الكاهن والكهنوت في فكر الدويهي

حارس النفوس ورسول الرجاء

Share this Entry

لم يكن البطريرك الطوباوي مار اسطفان الدويهي (1630 – 1704) مجرد رئيس للكنيسة أو مؤرخٍ يدوّن الأحداث، بل كان أباً حقيقياً عاش آلام شعبه، وكتب تاريخهم بدموعه وعرقه قبل حبره. بدأت حكايته من بيوت إهدن البسيطة، وحملته طاعته طفلاً في الحادية عشرة من عمره إلى غربة روما طلباً للعلم، ليعود إلى جبال لبنان ليس كعالمٍ متعالٍ، بل كخادمٍ يغسل أرجل المتعبين ويزرع الأمل في قلوب يائسة.

حين أصبح بطريركاً عام 1670، لم يعرف طعم الراحة أو رفاهية المناصب؛ فقد كانت حبريته رحلة جلجلة مستمرة تحت وطأة الظلم والاضطهاد. تشرّد في المغاور، وتنقّل بين صخور وادي قنوبين الوعرة هرباً من الملاحقة، يتقاسم مع الفلاحين والرعيان خبزهم الكفاف وخوفهم من الغد. ورغم وطأة الملاحقة وضيق الحال، كان يسرق الساعات في عتمة الليالي وعلى ضوء الشموع الضعيفة ليكتب ويؤلف، مدفوعاً بخوفٍ عميق من أن تضيع هوية شعبه وجذوره. عاش زاهداً، متقشفاً، لا يملك من حطام الدنيا شيئاً سوى قلبه الكبير وإيمانه الصلب، ليرحل بسلام تاركاً وراءه إرثاً إنسانياً وروحياً دافئاً وذلك في السنة 1704، طوّبته الكنيسة الكاثوليكية رسمياً في صيف 2024، ليبقى ذكره حياً في وجدان الناس كرمزٍ للصمود البشري والنبل الإنساني النقي. في مقالنا هذا، نُبحر في رحلة نقارن فيها بين كرامة الكهنوت وسموّ الملائكة.

في كتابه “منارة الأقداس”، لم يكن البطريرك إسطفان الدويهي مجرد شارحٍ للطقوس، بل كان يفتح نافذة ليعبر منها الإنسان نحو السماء. لقد جعل من المقارنة بين رتب الكنيسة الأرضية وطغمات الملائكة السماوية نبضاً جوهرياً لكتابه؛ ينطلق الدويهي من قلب اللاهوت الشرقي العريق، ليرى في صلواتنا وخدمتنا اليومية على الأرض صدىً حياً وعميقاً لتلك الترانيم التي تشدو بها السماء، وكأن الخدمة البشرية والخدمة الملائكية تلتقيان في صلاة واحدة لا تنتهي.

فإلى جانب “السرافيم” المستغرقين في وهج الحب الإلهي والتسبيح، و”الكاروبيم” الحاملين لسر العرش والمجد، يلتفت الكتاب بحب نحو طغمة “الملائكة” – تلك الكائنات النورانية الأقرب إلى قلوبنا وعالمنا البشري. وفي هذا القرب، يرى الدويهي خطاً سرياً يربطهم برتبة الكاهن ورسالته، واصفاً هذه العلاقة من خلال ثلاثة أبعاد إنسانية وروحية عميقة:

أولاً، هوية الرسالة – صدى البشارة الحية:

في عمق معناها اللغوي والروحي، لا تعني كلمة “ملاك” سوى “الرسول”. وهنا يلمس الدويهي شبهاً إنسانياً ساحراً؛ فكما يرسل الله ملائكته النورانيين ليحملوا مشيئته ويطمئنوا القلوب الخائفة، يصبح الكاهن على الأرض ذلك “الملاك المرئي” الذي يتلمسه الناس ويعيش بينهم. إنه الإنسان المؤتمن على أثمن ما يملك البشر: الكلمة الشافية، والتعليم الذي يضيء عتمة الحيرة، والأنباء السارة التي تزرع الرجاء في النفوس المتعبة؛ ليغدو بذلك صوتاً للسموات في ممرات حياتنا اليومية.

