Avatar

Articles par المطران كريكور أغسطينوس كوسا

"مولد يوحنا المعمدان وميلاد السيد المسيح"

زيارة  العذراء  مريم  لاليصابات حدث لقاء الأُمّٓين معاً  : ” مريم واليصابات ” ،   والجنينين  معاً : ” يسوع و يوحنا ” ،  والعهدين ” القديم والجديد ”  ، كل هذا يذكّرنا بزيارة الله وافتقاده لشعبه على مدى تاريخه الخلاصيّ ، ويبشّرنا بزيارته وافتقاده لنا في سرّ تجسّد ابنه يسوع المسيح  وميلاده العجيب .بمولد يوحنا تكتمل عائلة زكريّا واليصابات . وبحضور الجيران والأقارب يتٓسع إطار العائلة و وتعمر الفرحة . ولكن بحضور العذراء مريم تبلغ فرحة العائلة ذروتها ، لأن مولد يوحنا يبشّر بميلاد يسوع !

"مريم أم النور"

بعد أكثر من ألفي سنة ، تبقى العذراء مريم الشخص الأحبّ  إلى قلوبنا … فهي الأم الساهرة على حياتنا الروحيّة والجسديّة .تشعّ مريم ، التي قبلت بالمشئة الإلهيّة بدون شرط وأصبحت أمّ المُخلّص والكنيسة ، نوراً آتياً من السماء ، ليهدي جميع الذين يقتربون بواسطتها إلى إبنها يسوع . وبقبولنا نحن المؤمنين النور نصبح  ” ابناء النور” ، ” ونحن جميعاً نعكسُ صورةٓ مجدِ الرّبِّ بوجوه مكشوفةٍ كأنها مِرآة ، مرآة لمجد الله أبينا ، إذ نعكس صورته تعالى ، ونتحوّل إلى تلك الصورة ونزداد مجداً  على مجد ، وهذا من فضل الربّ الذي هو روح  “( قورنتس الثانية ٣ : ١٨ ) . 

" حدث زيارة العذراء لإليصابات " ( لوقا ١ : ٣٩ – ٤٥ ).

في حدث بشارة العذراء مريم نقلنا الإنجيلي لوقا من زكريّا في هيكل اورشليم ، إلى مريم في ناصرة الجليل ، فإذا هي هيكل الله الحقيقيّ الجديد ! وفي حدث الزيارة ، ينقل الإنجيليّ  لوقا مريم من الناصرة  إلى  مدينة  في  يهوذا قريبة من اورشليم ، إلى بيت زكريّا ، فإذا هي :  ” تابوت العهد ” ، عهد الله الحقيقيّ الجديد .يربط القديس  لوقا الإنجيلي  حدث  البشارة  ربطاً واضحاً  بحدث  نقل  ” تابوت العهد ”  إلى اورشليم ،  على يد الملك  داؤد ( ٢ صموئيل ٦ : ١ – ١٩   ) . من حدث البشارة نستنتج ما يلي :أولاً : مبادرة مريم بزيارتها لنسيبتها اليصابات ، هي أشبه بمبادرة داؤد بنقل تابوت العهد إلى اورشليم .ثانياً : ارتكاض الجنين ” يوحنا ” هو أشبه برقص الملك داؤد وفرحه أمام تابوت العهد. ثالثاً : جوّ البركة الذي غمر بيت زكريّا ، وبقاء مريم فيه نحو ” ثلاثة أشهر ” ، هو أشبه بالبركة التي غمرت بيت عوبيد ، عندما استضاف تابوت العهد ثلاثة أشهر . رابعاً : كلمة اليصابات التي قالتها لمريم : ” من أين لي أن تأتي إليّ أمّ ربّي ؟ ” هي أشبه بكلمة الملك داؤد : ” كيف ينزل تابوت الرب عندي ” . 

