” قليلٌ من التّخلّي من أجلِ الله، في هذه الدّنيا، يؤدّي بنا إلى ميراثِ ملكوتِ السّماوات. البابُ الضّيّقُ يقودُنا إلى رحابِ اللهِ المنيرة. “
“أبونا يعقوب”
ما أبهى النّفسَ حين لا تُفتَنُ بِبَريقِ الأمورِ الدّنيويّة العابرة، بل تبحث عن نورٍ لا يزول، عن نورٍ سماويّ يُضيء بصيرتَها، فتجيدُ التّوجهَ نحو الفرحةِ الأسمى!!!
النّفوسُ المتعفّفة عن باطل العالم، تكتسي جمالًا ساحرًا، تبتعدُ عن الضّوضاء، فتبلغ سكينةَ الكنزِ الحقيقيّ، وترتقي فوق العالمِ الأرضيّ، وتعيش دون أن تستعبدَها أشياؤه…
يدعو أبونا يعقوب الخاطئَ إلى التّخلّي عن ما يوقِعُه في العذاب، وينصحُ الإنسانَ المسيحيَّ بِكيفيّة التّصرّف، فيطلب منه أن يقتديَ بالمسيح، ويفتخرَ بِصَليبه، ويتمسّك به. كما يدعوه إلى عدمِ التّساهل مع نقائصه، لأنّ المنتصرَ الحقيقيَّ هو الّذي ينتصرُ على ذاته، وعلى شهواتِه.
” جوهرُ التّخلّي محبّةُ الله. المستقَرّ الأصيلُ للقلبِ لا يكمُنُ في امتلاكِ خيراتِ هذا العالم، بل في نَيلِ ما يملؤه بالكامل، ألا وهو محبّة اللّه. ” (البابا لاون الرّابع عشر).
عدم التّعلّق بالأمورِ الأرضيّة يُحرّر القلبَ من قيودٍ خانقة، فينفتح على ما هو أبقى، وأسمى…
فحين نرمي التّعلّقَ الماديّ من قبضتِنا، تَتّسع أيدينا لاحتضانِ السّلام الحقيقيّ، وتتّسعُ قلوبُنا لاستقبالِ الرّبّ، والمكوث معه… وذاك هو ربحنا الأعظم… ذاك هو ميراثنا…
” بل أحسبُ كلّ شيءٍ خسارة من أجلِ الرّبحِ الأعظم، وهو معرفة المسيح يسوع ربّي. من أجلهِ خسرتُ كلَّ شيءٍ، وحسبتُ كلّ شيءٍ نفايةً لأربحَ المسيح. (رسالة فيليبي 3/8)
شهوات الدّنيا كثيرة، وهي تبرق أمامَنا، فتُغرينا بِمَاسيّتِها المزيّفة…
فلنتركها بإرادتنا، ولنستردَّ طمأنينةَ أعماقِنا، تلك الطّمأنينة الّتي لا نبلغُها إلّا عندما ندنو من المصلوب، ننظر إلى بهاء تخلّيه على الصّليب… منه نكتنز سلامًا، وحبًّا، وحياةً أبديّة.
ربّي يسوع…
ساعدنا لنعرفَ أنّ الغنى ليس بما نملك، بل بما لا يَملكنا… ساعدنا لنعيَ أين تكمُن حرّيتُنا.
تلك الحرّيّة الّتي يمنحنا إيّاها حبُّك…
فكلّما خفّ تعلّقُنا بالأرض، اقتربنا منكَ أكثر، وبلغنا معنى الحياة الحقيقيّ.
