لم تكن أحداث عام ١٨٦٠ الدموية مجرد نزاعات «طائفية»، كما يصفها البعض، بل كانت نتيجة تراكم طويل من المخاوف والانهيارات السياسية والاجتماعية التي بدأت قبل ذلك بكثير:
– عام ١٦٩٧، أدى انهيار الإمارة المعنية بوفاة الأمير أحمد معن وانتقال الحكم إلى آل شهاب إلى زعزعة توازن سياسي حساس في جبل لبنان.
– ثم جاء دخول محمد علي باشا من مصر إلى بلاد الشام عام ١٨٣١ ليكشف ضعف السلطنة العثمانية، مما جعل الناس يشعرون بأن الحماية التي كانوا يعتمدون عليها لم تعد مضمونة.
– مع بدء التنظيمات العثمانية عام ١٨٣٩، ثم الخط الهمايوني عام ١٨٥٦ الذي أعلن المساواة بين رعايا الدولة، ظهرت مخاوف لدى بعض الجماعات خشية فقدان امتيازاتها القديمة.
– كما زاد عزل الأمير بشير الشهابي الثاني عام ١٨٤٠ من اضطراب الواقع السياسي، وبرزت صراعات جديدة على النفوذ والسلطة.
– ثم جاءت ثورة الفلاحين في كسروان عام ١٨٥٨ بقيادة طانيوس شاهين لتكشف انهيار النظام الإقطاعي التقليدي، حيث لم تعد المكانة مرتبطة فقط بالعائلة والنسب، بل برز دور أصحاب المال والقوة.
– وبين عامي ١٨٤٢ و١٨٦٠، أدى نظام القائمقاميتين إلى تقسيم جبل لبنان إلى منطقتين، مارونية ودرزية، ما زاد الشعور بالخوف والقلق في ظل ضعف الدولة وتدخل القوى الخارجية.
كانت النتيجة انهيار منظومة كاملة:
– انهيار مجتمع قائم على الإقطاع؛
– انهيار نظام سياسي ضعيف عاجز عن ضبط التوازنات؛
– انهيار سلطة الزعامات التقليدية وصعود قوى جديدة؛
– انهيار مفهوم الدولة والقانون، مع ازدياد تدخل الدول الكبرى في شؤون المنطقة؛
– وانهيار أخلاقي جعل الخوف يتحول إلى عنف واستقواء بالسلاح.
وسط هذا المناخ، انفجر الخوف عام ١٨٦٠ وتحول إلى حرب أهلية، عنوانها أن «الآخر المختلف هو خطر علينا». واستغل أصحاب المصالح هذا الخوف لتعميق الانقسامات، فتحولت الأحداث إلى جرح تاريخي ما زالت آثاره حاضرة حتى اليوم.
واليوم، عند كل أزمة في الشرق الأوسط، يعود الحديث عن الأقليات وعن كيفية حمايتها. لكن لفهم هذه المسألة يجب التمييز بين مفهومي «الأمن» و«الأمان».
الأمن هو أن يعيش الإنسان في حالة دفاع دائم، خائفًا من محيطه، مستندًا إلى قوة تحميه من الآخرين. أما الأمان فهو أن يشعر الإنسان بأنه ينتمي إلى المكان الذي يعيش فيه، وأن اختلافه لا يجعله غريبًا، بل شريكًا في بناء المجتمع.
فالأمن المبني على الخوف قد يمنع الخطر مؤقتًا، لكنه لا يبني حياة مشتركة. أما الأمان فيُبنى بالمحبة والثقة والاحترام والمصالح المشتركة.
ومن المؤسف أن كثيرين في شرقنا يبحثون عن حماية أنفسهم بالأمن بدل أن يعملوا على بناء الأمان. وهذا ينطبق على المسيحيين أيضًا، الذين عاشوا في هذه المنطقة منذ آلاف السنين، وكان لهم دور أساسي في بناء الحضارة والثقافة والتعليم والطب والاقتصاد والفنون. إن حضورهم ليس طارئًا، ولا يحتاج إلى شهادة من أحد، لأنهم جزء أصيل من نسيج هذا الشرق.
لكن السؤال يبقى: ما الذي يمنع أبناء هذه الأرض من بناء أمانهم المشترك بدل العيش في هاجس الخوف؟
أمام هذا الواقع المليء بالخوف والانهيار، جاءت شهادة الإخوة المسابكيين الثلاثة: فرنسيس ورفائيل وعبد المعطي، ومعهم ثمانية رهبان فرنسيسكان، إضافة إلى الأب يوسف حداد، الكاهن الأرثوذكسي في مريمية الشام، الذي بذل حياته فداءً عن رعيته. هؤلاء الشهداء لم يسمحوا للخوف أن يحولهم إلى أدوات عنف، ولم يدفعهم انهيار الأنظمة إلى فقدان الإيمان أو التخلي عن أرضهم.
لقد اختاروا الأمان بدل الخوف، والمحبة بدل الكراهية، والشهادة بدل الانتقام. كان دمهم صرخة في وجه كل القوى: الدولة، والأنظمة، والدول الكبرى، وكل إنسان سمح للخوف أن يقوده إلى العنف.
لقد حصد الخوف والانهيار والغدر أجسادهم كضحايا حاولوا يائسين تجنب العنف، لكن الإيمان قدمهم للسماء شهداء، لأنهم تمسكوا بالحق عندما كان العالم يدعوهم إلى حمل السلاح والاستقواء بالآخرين.
واليوم، ما زالت شفاعة هؤلاء الشهداء تدعونا إلى بناء مجتمع لا يقوم على الخوف من الآخر، بل على الأمان معه. فالأوطان لا تُبنى بالجدران والحواجز، بل بالثقة والمحبة، «لأَنَّ اللهَ لَمْ يُعْطِنَا رُوحَ الْفَشَلِ، بَلْ رُوحَ الْقُوَّةِ وَالْمَحَبَّةِ وَالنُّصْحِ.» (٢ طيم ١: ٧)
نشكر قراءتكم المقال. إن أردتم تلقّي الأخبار اليوميّة من زينيت عبر البريد الإلكترونيّ، يمكنكم الاشتراك مجانًا عبر الضغط على هذا الرابط