" العذراء مريم وتابوت العهد "

الرابطُ الكتابيّ بين العذراء مريم وتابوت العهد يُدخلنا في المعنى اللاهوتي لحدث زيارة مريم لاليصابات : ترمز اليصابات العاقر إلى الإنسانية القديمة في علاقتها بالإنسانية الجديدة التي ترمز إليها مريم . إذاً فالعهد الجديد هو الذي يُعطي القديم كلّ معناه . ثم ّ إن الروح القدس هو القوّة  الفاعلة في مريم واليصابات ، وهو الذي حوّل اللقاء البشريّ إلى تسبيح وشكران وابتهال وتسليم الذّات لعمل الله الخلاصيّ . وهكذا تسبق زيارةُ  العذراء لاليصابات ، زيارة ابن الله المُتجسّد فيها ، ليزور أرضنا ، ويجدّد خلقنا بسرّ ميلاده المُخلّص ! 

" نشيد مريم " ( لوقا ١ : ٤٦ – ٥٥ )

في نشيد مريم كثير من المعاني التي وردت في العهد القديم ، وأعظم تلك المعاني  : ١ – انتصار الله للفقراء والمساكين في وجه الأغنياء والأقوياء .  ٢ – عطف الله على شعبه لما وعد به ابراهيم خليله وأبا المؤمنين .فقالت مريم : ” تّعَظِّمُ الرّٓب نٓفسي وتبتهِجُ روحي باللهِ مُخٓلِّصيلأنهُ نٓظٓرٓ إلى أٓمٓتِهِ الوضيعة . سوفٓ تُهٓنئُني بعد اليومِ جميعُ الأجيال لأن القدير صٓنٓعٓ إليّٓ أُموراً عظيمة : قُدُّوسٌ اسمُه ورحمٓتُهُ من جيلٍ إلى جيلٍ للّذينٓ  يتّٓقونٓهُ .كٓشٓقٓ عن شِدّة ساعِدِهِفشٓتّٓتٓ المُتكٓبِّرينٓ في قُلوبِهم . حٓطّٓ الأقوياء عنِ العُروشورفعٓ الوُضٓعاء .أشبٓعٓ الجياعٓ منٓ الخيراتوالأغنياءُ صرٓفٓهم فارغين .نٓصٓرٓ عٓبدٓه إسرائيل  ( إسرائيل معناها : شعب الله ، اي نصرٓ الله شعبهُ )ذٓكِراً ، كما قال لآ بائِنا ، رٓحمٓتهُ لإبراهيم ونٓسْلِهِ للأبد ” .

" يا مريم ، ها أنذا آتي واسكن في وسطكِ " ( القديس تودوروس السّتوديتي )

تُطّبّٓق بحق على مريم كلمات النبي زكريّا : ” رنّمي وابتهجي يا بنت صهيون ، فها أنذا آتي وأسكُن في وسٓطٍكِ ، يقول الرّب . وإليها أيضاً يتوجّه على ما يبدو لي الطُّوباويُّ يوئيل ، عندما يصرُخُ قائلاً:  ” لا تخافي أيّٓتُها الأرض ، وابتهجي وافرحي ،  فإنّٓ الربّ قد تعاظم في عٓمٓلِهِ  ” . لأن مريم هي أرض :  الأرضُ  التي عليها   رٓجٓلُ الله موسى    أُعطِيٓ الأمرٓ   بأن يٓخْلٓعٓ    نٓعْلٓيه ،رمزاً إلى الشريعة التي سٓتٓحِلُّ محلّها النعمة ً. الأرض التي عليها استقرّٓ بالروح القٌدُس ذاك الذي نترنّم به ” إنّه المؤسِّسُ  الأرض على قواعِدِها ” . الأرضُ التي تؤتي الثّٓمر الذي يُعطي كلّٓ كائنٍ طعامٓهُ . وهي لم  تُزرٓعْ . الأرض ُ    التي    لم    تُنبتْشوكة الخطيئة بل أعطت النور للذي اقتلٓعٓ الخطيئة من أصلِها . 

