ينطلق هذا التأمّل من اللقاء الذي جمع البابا لاوون الرابع عشر برؤساء الكنائس الشرقية ورؤساء المجالس الأسقفية في الفاتيكان، من 7 إلى 14 تشرين الأول/أكتوبر 2026، في الذكرى العاشرة لصدور الإرشاد الرسولي «فرح الحب» (Amoris Laetitia) للبابا فرنسيس، للنظر في رسالة الكنيسة مع العائلات وسط التحوّلات الراهنة. ١
ومن هذه التحوّلات دخول الذكاء الاصطناعي (Artificial Intelligence — AI) إلى الحياة العاطفية، سواء عبر برامج تحاكي الإصغاء والتعاطف، أو تطبيقات تقترح شريكًا وتقدّر مدى التوافق معه. وهكذا باتت الخوارزميات تؤثّر في ما ننتظره من العلاقة، وقد يستند إليها بعض الشباب في اتخاذ قرار الزواج.
وهنا يبرز السؤال: كيف نميّز بين ما تقدّمه هذه الأدوات من مساعدة، وما لا تستطيع أن تحمله عنّا من معرفة الآخر ومسؤولية اختياره؟ يتناول المقال الحميمية الاصطناعية ومخاطر الاكتفاء بها، ثم يبحث أثر الثقة بالتوافق الخوارزمي في قرار الزواج، ودور المرافقة الرعوية في مساعدة المقبلين عليه على بناء قرار حرّ وواعٍ، ينضج بالحوار والخبرة والتمييز الإيماني.
أولا : الحميمية الاصطناعية وآلياتها
يتناول روب بروكس في كتابه «الحميمية الاصطناعية» (Artificial Intimacy) قدرة التقنيات الرقمية على استثارة مشاعر القرب والتعلّق. وينمو التقارب بين البشر، في جانب منه، عبر الإفصاح المتدرّج عن الذات (Self-disclosure): يقول الإنسان شيئًا عن نفسه، ويجد اهتمامًا، فيطمئنّ ويكشف المزيد. وتستطيع برامج المحادثة (Chatbots) أن تحاكي بعض مظاهر هذا المسار؛ تسأل، وتتذكّر، وتتابع الحديث، وتتيح للمستخدم أن يبوح بما يشغله.²
وليست قابلية الإنسان للتأثّر بمثل هذا الحوار جديدة تمامًا. فمنذ ظهور برنامج ELIZA في ستينيات القرن الماضي، برزت أسئلة عن استعداد الإنسان لأن ينسب الفهم والاهتمام إلى برنامج يحاكي المحادثة.³ ومع تطوّر تعلّم الآلة (Machine Learning) ومعالجة اللغة الطبيعية (Natural Language Processing — NLP)، أصبحت هذه الأدوات أكثر قدرة على متابعة سياق الحديث وصياغة استجابات تبدو شخصية.
وقد تساعد بعض الاستخدامات الإنسان على التعبير عن مشاعره أو ترتيب أفكاره بهدف اتخاد قرارت، قرار اتخاذ شريك على سبيل المثال لا الحصر. غير أن ما يشعر به المستخدم، مهما كان صادقًا وعميقًا، لا يقابله شخص يشاركه خبرة الحبّ ويتحمّل مسؤوليّتها ، شخص يلتقيه وجها لوجه، بدون أي أفكار مسبقة أو توقعات خيالية. ويمكن، إذًا، محاكاة علامات القرب من دون أن تتوافر العلاقة الإنسانية المتبادلة التي تدلّ عليها تلك العلامات.
ثانيا : الخطر الإنساني والروحي
لا يتوقّف أثر هذه البرامج على امتلاكها وعيًا أو مشاعر؛ فقدرتها على جذب الإنسان وإبقائه في الحوار كافية لتؤثّر في وقته وانتباهه وتعلّقه.
وتظهر الخطورة حين تصبح الاستجابة المريحة بديلًا من العلاقة التي تحتاج إلى صبر. فالآخر الحقيقي لا يقول دائمًا ما نحبّ سماعه. قد يختلف معنا، أو يسيء فهمنا، أو يحتاج هو أيضًا إلى مَن يصغي إليه. وفي هذه الخبرة نتعلّم أن نخرج من أنفسنا، وأن نطلب الغفران ونمنحه.
أمّا الرفيق الافتراضي (Virtual Companion) فقد يبدو أسهل معاشرة: حاضرًا عند الطلب، قليل المطالب، وقادرًا على تكييف كلامه مع رغباتنا. والاعتياد على هذا النمط قد يجعل اختلاف الآخر عبئًا، بدل أن يكون جزءًا من معرفته ومحبّته.
