أيّها الإخوة والأخوات الأعزّاء،
بقلبٍ مفعمٍ بالشّكر أقيم معكم هذه الإفخارستيّا. وأشكر الله على هذه العطيّة، وأشكركم أنتم أيضًا على حفاوة الاستقبال المفعمة بالفرح!

في هذا الأحد الثّالث من زمن الفصح، كلّمنا الرّبّ يسوع من خلال إنجيل تلميذَي عمّاوس (راجع لوقا 24، 13-35). فلنسمح لهذه الكلمة الحيّة أن تنيرنا.
تلميذان من تلاميذ الرّبّ، بقلبٍ مجروح وحزين، يذهبان من أورشليم عائدين إلى قريتهما عمّاوس. لقد رأيا موت يسوع بعد أن وضعا فيه ثقتهما وتبعاه. فأصابتهما خيبة الأمل والهزيمة، وعادا إلى بيتهما. وفي الطّريق “كانا يَتَحدَّثانِ بِجَميعِ هذِه الأُمورِ الَّتي جَرَت” (الآية 14). إنّهما بحاجة إلى الكلام، إلى أن يرويا أحدهما للآخر ما رأياه، ويتشاركا في ما عاشاه، لكن الخطر هو بقاؤهما أسيرَين لوجعهما، رافضَين للرّجاء.
أيّها الإخوة والأخوات، في هذا المشهد الافتتاحي من الإنجيل أرى انعكاسًا لتاريخ أنغولا، هذا البلد الجميل والمجروح، وفيه عطش وجوع إلى الرّجاء والسّلام والأخوّة. إنّ حديث التّلميذَين في الطّريق، وهما يسترجعان بحزن ما حدث لمعلّمهما، يعيد إلى الذّاكرة الألم الذي طبع تاريخ بلدكم: حرب أهليّة طويلة، وما خلّفته من عداوات وانقسامات، وهدرٍ للموارد وفقر.
عندما يغرق الإنسان وقتًا طويلًا في تاريخٍ موسومٍ بالألم كهذا، يواجه خطر تلميذَي عمّاوس: أي فقدان الرّجاء والشّلل، بفعل الإحباط الذي أصابهما. يسيران، ومع ذلك ما زالا واقفين عند الأحداث التي جرت قبل ثلاثة أيام، يشاهدان موت يسوع. ويتحدَّثان معًا، لكن دون رجاءٍ في وجود مخرج لهما. يتكلّمان عمّا حدث، لكنهما مثقلان ولا يعرفان كيف تكون البداية من جديد، وهل ذلك ممكن.
أيّها الأعزّاء، إنّ البشرى السّارّة لنا من الرّبّ يسوع، اليوم أيضًا، هي هذه نفسُها: إنّه حيّ، قد قام، ويسير إلى جانبنا فيما نحن نسلك طريق الألم والمرارة، وهو يفتح عيوننا لكي نعرفه ونعرف عمله، ويمنحنا نعمة الانطلاق من جديد وبناء المستقبل.
اقترب يسوع من التّلميذَين الخائِبَين والفاقِدَين للرّجاء، وصار رفيق درب لهما، وساعدهما على إعادة جمع شتات تلك القصة، والنّظر إلى ما بعد الألم، فاكتشفا أنّهما ليسا وحدهما في المسيرة، وأنّ مستقبلًا آخر ينتظرهما، والله المحبّ ساكنٌ فيه. وعندما توقّف يسوع معهما للعشاء، وجلس إلى المائدة وكسر الخبز، “انفَتَحَت أَعيُنُهما وعَرفاه” (آية 31).
هكذا تُرسَم لنا أيضًا، ولكم أنتم، أيّها الإخوة والأخوات الأعزّاء في أنغولا، طريق البداية من جديد: من جهة، اليقين بأنّ الرّبّ يسوع يرافقنا ويرحمنا، ومن جهة أخرى، الالتزام الذي يطلبه منّا الرّبّ يسوع.
نختبر مرافقة الرّبّ يسوع قبل كلّ شيء في علاقتنا معه، في الصّلاة، وفي الإصغاء إلى كلمته التي تُضرم قلوبنا كما حدث مع التّلميذَين، ولا سيّما في الاحتفال بالإفخارستيّا. هنا نلتقي بالله. لذلك، ينبغي دائمًا أن ننتبه إلى طرق التديّن التّقليدي التي تنتمي إلى جذور ثقافتكم، قد تُربك، في الوقت نفسه، وتخلط بين عناصر سحريّة وخرافيّة لا تساعد في المسيرة الرّوحيّة. اثبتوا أمناء لتعليم الكنيسة، وثقوا برعاتكم، وثبِّتوا أنظاركم في يسوع الذي يُظهر لنا ذاته خصوصًا في الكلمة وفي الإفخارستيّا. ففيهما نختبر أنّ الرّبّ القائم من بين الأموات يسير إلى جانبنا، ومعه نغلب نحن أيضًا كلّ أشكال الموت التي تحاصرنا، فتكون حياتنا حياة أناس قائمين غلبوا الموت.
نحن إذن على يقين بأنّنا لسنا وحدنا على الطّريق، وإلى هذا يضاف أيضًا أنَّ هناك صلاحًا يداوي الجِراح ويُعيد إشعال الرّجاء. تلميذا عمّاوس عرفا يسوع عندما كسر لهما الخبز، فهذا يعني أنّه علينا نحن أيضًا أن نعرفه، وليس فقط في الإفخارستيّا، بل في كلّ مكان تصير فيه الحياة خبزًا مكسورًا، وفي كلّ حالة يقدّم فيه إنسان ذاته فيعطي ويرحم مثل الرّبّ.
إنّ تاريخ بلادكم، والعواقب الصّعبة التي ما زلتم تتحمّلونها، المشاكل الاجتماعيّة والاقتصاديّة، ومختلف أشكال الفقر، كلّها تستدعي حضور كنيسة تعرف أن ترافق المسيرة وأن تُصغي إلى صرخة أبنائها. كنيسة، تعرف أن تحيِي الرّجاء المفقود، بنور الكلمة وغذاء الإفخارستيّا. كنيسة هي أشخاص مثلكم يبذلون ذاتهم مثل يسوع الذي كسر الخبز لتلميذَي عمّاوس. إنّ أنغولا بحاجة إلى أساقفة وكهنة ومرسلين وراهبات ورهبان وعلمانيين وعلمانيّات يحملون في قلوبهم الرّغبة في بذل حياتهم وتقديمها بعضهم إلى بعض، والالتزام بالمحبّة والمغفرة المتبادلين، وبناء مساحات أخوّة وسلام، والقيام بأعمال رحمة وتضامن تجاه المحتاجين أكثر من غيرهم.
بنعمة المسيح القائم من بين الأموات، يمكن أن نصير نحن هذا الخبز المكسور الذي يغيّر الواقع. وكما تذكّرنا الإفخارستيّا بأنّنا جسد واحد وروح واحدة متّحدين بالرّبّ الواحد، نستطيع نحن أيضًا، ونريد، أن نبني وطنًا نتجاوز فيه إلى الأبد الانقسامات القديمة، ويزول فيه الحقد والعنف، وتُشفى فيه آفة الفساد بثقافة جديدة قائمة على العدالة والمشاركة. هكذا فقط يمكن أن يتحقّق مستقبل رجاء، ولا سيّما للشباب الكثيرين الذين فقدوه.
أيّها الإخوة والأخوات، إنّ حاجتنا اليوم هي إلى أن ننظر إلى المستقبل برجاء، ونبني رجاء المستقبل. فلا تخافوا من ذلك! إنّ يسوع القائم من بين الأموات، يسير على الطّريق معكم ومن أجلكم يكسر نفسه خبزًا لكم، ويشجّعكم لتكونوا شهودًا لقيامته وصانعي إنسانيّة جديدة ومجتمع جديد.
في هذا الطّريق، أيّها الأعزّاء، يمكنكم أن تعتمدوا على قرب البابا منكم وصلاته من أجلكم! وأنا أيضًا أعلَم أنّني أستطيع أن أعتمد عليكم، وأشكركم! أوكلكم إلى حماية وشفاعة سيِّدتنا مريم العذراء، سيِّدة موكسيما (Muxima)، لكي تكون سندًا دائمًا لكم في الإيمان والرّجاء والمحبّة.

***********
© جميع الحقوق محفوظة – حاضرة الفاتيكان 2026
Copyright © دائرة الاتصالات – Libreria Editrice Vaticana
