حينَ تغدو التّربيةُ طريقًا إلى الله، يُصبحُ عيشُ القيم مدرسةَ قداسةٍ، ينمو فيها الصّغارُ بالنّعمة، والقامة، والحكمة… فيصبحون “الكبار” بُناةَ وطنِ الحبّ، والرّجاء…
تَكمُنُ التّربيةُ على عيشِ القداسة، في مرافقة المتعلّم نحوَ اكتشافِ حضورِ الله، في قلب العالم؛ نعلّمُه كيف يحوّلُ أفكارَه إلى نور، وكلماتِه إلى سلام، وأعمالَه إلى محبّة، وحياتَه اليوميّة إلى صلاةٍ صامتة ترتفعُ من أعماقِ القلبِ، نحو السّماء.
التّربيةُ دعوةٌ إلى أن نربّي نفوسَ متعلّمينا على فكرِ المسيح، وأن نعتنيَ بقلوبِهم، فتغدو على مثال قلبِه الوديع، والمتواضع… يتعلّمون رؤيةَ وجهِ الآخر، وجه أخٍ يشتاقُ إلى ابتسامة… فيتحوّلُ لقاء المحتاج، إلى فرصةٍ للقاء الرّبّ.
القداسة ليست امتيازًا محصورًا بالقدّيسين، ولا دعوةً نحياها في زمنٍ آخر…
القداسة صوتُ الله الّذي نُصغي إليه، فنعيش نداءَه، في المكان الّذي نحيا فيه…
وهذا ما عاشه أبونا يعقوب…
اكتشفَ أنّ الفقيرَ ليس موضوعًا للإحسان فقط، بل هو الأخ الّذي يحمل في ضعفه، كرامةَ المسيح.
عاش روحَ الخدمة، والتّواضع، والتّجرّد، والاتّكال على العنايةِ الإلهيّة، فأدركَ أنّ التّربيةَ المسيحيّةَ الأصيلة لا تكتفي بصقلِ المعرفة، بل تسعى إلى تنقيةِ الذّات، وتهذيبِ الإرادة، وإيقاظ الضّمير، وتحريرِ القلب من الأنانيّة، لكي يتّسعَ لله، وللإنسانِ معًا.
مع أبونا يعقوب تغدو التّربيةُ على القداسة، رسالةً عميقة…
إنّها التّربيةُ الّتي تمحو الخوفَ من الخطأ، وتدعو إلى محبّة الخير، وتمنع ممارسة الفضيلة طلبًا لمديح الآخرين…
إنّها التّربيةُ الّتي لا تدعو إلى حفظ الوصايا استظهارًا جامدًا، بل تسعى إلى عيشِها، واكتشافِ جمالها…
نحيا القداسة عندما نُربّي متعلّمينا على اكتساب مخزونِ محبّةِ الله، فتَتوق قلوبُهم إلى التّشبّه بصورتِه البهيّة الّتي خلقهم على مثالِها.
المربّي المسيحيّ يحيا فرحَ القداسة في أعماله اليوميّة… يربّي قدّيسينَ في أمثولةٍ يُحضّرها، ويفسّرها، وتقييم يَمتحنُ به متعلّميه… هو المعلّم الّذي يهيّئُ أرضَ قلوبِهم لتستقبلَ كلمةَ الله، وينتظرُ بِصبرٍ أن ينموَ الزّرعُ في أوانِه.
” التّعليم النّاجح هو الّذي يُنمّي في قلبِ المتعلّم علاقةً شخصيّةً مع المسيح، تُترجَم في الصّلاة، وعيش الأسرار، ومحبّة القريب… التّربيةُ فعل محبّة، ورجاء، إنّها دعوةٌ إلى أن نحفظَ كرامةَ الإنسان، ونبنيَ الجسور بدل الجدران… ” (البابا لاون الرّابع عشر)
التّربية لقاءُ رحمة، وقداسة…
مسيرةُ حبّ نعيشها، فنقوّي الضّعيف، ونحتَضِنُ المُتعثّر، ونسمَع صوتَ المختلِف، ونواجهُ الخطأ بالحكمة، ونمنَحُ الإنسانَ فرصةً جديدة للنّهوض…
هناك، تصبحُ أمثولتُنا مِساحةَ رحمة، وتدريبَ فضيلة، وثقافةَ سلام، وقدوةَ التزام، وإنجيلَ فرحٍ…
