ترجمته من اللّغة الإيطاليّة إلى العربيّة ألين كنعان إيليّا
لعلّ من أكثر التعريفات جمالاً وإيحاءً للحبّ ما كتبه الفيلسوف واللاهوتي الروسي بافل فلورنسكي: “أن تحبّ يعني أن تجعل الآخر محور كيانك”. يتجلّى ذلك في تجربة الوقوع في الحبّ، إذ عندما نقع في الحبّ، ننجذب تلقائيًا إلى شخص آخر، وسرعان ما يستحوذ على تفكيرنا ويأسر قلبنا. نصغي إليه بعفويّة، حتى إنّ حدقتَي العينين تتّسعان عندما نكون مُغرَمين، وكأنّهما تستعدّان لتلقّي المزيد من المحبوب الذي هو عطيّة في حياتنا.
ويتابع كريستوس ياناراس، الذي أشرنا إليه في المقالة السّابقة، نصّه المفعَم بهذه الحقيقة، قائلاً: “إنّ الوقوع في الحبّ هو الاستباق الوحيد لملكوت الله، والتجاوز الحقيقي الوحيد للموت. والسبب؟ عندما تخرج من ذاتك، لتلتقي بعيني غجريّة، تعرف ما تطلب من الله، ولِمَ تلاحقها”.
ومن الناحية الشعريّة، بغضّ النظر عن المبالغة في بدايتها، يطرح ياناراس فكرة جديرة بالتأمّل: فالوقوع في الحبّ يتيح لنا أن نستبق شيئًا من كيان الله ومن شغفه. ولنذكر أنّ الكاتب يشرح هنا نشيد الأناشيد، ذلك النصّ الذي لا يرد فيه اسم الله بشكل واضح، لكنّه يتحدّث عن الحبّ بوصفه “لهيب ياه”، أي لهيبًا إلهيًّا، مع ورود الاسم الإلهي بصيغة مختصرة.
إنّ الوقوع في الحبّ هو بداية الخروج، وتمهيد، وربّما يعِد بخروج إنسانيّ وروحيّ.
ومع ذلك، لا بدّ من الإقرار بأنّه غالبًا ما ينطفئ لهيب الزخم الأوّل قبل أن يبلغ البُعد الذي يمهّد له، ألا وهو الحبّ الحقيقي الذي يعترف بالآخر في فرادته واختلافه. فكثيرًا ما لا تُستثمر هذه القفزة الأولى للانطلاق ولا تتحوّل إلى لقاء حقيقي بالآخر.
لذلك، وبعد الإشادة بتجربة الوقوع في الحبّ، سنتناول في المرّة المقبلة بعض الجوانب المظلمة فيها.
لقراءة المقالة السّابقة، يُرجى النّقر على الرابط الآتي:
