Avatar

1

Articles par أنطوانيت نمّور

روحانية التجسد

على الرغم من أن الله خلق كل شيء للإنسان إلاّ أنه جعل من هذا الأخير كما ” الكاهن” لهذه الخليقة: مؤتمن عليها لكي يقدّسها محبةً بخالقه. و كما أن المسيح هو جسرنا صوب الآب، نستطيع باجسادنا أن نكون جسراً بين عالم المادة و عالم الروح . وبهذا ، لكن بعيداً عن المفهوم الهندوسي في” وحدة الوجود”، نستطيع أن ” نؤنسن” الخليقة… فالسلام مع الخالق ينعكس على كل خليقته كما كان يؤكد البابا القديس يوحنا بولس الثاني…. و لعله من هذا الباب كتب فرنسيس نشيد سلامه مع الخليقة، ولم يتوانى ان يطلب العفو لقيود “الاخ الحمار” ، و يتحادث مع “أخيه الصرصور” :
” فأثناء صيف ما ، حين كان مقيماً في البورسيونكولا في آخر غرفة قرب سياج الحديقة وراء البيت ، خرج فرنسيس ذات يوم من قلايته فرأى على متناول اليد صرصوراً على غصن تينة نبتت هناك، فأمسك به وخاطبه: ”يا أخي الصرصور، تعالَ إليّ“ … للحال أتى الصرصور واستقر على أصابعه. وبدأ القديس يداعبه بأصبع اليد الأخرى قائلاً: ”غنِّ يا أخي الصرصور“. وللحال أطاعه الصرصور وبدأ أزيزه. سُرَّ فرنسيس جداً وأخذ يسبح الله. وظل لفترة طويلة ماسكاً الصرصور على يده ثم أعاده إلى الغصن حيث سبق وأخذه. ظلت الحال هكذا مدة ثمانية أيام، فكان كلما خرج من قلايته يجده في المكان عينه فيأخذه كل يوم بين يديه وكلما طلب منه أي يغني، بدأ الصرصور بالأزيز. بعد مرور ثمانية أيام، التفت فرنسيس إلى رفاقه وقال: ”لنترك الآن أخانا الصرصور يذهب حيثما يشاء. لقد أعطانا من التعزية ما فيه الكفاية…. عندئذ صرفه فابتعد الصرصور ولم يعد يرجع إلى مكانه. وظل الإخوة متعجبين كيف أنّ الصرصور أطاعه هكذا وبادله هذا المقدار من الحب.”
و يتعالى نشيد فرنسيس القديس: 
” نحن نمجّدك يا الله لكل مخلوقاتك، خاصة لأختنا الشمس، فمن خلالها منحتنا النور في النهار: إنها جميلة وتشع نوراً عظيماً يشابه نورك يا قدير…
نمجّدك يا الله لأخينا القمر وأخوتنا النجوم، فجعلتهم في السماء متلألئين ساطعين 
نمجّدك يا الله لأختنا الريح وأخينا الهواء، بجميع حالاتها، العاصفة منها أو الهادئة، والتي تعتبر دليلاً ساطعاً عن ما صنعته يديك…
نمجدك يا الله على أختنا المياه، المفيدة القيّمة والنقية
نمجّدك يا الله على أختنا النار، فمن خلالها أضأت الليل فهي جميلة لعوبة وقوية…” 

بين جميع القديسين ومهرجان الشياطين. مقاربة تاريخية تأملية

من المعروف أن شعوب السلتيك كانت تحتفل بالسنة الجديدة في 1 نوفمبر، و كان الإعتقاد سائد أن أرواح الموتى، خيّرة كانت أو شريرة، تجول الأرض في الليلة التي تسبق العيد. و بهدف “الحماية” من تلك الأرواح، أخذت تلك الشعوب تقوم بطقوس تنطوي على إضرام النيران و إرتداء الأقنعة التي كانت تُعتبر “مقدسة” وكل ذلك بهدف إبعاد الأرواح…. وعلى مر الزمن عادت وأضافت الوثنية على هذا التاريخ لمسة أخرى تحت عنوان “مهرجان المرح ” الذي أصبح فيما بعد “هالوين” كما نعرفه… 

