ترجمة ألين كنعان إيليّا
ننقل إليكم في ما يلي مقابلة افتراضية مع البابا يوحنا بولس الثاني مستوحاة من الرسالة العامة التي كان قد أصدرها في 16 تشرين الأوّل 2002 بعنوان: “صلاة الورديّة” موجَّهة إلى الأساقفة والإكليروس والعلمانيين.
ما هو سرّ تعلّقكم بصلاة المسبحة الوردية؟
منذ شبابي، كان للمسبحة الوردية مكانتها الهامّة في حياتي الروحية. رافقتني في أوقات الفرح والشدّة، ووجدت فيها دومًا التعزية والقوّة. لقد قلت منذ بداية حبريتي إنّها “صلاتي المفضّلة”، إنها صلاةٌ رائعة ببساطتها وعمقها. فمن خلالها نتأمّل وجه المسيح مع مريم، وندخل إلى قلب الإنجيل. فالورديّة ليست مجرّد صلاة مريمية، بل هي صلاة تتمحور حول المسيح، وتقود المؤمن إلى معرفة أسراره واختبار حبّه. إنّنا ننخرط في “مدرسة” مريم ونتعلّم كيف “نقرأ المسيح”، ونتعمَّق في معرفة أسراره وفهم رسالته.
وكيف تقودنا أسرار المسبحة إلى التأمّل في حياة المسيح؟
إنّ المسبحة الوردية هي “مُلَخَّص الإنجيل.”
إذا تأمَّلنا في أسرار الفرح تمكَّنا من معرفة الأسباب الصحيحة التي تُشعرنا بالفرح العميق. إنها النتائج العملية لسر ِّ التجسُّد، ومن أبرزها فداء البشرية. إنّ مريم تقودنا إلى سرِّ الفرح المسيحي عندما تُذكرّنا بأنّ الدين المسيحي هو قبل كل شيء “إنجيل” أي بُشرى سارّة، أهمُّ ما تحتوي عليه هو شخص المسيح، الكلمة الذي صار إنساناً، وهو المخلّص الوحيد للعالم.
أمّا أسرار النور فتقودنا إلى حياة يسوع العلنية، حيث يعلن ملكوت الله ويكشف أنّه “نور العالم” (يو ٨: ١٢).
باستثناء عرس قانا الجليل، لم تكُن مريم حاضرةً إلاَّ من خلْفِ الستار ولا تقول شيئاً على الإطلاق! فالوحي الذي أنزله الله الآب في وقت المعمودية، والذي إطّلع عليه يوحنا المعمدان، تُرجم على شفتي مريم في قانا الجليل، وأصبح الوصيَّة الكبرى إلى كنيسة الأزمنة كلِّها: “مهما يقل لكم فافعلوه!” (يو ٢: ٥)
ثم تأتي أسرار الحزن التي تقود المؤمن إلى أن يحيا من جديدٍ موت المسيح عندما يركع عند أقدام الصليب، إلى جانب مريم، لكي يُدرك معها عُمق حبِّ الله للإنسان، ويشعر بالقوّة المجددة.
وأخيرًا فإنَّ أسرار المجد تغذِّي لدى المؤمنين رجاءهم في نهايةٍ سعيدةٍ يسيرون إليها خلال التاريخ وهم أعضاء شعب الله. إنّ هذا الرجاء القويّ لا يمكن إلاّ أن يدفعهم إلى أن يشهدوا بشجاعةٍ لهذه “البشرى السارة” التي تُعطي معنىً لوجودهم كلّه.
هناك من يعتبر الوردية مجرّد تكرار للكلمات. كيف تردّون على ذلك؟
إذا فُصلت الوردية عن التأمّل تصبح كلمات تُردَّد بلا روح. أمّا عندما تُصلّى بتأنٍّ، فهي مدرسة للتأمّل في حياة المسيح. إنّ ترداد “السلام الملائكي” عشر مرَّات في كل سرّ لا يكون مضجراً وجافاً إذا اعتبرنا أنّ المسبحة هي تعبيرٌ عن الحب الذي لا يملّ من التوجّه إلى الشخص المحبوب ولو بالأقوال نفسها، ولكن بعاطفةٍ جديدة يُنعشها دوماً هذا الحب.
إنّ نقطة الارتكاز في صلاة السلام الملائكي – وهو أيضاً همزة الوصل بين جزئيه الأوّل والثاني – هو اسم يسوع. ففي بعض الأحيان نُهمل نقطة الارتكاز هذه عندما تكون تلاوة السلام الملائكي سريعة، ويختفي معها أيضاً الاتحاد بالمسيح الذي كان المصلّون يتأمَّلون فيه.
فإذا كان ترداد “السلام الملائكي” يوجَّه مباشرةً إلى مريم، ففي الواقع، من خلال مريم ومعها، يصبّ الحبّ في يسوع. يتغذّى الترداد بالرغبة في التشبّه أكثر بالمسيح. هذا هو برنامج الحياة المسيحية الذي عبَّر عنه بولس بعبارات مضطرمة عندما قال: “الحياة لي هي المسيح والموت ربح لي” (في ١: ٢١)
وما أهمية الكتاب المقدس والصمت في صلاة الوردية؟
سيكون مفيدًا أن يسبق كلّ سرّ مشهد من الإنجيل، لأنّ كلام الله يمنح التأمل عمقًا وحياة. فالهدف ليس مجرّد تذكّر الأحداث، بل الإصغاء إلى الله الذي يكلّمنا اليوم من خلالها. وبعد الإصغاء تأتي لحظة الصمت، لأنّ التأمّل يحتاج إلى هدوء يثبت فيه القلب نظره على المسيح.
لماذا تحتلّ الصلاة الربيّة مكانًا أساسيًا في الوردية؟
بعد أن أصغينا إلى كلام الله وركزّنا تفكيرنا على مضمون السرّ، فإنه من الطبيعي أن يرتفع فكرُنا نحو الآب. وهذا ما يدفعنا إلى أن نتلو “الصلاة الربية”. ففي كلّ سرٍ من هذه الأسرار يقودنا يسوع دوماً إلى الآب. إنه يريد أن يدخلنا في علاقته البنويّة مع الآب، فنصلّي معه: “أبّا، أيها الآب” (رو ٨: ١٥). إنّها تذكّرنا بأنّنا أبناء لله وإخوة بعضنا لبعض.
وماذا عن تمجيد الثالوث في ختام كل سرّ؟
تكمن قمّة التأمّل المسيحي في تلاوة “المجد للآب والابن والروح القدس”. فالمسيح يقودنا دائمًا إلى الثالوث الأقدس، مصدر الحياة والحبّ. ولذلك فإنه من المهمِّ جداً أن نتلوها بوضوح بعد الانتهاء من الأبيات المريمية العشرة.
في عالمنا اليوم، ما الذي يمكن أن تقدّمه صلاة الوردية للعائلات؟
إنّ الوردية قد جُعلت وفق التقليد القديم لأن تكون صلاةً تجمع بتلاوتها الأسرة كلَّها. فالأسرة التي تصلّي معًا تبقى متّحدة إذ يصبح يسوع حاضرًا في وسطها كما كان حاضرًا في بيت الناصرة. هناك تتشارك العائلة أفراحها وآلامها، وتضع حاجاتها بين يدي الرب، فتجد الرجاء والقوة لمتابعة الطريق.
نشكر قراءتكم المقال. إن أردتم تلقّي الأخبار اليوميّة من زينيت عبر البريد الإلكترونيّ، يمكنكم الاشتراك مجانًا عبر الضغط على هذا الرابط