وفي رسالته لليوم العالمي الستين لوسائل التواصل الاجتماعي، يحذّر البابا لاوون الرابع عشر من قدرة محاكاة المشاعر على اقتحام حميمية الإنسان، ومن أن استبدال الآخرين بأنظمة تعكس أفكارنا ورغباتنا يحرمنا من لقاء أشخاص يختلفون عنّا. ويربط صون الوجه والصوت بصون الشخص وفرادته. ٤
ومن منظور الإيمان المسيحي، للحضور معنى يتجاوز تبادل الكلام. ففي سرّ التجسّد نؤمن بأن الله اقترب من الإنسان وعاش بيننا. وللوجه والصوت والجسد، وللوقت الذي نبذله في مرافقة الآخر، مكان في خبرتنا بالحبّ.
قد تصل الشاشة بين أشخاص تفصلهم المسافات، وقد تخفّف شيئًا من الوحدة. لكن حين تصبح المحاكاة بديلًا من العلاقات، نخسر فرصًا للقاء والمصالحة والعطاء. وربما كان القلب، في بحثه عن كلمات تفهمه بلا عناء، يطلب في العمق وجهًا يعرف ضعفه، ويحترمه، ويختار أن يبقى قريبًا منه.
ثالثا : الخوارزميات واتخاذ قرار الزواج
ولا يقتصر أثر الخوارزميات على تقديم رفيق افتراضي؛ بل يمتدّ إلى التعارف بين الأشخاص، وإلى تشكيل توقّعاتهم من الشريك.
قد يتعارف شاب وفتاة عبر تطبيق يستخدم المطابقة الخوارزمية (Algorithmic Matchmaking)، فيقترح توافقًا بينهما بناءً على اهتماماتهما وإجاباتهما. ويمكن لهذه المعطيات أن تفتح بابًا للحوار، أو تلفت النظر إلى نقاط اتفاق واختلاف. لكن ماذا لو تعاملا مع نتيجة التوافق (Compatibility) بوصفها ضمانًا لنجاح الزواج؟ وماذا لو دفعهما الاطمئنان إليها إلى تجاوز أسئلة لم يناقشاها بصدق؟
هنا تبرز مسؤولية رعوية التحضير للزواج (Marriage Preparation). فمعرفة الآخر تنضج عبر اللقاء والمواقف اليومية، وعند التعب والخلاف، وحين تظهر مسؤوليات لم تكن واضحة في البدايات. ولا تستطيع نسبة توافق أن تختصر هذه المعرفة أو تضمن مستقبل العلاقة.
ويحتاج اتخاذ قرار الزواج (Marriage Decision-Making) إلى أكثر من الشعور بالانسجام. فهو يتطلّب فهمًا لمعنى الالتزام، ومعرفة بظروف الطرف الآخر، وحوارًا حول الإيمان والأبناء والعمل والمال والعلاقة بالعائلتين. كما يحتاج إلى قدرة على طرح الأسئلة الصعبة، والتعبير عن المخاوف، ومراجعة القرار بحرّية، من دون ضغط عاطفي أو عائلي أو انقياد لنتيجة يمنحها تطبيق.
كذلك ينبغي التمييز بين التوافق النفسي، واستقرار الحياة الزوجية، وصحّة الزواج. فهذه جوانب مختلفة، ولا يكفي الانسجام بين شخصين للحكم عليها جميعًا. لذلك يحتاج أي ادّعاء بأن المطابقة الرقمية تحدّ من دعاوى بطلان الزواج إلى دليل، ولا يجوز تقديمه وعدًا للمقبلين عليه.
يبقى الزواج عهدًا حرًّا ومسيرة نضج مشترك. ويمكن الاستعانة بالأدوات الرقمية ضمن مسار التمييز (Discernment)، على أن يبقى القرار ومسؤوليّته لدى الشخصين، مع ما يحتاجان إليه من مرافقة إنسانية وإيمانية.
ومن المفيد أن تسأل برامج التحضير للزواج عن أثر الحياة الرقمية في توقّعات الخطيبين: هل ينتظر أحدهما من الآخر استجابة فورية ودائمة؟ هل يستطيع الإصغاء حين لا يسمع ما يريده؟ كيف يتعاملان مع الخلاف؟ وهل يعرف كلّ منهما الآخر من خلال حياة مشتركة في مواقف واقعية، أم من خلال صورة منتقاة على الشاشة؟
تساعد هذه الأسئلة المقبلين على الزواج على الانتقال من الاطمئنان إلى التشابه نحو الاستعداد للالتزام بشخص له حريّته وحدوده. فالمرافقة الرعوية تساعدهما على التمييز واتخاذ قرار يستطيعان تحمّل مسؤوليّته أمام الله وأحدهما أمام الآخر.