ثانياً، نبض الخدمة المشتركة – السماء تلامس الأرض:

في كتاب “منارة الأقداس”، يرتفع الستار عن مشهد مهيب؛ فأثناء تقديس الأسرار، لا يعود المذبح مجرد حجارة صامتة، بل يتحول إلى عرش سماوي دافئ تحفّه الملائكة. وفي هذه اللحظة الفريدة، تذوب الحدود ويلتقي الكاهن بالإنسان السماوي في خدمتين نابعين من قلب واحد:

  • حراسة الأسرار بقلبٍ عاشق: فكما تحيط الملائكة بالقربان المقدس بهيبة وخشوع يُشبهان حراسة الأم لوليدها، يقف الكاهن كحارسٍ أمين على هذا السر الأعظم. يحميه بصلاته ووقاره، ليس خوفاً عليه، بل حباً به وغيرةً على أن يظل هذا النبع النوراني نقياً لتعزية البشر.
  • صعود الآهات مع البخور: وفي مشهد يفيض حناناً، تماماً كما يحمل الملائكة مجامر البخور ليرفعوا بها أشواق القديسين إلى عرش العلي، يقف الكاهن وسيطاً يجمع في مبخرته تنهدات رعيته، ودموع أمهاتهم، وأمنيات أطفالهم، وآلام مرضى مجتمعه، ليمزجها بطيب البخور المتصاعد؛ طالباً المراحم الإلهية لكل قلبٍ متعب ينظر نحو السماء.

ثالثاً، جسر النعمة – ومراعاة الضعف البشري:

في فكر الدويهي، لا تأتي الأنوار الإلهية كصاعقة تبهر العيون، بل تتدرج برفق؛ تنساب من الطغمات العليا الشاهقة لتصل إلى طغمة “الملائكة” التي تبسطها وتوزعها على البشر بما تحتمله طاقاتهم المحدودة. وهذا الترفق هو عين ما يفعله الكاهن في رعيته؛ فهو ذاك الذي يتخطى عتبة الأسرار الفائقة والمهيبة، ليعود منها حاملاً بين يديه نِعَماً ملموسة تُشبه الخبز اليومي. يقدمها للمؤمنين عبر غفرانٍ يضمد جراح التائبين، وإرشادٍ يراعي حيرتهم وضعفهم الإنساني، ليؤكد لهم أن الله لا يريد إبهارهم بعظمته، بل احتضانهم في تفاصيل احتياجاتهم اليومية.

في نهاية المطاف، يخبرنا كتاب “منارة الأقداس” أن الكاهن ليس موظفاً دنيوياً يؤدي طقوساً جافة، بل هو إنسان يرتدي ثوب الخدمة ليصير “ملاكاً يمشي على الأرض”. إنه شخص يعيش بيننا، يشعر بتعبنا ويفهم ضعفنا لأنه بشر مثلنا، لكنه يختار بكامل حريته وحبه أن يكرس حياته ليكون عيناً ساهرة وقلباً مستعداً دائماً لإغاثة كل نفس متعبة. إنه يربط حياته برغبة واحدة: أن يزرع السلام والطمأنينة في قلوب الناس، ويذكّرهم – في وسط مشقات الحياة – بأن السماء ليست بعيدة عنهم، بل هي قريبة جداً، تلمسهم من خلال يدي كاهنٍ يحبهم ويخدمهم بلا مقابل.

بالنسبة للبطريرك اسطفان الدويهي، الكهنوت ليس مجرد رتبة، بل هو قصة حبٍّ وتفانٍ، حيث يصبح الكاهن وجهاً للمسيح الراعي الذي يلمس حياة الناس بقلبٍ محب. كان يؤمن بعمق أن جوهر دعوتنا هو تلك العلاقة الصادقة مع الله في صلاتنا وذبيحتنا، والتي تستمد قوتها من تراثنا المشرقي العريق. لذلك، كان دائماً ما يهمس في قلوب الكهنة: كونوا متواضعين، كونوا رسل محبة، واجعلوا من حياتكم وأفعالكم اليومية مدرسة حقيقية تقود الناس نحو الخلاص بصدق وعفوية.

نشكر قراءتكم المقال. إن أردتم تلقّي الأخبار اليوميّة من زينيت عبر البريد الإلكترونيّ، يمكنكم الاشتراك مجانًا عبر الضغط على هذا الرابط

إدعم زينيت

إدعم زينيت. متوفّرة بخمس لغات، يموّلها القرّاء. إشترك تبرّع

Share this Entry

سليمان فرنجيه

Help us mantain ZENIT

إذا نالت هذه المقالة اعجابك، يمكنك أن تساعدنا من خلال تبرع مادي صغير