padova 1988, 451-453.

Copyright © دائرة الاتصالات – Libreria Editrice Vaticana

Share this Entry

ZENIT Staff

فريق القسم العربي في وكالة زينيت العالمية يعمل في مناطق مختلفة من العالم لكي يوصل لكم صوت الكنيسة ووقع صدى الإنجيل الحي.

Help us mantain ZENIT

إذا نالت هذه المقالة اعجابك، يمكنك أن تساعدنا من خلال تبرع مادي صغير