ترجمة ندى بطرس
صباح يوم الجمعة 9 كانون الثّاني، خاض البابا لاون الرّابع عشر تجربة فريدة مع كفن تورينو، لم يشهدها أسلافه من قبل. في التفاصيل التي وردت ضمن مقال بقلم خورخي إنريكي موهيكا نشره القسم الإنكليزي من زينيت، أصبح البابا أوّل من يستكشف قراءة رقميّة جديدة للكفن، داخل القصر الرسولي، ضمن مبادرة “أفولتي” Avvolti التي قدّمها له الكاردينال روبرتو ريبولي رئيس أساقفة تورينو والحارس البابويّ للذّخيرة.
طبعت هذه اللحظة نقطة تحوّل رمزيّة، إذ دخلت إحدى أكثر الصور المسيحيّة دراسةً وغموضاً إلى العصر الرقميّ. تُقدّم هذه المبادرة طريقة جديدة للتفاعل مع الكفن لم تكن متاحة للجمهور من قبل. ولأوّل مرّة، يُمكن استكشاف الصورة عبر الإنترنت من خلال منصّة مخصّصة، يُمكن الوصول إليها عبر الموقعين الإلكترونيّين avvolti.org و sindone.org.
يعمل البرنامج على الهواتف الذكيّة والأجهزة اللوحيّة وأجهزة الكمبيوتر، ممّا يجعل الكفن مُتاحاً عالميّاً دون أي عوائق جغرافيّة أو لوجستيّة. وما كان يتطلّب في السابق السفر إلى تورينو ودخول معارض نادرة، أصبح الآن مُتوفّراً من أيّ مكان في العالم.
في سياق متّصل، يكمن جوهر المشروع في نسخة رقميّة تفاعليّة تُمكّن المستخدمين من التحرّك على سطح الكفن كما لو كانوا يتتبّعونه بأيديهم. ويمكن تكبير التفاصيل الرئيسيّة كالوجه، وعلامات إكليل الشوك، وغيرها من العناصر المرتبطة تقليديّاً بآلام المسيح، وفحصها بدقّة. ويُرفَق كلّ قسم مُكبَّر بنصوص توضيحيّة وإشارات مباشرة إلى مقاطع من الأناجيل تصف معاناة يسوع وموته. أمّا النتيجة فليست تجربة بصريّة بحتة، بل قراءة مُوجَّهة تجمع بين الصّورة والكتابات المقدّسة والتفسير.
مِن ناحية أخرى، حرص مُصمّمو المشروع على تحديد جمهوره بدقّة. فبينما تستند النصوص والصور إلى أسس علميّة دقيقة وبحث جادّ، فإنّ الهدف ليس إنتاج أداة للمتخصّصين فقط. بل صُمِّمَت القراءة الرقميّة لتكون مفهومة لجمهور واسع، بمَن فيهم مَن ليس لديهم معرفة مسبقة بالكفن. والطموح يتعلّق بالتعليم الدينيّ كي تُتيح الصورة للكلمة أن تتجاوز الأوساط الأكاديميّة وتصل إلى المؤمنين العاديّين والباحثين والفضوليّين. تُعدّ هذه التجربة الرقميّة العالميّة مِن مكوّنات مبادرة “أفولتي”، وهي مبادرة أوسع أطلقتها أبرشيّة تورينو بمناسبة يوبيل عام 2025. في مطلع 2025، تجسّد المشروع على أرض الواقع في قلب المدينة. ففي الفترة الممتدّة بين 28 نيسان و5 أيار، نُصِبَت خيمة “أفولتي” الضخمة في ساحة كاستيلو، وقدّمت للزوّار سلسلة من العروض التي تمحورت حول كفن تورينو، ومن بينها عمل فنيّ لافت للنّظر: نسخة طبق الأصل بالحجم الطبيعي للكفن، معروضة على طاولة مصمَّمة خصّيصاً بطول خمسة أمتار. وعلى مدار 8 أيّام، زار الخيمة أكثر من 30 ألف شخص مِن 79 دولة مختلفة. وقد أكّد حجم المشاركة أنّ الاهتمام بالكفن لا يزال قويّاً وعالميّاً.
أمّا المنصّة الرقميّة المتاحة الآن على الإنترنت فهي نسخة مُعدّلة من تلك التجربة نفسها، إذ تمّ تحويل ما شاهده الزوّار على الطاولة إلى صيغة مناسِبة للشاشات، بدون أن يفقدوا متعة الاكتشاف والتفاعل. كما وتتمّ مشاركة الصّور والنصوص من هذه التجربة عبر منصّات التواصل الاجتماعي، بما في ذلك فيسبوك وإنستغرام، ممّا يُوسّع نطاق انتشارها.
من ناحيته، وضع الكاردينال ريبول هذه المبادرة ضمن رؤية رعويّة أوسع، موضِحاً أنّ إطلاق هذه التجربة الرقميّة العالميّة يُشكّل جزءاً من “برنامج رعويّ مُنظَّم حول الكفن” أطلقته أبرشيّة تورينو عام 2024. وقد مثّل مشروع “أفولتي” جوهر هذا البرنامج خلال يوبيل 2025، ولكنّه ليس مشروعاً وحيداً، إذ يجري التخطيط لمبادرات إضافيّة وتطويرها حاليّاً، بهدف مرافقة المؤمنين خلال السنوات القادمة نحو أفقٍ هامّ آخر: يوبيل عام 2033، الذي يرتبط تقليديّاً بالألفيّة الثانية للفداء.
إلى جانب ابتكارها التقنيّ، تُثير القراءة الرقميّة للكفن تساؤلاً أعمق حول كيفيّة عمل الرموز الدينيّة القديمة في عالم شديد الترابط. وعبر إتاحة الفرصة لاستكشاف كفن تورينو بتفصيل دقيق، وبصبر، وبشكل شخصيّ، يدعو المشروع إلى شكل أبطأ وأكثر تأمّلاً من التفاعل، وهو ما يتناقض مع الاستهلاك السريع الذي يميّز الإعلام الرقميّ. وبهذا المعنى، لا يقتصر مشروع “أفولتي” على مجرّد إتاحة الوصول، بل يمثّل محاولة لترجمة الصمت والغموض والتأمّل إلى لغة يفهمها الجمهور المعاصر، بدون تجريد الذخيرة من تعقيدها.
أمّا تفاعل البابا المبكر مع المنصّة فيُؤكّد على الأهمية التي يوليها الفاتيكان لهذا الجهد، إذ يشير إلى انفتاح على أشكال جديدة من التبشير تحترم التقاليد وتتبنّى التكنولوجيا في الوقت نفسه.
إنّ كفن تورينو، الذي صمد بوجه قرون من التدقيق والنقاش والتقوى، بات الآن على وشك بلوغ الملايين بطريقة جديدة، داعياً جمهوراً عالميّاً إلى إعادة النظر فيه، وربما إلى التعمّق أكثر بعد.
