اليوضاسية: حين يُستعمل الخير قناعًا

تعليق على قراءة إنجيل اليوم في صلاة مساء الأربعاء من أسبوع الآلام

Share this Entry
يروي الإنجيلي يوحنا حادثة ذات دلالة عميقة (يو١٢: ٤-٦): عندما سكبت مريم الطيب الغالي الثمن على قدمَي يسوع، اعترض يهوذا الإسخريوطي قائلًا: «لِمَ لَمْ يُبَعْ هذَا الطِّيبُ بِثَلاثِمِئَةِ دِينَارٍ وَيُعْطَ لِلْفُقَرَاءِ؟». ثم يعلّق النص بوضوح كاشف: «قَالَ هذَا، لَيْسَ لأَنَّهُ كَانَ يُبَالِي بِالْفُقَرَاءِ، بَلْ لأَنَّهُ كَانَ سَارِقًا، وَكَانَ الصُّنْدُوقُ عِنْدَهُ، وَكَانَ يَحْمِلُ مَا يُلْقَى فِيهِ».
هنا لا يفضح الإنجيل الفعل فقط، بل الذهنية… ذهنية تُجيد رفع شعار الفقراء، لا حبًّا بالفقراء، بل تغذيةً للأنا، أو حمايةً لمصلحة، أو بحثًا عن موقع أخلاقي متفوّق. لذلك يمكننا أن نسمّي هذه الذهنية: اليوضاسية.
اليوضاسية لا تعلن نفسها صراحةً.
هي لا تقول: «أنا أبحث عن مصلحتي»، بل تقول: «أنا أدافع عن القيم»، «أنا أحمي المجتمع»، «أنا أغار على الإيمان».
لكن السؤال الإنجيلي يبقى حاضرًا: هل الدافع هو حقًا الغيرة على الحق، أم الرغبة في الظهور بمظهر «الحارس الأخلاقي»؟
حين تتحوّل القضايا إلى منصّات استعراض…
في كل مجتمع، تظهر قضايا حسّاسة تثير جدلًا أخلاقيًا أو دينيًا… وسرعان ما تنطلق حملات (يقودها للأسف بعض رجال الدين!) ترفع شعارات الغيرة على القيم والتقاليد… بعض هذه الغيرة صادق بلا شك، لكن البعض الآخر من الخطابات يتحوّل إلى استعراض علني للفضيلة: تخوين، تشهير، وتضخيم، وكأنّ الهدف لم يعد معالجة الظاهرة موضوع النقاش، بل تسجيل نقاط أخلاقية أمام الجمهور. الأمر ذاته نراه في قضايا أخرى:
– مبادرات اجتماعية يُرفع عنوانها «مساعدة الفقراء»، بينما تُستعمل لالتقاط الصور وبناء النفوذ.
– حملات دفاع عن الإيمان تتحوّل إلى منصّة لتصفية حسابات شخصية.
– خطاب «الحرص على العائلة» الذي يخفي أحيانًا رغبة في السيطرة أو فرض الهيمنة.
– اتهامات واهية لأشخاص يضطلعون بمهام دينية واجتماعية خطيرة (كهنة، أساتذة، أطباء، عاملين في الحقل العام… الخ)، ليس لأنهم سيّئون، بل فقط ليكسر اليوضاسي صورة القدوة التي تُصغّر أناه المنتفخة وتجعل ضعاف النفوس يصدّقونه.
اليوضاسية ليست في طرح القضية، بل في استعمالها: بين الغيرة الصادقة والغيرة المسرحية، الفرق دقيق لكنه حاسم. فالغيرة الصادقة هي هادئة أكثر مما هي صاخبة، تبني أكثر مما تفضح، تفتّش في ذاتها قبل أن تدين الآخرين. أما الغيرة المسرحية فهي تحتاج إلى جمهور لتتغذّى على التصفيق، تبحث عن صورة «المدافع الشرس» أكثر مما تبحث عن الحقيقة.
في حادثة الطيب، لم يدافع يسوع عن التبذير، بل كشف القلب.
المسألة هنا لم تكن اقتصادية، بل روحية: من أين تنطلق الكلمات؟
ربما أخطر ما في اليوضاسية هو أنها تُربك الناس. حين تُرمى فكرة إيمانية أو مبادرة حسنة أمام الرأي العام، يصعب على كثيرين تمييز الدافع الحقيقي. فالشعار جميل، والكلمات مستقيمة، واللغة دينية أو أخلاقية. لكن خلف هذا البريق قد تختبئ «أنا» متضخّمة تبحث عن شرعية. لذلك، فإن التحدّي اليوم ليس فقط في مواجهة الانحرافات الظاهرة، بل في تنقية الدوافع الخفية.
ليس السؤال هنا: «هل أدافع عن قضية عادلة؟» فحسب، بل أيضًا: «هل قلبي عادل ومستقيم وأنا أدافع عنها؟»… فاليوضاسية تبدأ حين يتحوّل الخير إلى وسيلة؛ وتنتهي حين يصبح الخير غاية، حين يتمّ في الخفاء، بلا تصوير، وبلا جمهور…

إدعم زينيت

إدعم زينيت. متوفّرة بخمس لغات، يموّلها القرّاء. إشترك تبرّع

Share this Entry

الخوري يوحنا فؤاد فهد

Help us mantain ZENIT

إذا نالت هذه المقالة اعجابك، يمكنك أن تساعدنا من خلال تبرع مادي صغير