حين نستحضر سيرة البطريرك إلياس الحويك، فإننا لا نتحدث عن رجل سياسة بالمعنى التقليدي للسلطة والمصالح، بل عن إنسان عظيم تلبّست السياسة روحه فحولها إلى رسالة حب ورحمة. لقد كان الحويك أباً حنوناً قبل أن يكون زعيماً، وقائداً استثنائياً ولده رحم الألم والعطاء. لم يكن البطريرك إلياس الحويك (1843 – 1931) رجل دين عابراً في تاريخ السياسة، بل كان رجل صلاة وقداسة. سأتأمل في ثلاثة محاور من حياة الطوباويّ الجديد:
أولاً – ألم الشعب، شمعة الراعي:
في ذروة الحرب والمجاعة الكبرى، لم يختبئ الحويك خلف أسوار بكركي العالية، بل نزل إلى وجع الناس. كان يرى في كل طفل جائع وكل أم ثكلى قطعة من روحه. لم يسأل عن دين الجائع ولا عن هويته، بل سأل فقط عن وجعه ليبلسمه. حوّل الأديار والمخازن إلى بيوت طعام ودفء، ووقف بشجاعة نادرة في وجه الطغيان والقمع، لا ليحمي منصباً، بل ليحمي أرواحاً بريئة كانت تستغيث. لقد كانت إنسانيته هي سلاحه الأقوى في مواجهة بطش الموت.
ثانيًا – الحلم الكبير، وطن لكل أيتام الأيام:
حين ذهب الحويك إلى باريس عام 1919، لم يكن حاملاً لأجندة سياسية معقدة، بل كان يحمل صرخة شعب يريد أن يعيش بكرامة. كان حلمه بسيطاً وعميقاً في آن: أن يجد كل إنسان على هذه الأرض مساحة أمان وحرية يعبر فيها عن هويته وطموحاته. لم يكن “لبنان الكبير” بالنسبة له مجرد حدود جغرافية أو خرائط على ورق، بل كان واحة سلام وملاذاً لكل خائف ومضطهد، ومحضناً دافئاً يحتضن التنوع بفرح وأخوة.
ثالثاً – السياسة بوصفها حضناً دافئاً:
آمن الحويك بأن العمل العام ليس صراعاً على النفوذ، بل هو أسمى تعبير عن المحبة للبشر. علمنا أن الكرسي الحقيقي هو الذي يخدم الإنسان، وأن القرار السياسي الصائب هو الذي يمسح دمعة ويزرع أملاً. لقد نظر إلى أبناء وطفله بمختلف طوائفهم نظرة الأب الذي لا يفضل ابناً على آخر، فكان صوته صوتاً لكل مظلوم، ويدُه ممدودة بالسلام والعدل.
أختم بالقول إن البطريرك إلياس الحويك ليس مجرد اسم في كتب التاريخ، بل هو نبض إنساني حي في وجدان الأمة اللبنانية. لقد علّمنا أن الأوطان الحقيقية لا تبنى بالحجارة وحدها، بل بالقلوب النابضة بالرحمة، والنفوس الأبيّة التي تجعل من خدمة الإنسان المعيار الوحيد لكل سلطة وكيان.
نشكر قراءتكم المقال. إن أردتم تلقّي الأخبار اليوميّة من زينيت عبر البريد الإلكترونيّ، يمكنكم الاشتراك مجانًا عبر الضغط على هذا الرابط