" بشارة العذراء مريم " ( لوقا ١ : ٢٦ – ٣٨ ) .

بشارة العذراء مريم الكلية القداسة والكاملة الطهارة ، هو انتقال من العهد القديم إلى العهد الجديد . وحدث بشارة العذراء مريم هو الذي أعطى الرجاء للمنتظرين مجيء المخلص يسوع .كتب القديس لوقا الإنجيليّ مشهد بشارة العذراء مريم في صورة متوازية مع بشارة زكريا ، قاصداً بذلك أن يُظهر العلاقة الوثيقة بين البشارتين ، وفي الوقت عينه ، لكي يُبيّن سموّ بشارة العذراء على بشارة زكريّا  ويّظهر علاقة الله بالإنسان ، والإنسان بالله بصورةٍ أجد وأعمق . فإنها علاقة تتخطّى حدود العائلة البشريّة ، والحسب والنسب ، واللون والعرق والجنس ، والمكان والزمان ، والثقافات واللغات ،  والعادات والتقاليد ، وهي علاقة حوار حرّ مع الله . فالله الحب المطلق يعرض نفسه على مريم ليكوّن في أحشائها المخلّص فتبادله بالمثل  وتقول ” نعم ” ، وهي علاقة عطاء ذات الله لنا دون حدود وشروط ، بتجسّد إبنه من العذراء مريم . ” إنه لسرّ عظيم ” سر ٌ فائق ، تمّ بعد انتظار  واستعداد طويل لتحقيق وعد الله في  ” ملء الزمن ”  ، وهي  ايضاً علاقة عطاء  ذاتنا لله مثل مريم : وهكذا تبقى مريم العذراء مثالاً حياً سخياً لكل مؤمن ، لأن نعمة الله ، التي وجدتها مريم في البشارة ، قد وجدتها لنا أجمعين ، فعلينا أن نعمل بها .

تقدمة سيدتنا مريم العذراء ودخولها إلى الهيكل

نعلم من التقليد الرسولي والكنسي أن يواكيم وحنّة ، والدّي العذراء مريم ، قدّماها لتتربّٓى وتخدم في الهيكل ، منذ صغرها . وذلك انّٓ حنّة كانت عاقراً . فطلبت من الله أن يعطيها ولداً لتنذره وتكرّسه لخدمته تعالى ، فرزقها هذه الإبنة الممتلئة نعمةً .ولما بلغت الثالثة من عمرها ، أخذها أبواها وقدّماها للربّ عن يد زكريّا الكاهن ، لتسكن قريباً من هيكل أورشليم .وهذه التقدمة كانت أفضل التقادم وأقدسها ، منذ أن بُني الهيكل ، لأنها تقدمة إبنة تفوق بقداستها وجمال نفسها وجسدها سائر الملائكة والقدّيسين والبشر ، وكان ابن الله مزمعاً أن يحلّٓ في أحشائها ويتّخذ من جسدها جسداً بشرياً كاملا ً .فأصبحت مريم بكل قواها لله ، تتفرّغ للصلاة والشغل اليدويّ وتتعلّم القراءة وتنكّبُّ على على مطالعة الكتب المقدّسة . فأدركت كل ما فيها عن تجسّد ابن الله . بقيت في الهيكل احدى عشرة سنة مُختلية بالله غارقة في بحر كمالاته .كانت تحب التعب والشغل وتتقن جميع أعمالها ، تنام قليلاً وتكدّ كثيراً . الفاظها عذبة ، منادمتها لذيذة . وكثيراً ما كانت تخاطب الملائكة وتناجي الله .أقامت في الهيكل حتى بلغت الخامسة عشرة من عمرها ، وعادت إلى الناصرة حيث قبلت سرّٓ البشارة . ثم أخذها يوسف خطيبها إلى بيته ، بعد أن ظهر له الملاك .