بين القدّيسة “تريزا بنديكتا للصّليب”، و”أبونا يعقوب الكبّوشيّ”…
“الصّليب… حبّ، وقيامة، وحياة…”
لم يكنْ أداةَ تعذيبٍ، أو ألم…
لم يكنْ نهايةَ جُلجلةٍ دامية باتت لوحةَ صليبٍ ومصلوب نتأمّلها من بعيد…
إنّه الدّخول في أعماقِ بذلِ الذّات…
إنّه الحبّ… الصّليب شفاءٌ، وانتصار… والألم قيامة، وفرح، وحياة…
جمَعهما سرُّ الصّليب…
بين “أبونا يعقوب الكبّوشيّ” والقدّيسة “تريزا بنديكتا للصّليب” سرٌّ واحد:
الصّليب لا يُتأمَّل من بعيد، بل يُعاش في عمق الحبّ، وبذل الذّات.
لم ترَ “تريزا بنديكتا للصّليب” في الصّليب مجرّد ألم، أو معاناة، بل رأت فيه طريقًا إلى الاتّحاد بيسوع.
لذلك تقول: “«علم الصّليب» ليس نظريّة فكريّة، بل حقيقة حيّة، وفاعلة تتجذّر في النّفس، وتُكوّن الإنسان في أفعاله، وقراراته. فمعرفة الصّليب الحقيقيّة لا تُكتسب بالفكر وحدَه، إنّما بدخول الإنسان في اختبار الصّليب، وقبوله في حياته”.
رأتِ القدّيسة أنّ المسيحَ المصلوب يطلب من الإنسان أكثر من أن ينظرَ إلى صورته؛ إنّه يدعوه إلى اتّباعه، وإلى السّماحِ لنفسه بأن تتشكّل على صورته في حملِ الصّليب.
عاشت سرّ الصّليب في أعماقِ روحها… دخلت إلى الصّليب من خلال عمقِ الاتّحاد بالمسيح… اتّحدت بالصّليب حبًّا، وفداءً…
ذاك الحبّ لم يعنِ محبّة الألم بِحدّ ذاته، إنّما اِتّحادٌ بيسوع المسيح، وبطريقه الخلاصيّ…
بالنّسبة إلى “تريزا بنديكتا للصّليب”، الصّليب حقيقة حيّة تتجذّر في النّفس…
أمّا أبونا يعقوب فقد جعل هذه الحقيقة حاضرة في حياته اليوميّة: يخدم، ويتعب، ويُعطي، ويتحمّل، ويحبّ، حتى أصبحَ بذلُ الذّات بالنّسبةِ إليه صلاةً، وصليبَ رجاء…
لم يكتفِ أبونا يعقوب بالتّأمّل في المسيح المصلوب، بل جعل حياته اليوميّة مشاركة في صليب يسوع: بذلًا، وخدمةً، ورحمةً، وتعبًا من أجل الفقراء والمتألّمين. كان يحمل أوجاع الآخرين، وكأنّها أوجاعه، ويحوّل محبّته للمصلوب إلى محبّة عمليّة للإنسان. خدم الفقراء، والمرضى، وبذل نفسه في سبيلهم.
ناجى يسوع المسيح المصلوب قائلًا: “ليتني يا يسوع، أضع قلبي كوعاءٍ يقبل قطرات الدّم المتساقط منك على الأرض.”
كانت جراحاته بلسمًا، طيّب به جراحَ القريب، وخفّف من عذابات المصلوب… طريق جلجلته كانت خطواته نحو السّماء…
كلاهما دخلا في اختبار الصّليب، وعاشاه…
مع “تريزا بنديكتا للصّليب” صار الصّليب عِلمًا للحبّ، ومع أبونا يعقوب الكبوشيّ صار الصّليب حياةً في خدمة الحبّ؛ معهما أصبح بذل الذّات طريقًا إلى الاتّحاد بالمسيح المصلوب، والقائم.
بين ما صلّته “القدّيسة تريزا بنديكتا للصّليب”:
“إذا الصّليب يومًا ألقى بِظلّه عليك…عانقْه يكنْ لك الطّريق، والحقّ، والحياة.
إن تحملِ الصّليبَ يحمِلْك، ويكنْ لك منتهى الغبطة…”
وما صلّاه أبونا يعقوب الكبّوشيّ مَنْ عانقَ حبيبَ القلب صليبَ الرّبّ:
“كما أنّ آلامَ المسيح أثمرتِ الخلاصَ للعالم، هكذا كلّ عذابٍ، أو ألمٍ لدى الإنسان، يمكن أن يقودَ إلى الحياة.
في الصّليب نرى عظمةَ محبّة يسوع. في الصّليب نرى قدرةَ يسوع. في الصّليب نرى سلام يسوع”…
باتَ حملُ الصّليبِ اتحادًا بالإله المصلوب نفسِه.