رابعا : نحو استجابة رعوية متكاملة
يبدأ العمل الرعوي بالإصغاء إلى خبرة الناس. فمَن تعلّق برفيق افتراضي قد يكون وحيدًا، أو مجروحًا، أو خائفًا من الرفض. وهو يحتاج إلى مَن يفهم ما وجده في تلك المحادثات، وما افتقده في علاقاته.
وفي خطابه إلى المشاركين في مؤتمر «الذكاء الاصطناعي والعناية ببيتنا المشترك»، في 5 كانون الأول/ديسمبر 2025، نبّه البابا لاوون الرابع عشر إلى أن هذه التحوّلات تمسّ التفكير النقدي والتمييز والتعلّم والعلاقات بين الأشخاص. وشدّد على مساعدة الشباب على استخدام هذه الأدوات بذكائهم هم، بما يوسّع قدرتهم على الاختيار ويفتحهم على الحياة الروحية والأخوّة. ٥
ومن هنا تبرز الحاجة إلى تنشئة الكهنة والعاملين في رعوية الشباب والعائلة، ليفهموا هذه الاستخدامات ويتمكّنوا من مناقشتها بحكمة. وتشمل هذه التنشئة وعيًا رقميًا (Digital Literacy) يساعدهم على فهم حدود الأدوات، والانتباه إلى الخصوصية، وإلى ما يشاركه المستخدم من تفاصيل حياته، ومدى تأثير التطبيقات في وقته وقراراته وعلاقاته.
وفي التحضير للزواج خصوصًا، ينبغي أن تتّسع المرافقة الرعوية (Pastoral Accompaniment) لمناقشة وسائل التعارف الرقمي، وحدود الاعتماد على مؤشرات التوافق، وأثر التعلّق بالمحادثات الافتراضية في العلاقة بين الخطيبين. فالهدف أن يتمكّنا من فهم ما يؤثّر في اختيارهما، وأن يتّخذا قرارهما بوعي وحرّية.
لكن التنشئة وحدها لا تكفي. فالحديث عن قيمة الحضور يحتاج إلى جماعات يجد فيها الإنسان مَن يستقبله ويسمعه: وقت للزيارة، ومكان للشباب، ومرافقة للعائلات، واهتمام بمَن يعيشون وحدهم. وحين تتوافر هذه الخبرة، يصبح الكلام عن العلاقات الإنسانية أكثر صدقًا وإقناعًا.
لا تهدف الرعوية إلى إعادة الإنسان إلى ما قبل العصر الرقمي، بل إلى مساعدته على استخدام أدواته بحرّية ومسؤوليّة. والتقنية نافعة بقدر ما تعينه على التفكير والتواصل واللقاء، وتحتاج إلى مراجعة حين تستحوذ على المساحة التي يحتاج إليها ليحبّ ويُحَبّ.
قد تعرف الخوارزمية كيف تقول الكلمة التي انتظرنا سماعها، وقد تقترح اسم الشخص الذي يبدو مناسبًا لنا. أمّا معرفة هذا الشخص، واختياره شريكًا للحياة، والوفاء بالعهد معه، فتبقى مسؤوليّة إنسانية لا يحملها عنّا برنامج.
المراجع
١. اللقاء مع البابا لاوون الرابع عشر ورؤساء الكنائس الشرقية ورؤساء المجالس الأسقفية، «عشر سنوات على فرح الحب: إعلان الإنجيل مع العائلات اليوم»، الفاتيكان، 7–14 تشرين الأول/أكتوبر 2026. الموقع الرسمي للقاء.
٢. Brooks, Rob. Artificial Intimacy: Virtual Friends, Digital Lovers and Algorithmic Matchmakers. Columbia University Press, 2021.
٣. Weizenbaum, Joseph. “ELIZA—A Computer Program for the Study of Natural Language Communication Between Man and Machine.” Communications of the ACM 9, no. 1 (1966): 36–45. المقالة.
٤. البابا لاوون الرابع عشر، رسالة اليوم العالمي الستين لوسائل التواصل الاجتماعي، 24 كانون الثاني/يناير 2026، Preserving Human Voices and Faces. النص الرسمي.
٥. البابا لاوون الرابع عشر، خطاب إلى المشاركين في مؤتمر «الذكاء الاصطناعي والعناية ببيتنا المشترك»، 5 كانون الأول/ديسمبر 2025، Artificial Intelligence and Care for Our Common Home. النص الرسمي.