ما هو درب قداستك أنت؟

بعد المناولة اليومية، وبعد الإتحاد العميق بين النفس و خالقها كانت تقوم الأم تريزا بتلاوة “صلاة السلام” التي كتبها فرنسيس الأسيزي.
بين الأم الطوباوية و القديس الساروفيمي علاقة محبة وطيدة تتخطى مئات السنين التي تفصل بينهما بحسب زمن الأرض ، ففي ساعة الحب تتوحد الأزمنة و تمحى المسافات…
وفي مدرسة “السيدة فاقة” أي الفقر بحسب فرنسيس، الإثنان يمتهنان النهج ذاته. فتجرّد ابن الله العلي، و ملء عطائه في التجسد و الصليب و الإفخارستيا… إستوقف القلبين:
تشرّبا الروح السماوي الذي “يعرف كلّ شيء حتى أعماق الله” ففهما:
أن الذات الإلهية هي ذات معطاء. و إن كلّ أقنوم من الثالوث الأقدس، لا ينطوي على ذاته بأنانية. إنما الأمر كحركة دائمة فيها “يفرّغ” الآب ذاته في الإبن و الإبن يعيد هذه الذات للآب في دينامية محبة لا تتوقف في الروح القدس، روح كليهما….
الأقانيم الثلاثة لا تحتكر “الملء الإلهي” و بهذا ” الفقر” تخلق الحياة …
نعم ، بين كالكوتا و أسيزي، فهم “الفقيران” أن لا حياة من دون ذاك العطاء الذي يشبه بذل الذات الإلهية حيث تنتفي الأنانية ويسود الحب الأسمى.

مشكلة نرسيس…

لا تكمن مشكلة نرسيس بأنه أحب نفسه بل بأنه لم يحب غيرها… حتى أصبحت صورته معبودته… 
يقال أنّ لفظة “نرسيس ” اليونانية (نركيسوس) كانت تتضمّن “ناركي” أي “النوم”: ثمّة نوم ما في عينيّ كل هوية و ليس الخطر بأن ترى نفسها بقدر ما يكمن بأن لا ترى غير نفسها. حين أراد نرسيس أن يقبل وجهه في الماء، غرق في نفسه: فمات!!!
من يكره نفسه، لن يجدها؛ و لكن من لا يحب إلاّ نفسه يميتها… علّ ” نرسيس” المحتجب في كل منا يكف عن محاولات القبض على نفسه في صفحة الماء الذي لا هوية له، ويبحث عن خالقه: هناك يجد الصورة و الهوية… لا يفقد الحب و يقبض على السعادة!!!

رمز الصليب

ليس خفيّاً أن الصليب يشكل رمزاً على جانب كبير من الأهمية في تاريخ هندسة الكنائس . فما أن حصل المسيحيون الاوائل على حرية بناء كنائسهم في عهد قسطنطين الكبير، حتى بدأت تلك، تتخذ شكل صليب. ولم يكن هذا فقط من باب الزخرفة إنما جُعل نسيجاً من البناء بذاته رمزا للإيمان بالمسيح المصلوب. وبذلك أصبح الصليب يشكل عنصراً بنيوياً للكنائس منذ فجر تاريخ العمارة المسيحية و حتى اليوم… 
يتحدث القديس أغسطينوس عن المعنى الطوبولوجي- الروحي لشكل الصليب الذي ينغرس في حياة المؤمن كرمز لعمق نعمة الرب، و يصف تقسيمات الصليب بالجوانب المتميّزة من أعمال المحبة : و فيها الخطوط الأفقية ترمز الى أعمال المحبة الصالحة . والجزء الرأسي العلوي من الصليب يعطي الأمل و الرجاء بمكافأة الرب. أما الجزء السفلي من الصليب فيعكس الصبر والمثابرة.
هكذا تبدو الدعوة الصامتة لحجارة الكنيسة : إرفعوا قلوبكم نحو ذاك الصليب، ففبه الطريق الى الحياة الأبدية!!!