بقلم روبير شعيب

الفاتيكان، الخميس 17 فبراير 2011 (ZENIT.org). – "لهذا يترك الرجل أباه وأمه ويتحد بامرأته ويضحيان جسدًا واحدًا". هذه الكلمات يتلفظ بها  المؤلف الإلهي في مجتمع عرف واعترف بالطلاق وبتعدد الزوجات. في كلماته يذكر بمشروع الله بشأن الإنسان، هو مشروع وحدة وشركة وفي ما يتعلق بالرجل والمرأة هذا المشروع يتحقق بنوع من انفصال عن الماضي، الإنفصال لا يعني نكران أو عدم اكتراث، فالكتاب عينه يدعو إلى "إكرام الأب والأم".

ولكن هذا الإكرام لا يعني الرضوخ الأزلي لإرادة الوالدين على حساب المستقبل. فكما تتجذر الشجرة في الأرض ومع ذلك فمنتوجها ليس جذورًا بل ثمار، كذلك يجب على الإنسان أن  يرتبط بوالديه بالمحبة والاحترام والعناية، ولكن عليه في الوقت عينه أن ينفتح نحو المستقبل وأن يتجاوب مع دعوته. وفي حالة الزواج هذا يعني البناء سوية مع شريكة حياته.

يتحدث النص بصيغة المذكر، ليس فقط بسبب لغة الكتاب الذكرية، بل أيضًا لأن الحالة المعتادة كانت أن تأتي المرأة لتعيش في قبيلة أو بيت الرجل. ولكن تطبيق الكتاب المقدس يحتم علينا، نحن المنتمين إلى حضارة مختلفة أحيانًا أن نعي كيف أن الكلمة تتوجه إلى كلي الزوجين.

وعليه فالنص يعد بوحدة حميمة جدًا تتصف بالتحول إلى جسد واحد، إلى كيان واحد إذًا، بما أن الكتاب المقدس لا يقيم فرقًا كبيرًا بين الجسد والنفس والروح، فالجسد هو كلية الإنسان، وعليه الجسد الواحد هو "كيان واحد". ولكن لتحقيق هذا الوعد لا بعد من فعل "ترك"، من تجرد، من مجازفة، من تحوّل... ويحلو أن نجد في أباك وأمك ليس فقط الوالدين، بل الحياة والمشاريع السابقة والأفكار السابقة، هناك إذًا حاجة إلى تحول في الذهنية، إلى ارتداد.

ولكن التخلي ليس غاية بحد ذاته، يقوم به الإنسان لكي يقوم بفعل "اتحاد"، لكي يبني وحدة وانسجام، لكي يحلم ويحقق مستقبل علائقي. علمًا بأن طبيعة الإنسان العميقة تصبو إلى الوحدة واللقاء، فلنذكر أن الله يقول في الإنسان: "ليس حسنًا أن يكون الإنسان لوحده".

هذه الآيات إنما تعبّر عن إرادة الله الخيّرة بشأن الثنائي البشري، وتبين لنا أن حياتنا الزوجية، أو علاقاتنا الاجتماعية إنما هي محط اهتمام الرب الذي يُعنى بسعادتنا. ويعبّر الرب في نصوص أخرى في الكتاب المقدس عن نوع من غيرة، مشيرًا إلى أنه شاهد بين الرجل والمرأة. فيقول النبي ملاخي على سبيل المثال: "الرب شاهد بينك وبين امرأة شبابك، هي زوجتك، المرأة التي ارتبطت بها بوعد. ألم يخلق الله كائنًا واحدًا من جسد ونفس حية؟ وعمّ يفتش هذا الكائن إلا عن نسل من الرب؟ احفظ إذًا نسمتك الحية ولا تخُن امرأة شبابك. لأني أكره الطلاق، يقول الرب إله إسرائيل، وأبغض من يدنس ثوبه، يقول رب الجنود. احفظوا إذًا حياتكم ولا تتصرفوا بنفاق".

كلمات النبي عميقة جدًا. فالرب يرى في الخيانة تدنيس لثوب الإنسان، وأكثر من ذلك، يرى فيها تبذيرًا للنَفَس الحيَ! الخيانة لا تمزق الرباط بين شخصين وحسب، بل تدمر من يقوم بالخيانة!

يشبه الاتحاد الزوجي ورقتنا يتم لصقهما سوية بغراء قوي. إذا حاولنا فصلهما لا بد من تدمير كل من الورقتين. ولذا فدعوة الله إلى الأمانة هي دعوة إلى السعادة، وليست مجرد أمر اعتباطي. إنها تعبير عن أمانة الله للحياة، للسعادة، وللإنسان الذي خرج من يديه.

الله يخلق آدم وهو ينظر إلى المسيح

بقلم روبير شعيب

روما، الخميس 3 فبراير 2011 (Zenit.org). – إن استعراضنا التصاعدي للتفاسير التي قدمها الآباء للآية “فلنخلق الإنسان على صورتنا فمثالنا” (تك 1، 26) يصل الآن إلى التفسير ما قبل الأخير الذي نود أن نقدمه. هذا التفسير بدأه القديس إيرناوس حيث قال أن الله الآب يخلق الإنسان، آدم الأول، على صورة المسيح، آدم الثاني. فالتعبير لنخلق يشير إلى حوار حميمي في قلب الثالوث حيث يتم خلق الإنسان على صورة المسيح، الذي هو – بحسب لاهوت القديس بولس – صورة الله الكاملة. الإنسان، بكلمة أخرى هو صورة الله المخلوقة بحسب صورة الله الكاملة، يسوع المسيح.

ويقول لنا بولس بشأن المسيح صورة الله في رسالته إلى أهل كولوسي: “هو صورة الله الذي لا يرى وبكر كل خليقة. ففيه خلق كل شيء مما في السموات ومما في الأرض ما يرى وما لا يرى أأصحاب عرش كانوا أم سيادة أم رئاسة أم سلطان كل شيء خلق به وله. هو قبل كل شيء وبه قوام كل شيء” (كول 1، 15 – 17).

الله يخلق الإنسان ناظرًا إلى المسيح، وبالتحديد ناظرًا إلى بشرية المسيح، بحيث أن “آدم الثاني” هو مبدأ وأصل “آدم الأول”. كل مسيرة الإنسان هي أن يحقق مثال المسيح، وأن تكون فيه “المشاعر نفسها التي كانت في المسيح يسوع، الذي رغم كونه “في صورة الله لم يعد مساواته لله غنيمة، بل تجرد من ذاته متخذا صورة العبد وصار على مثال البشر وظهر في هيئة إنسان فوضع نفسه وأطاع حتى الموت موت الصليب. لذلك رفعه الله إلى العلى ووهب له الاسم الذي يفوق جميع الأسماء. كيما تجثو لاسم يسوع كل ركبة في السموات وفي الأرض وتحت الأرض ويشهد كل لسان أن يسوع المسيح هو الرب تمجيدا لله الآب” (فيل 2، 5 – 11).

الصورة والمثال هما إطاران يتحقق فيهما مصير الإنسان على إيقاع ما يسميه يسوع الوصية العظمى: “أحبب الرب إلهك بكل قلبك وكل نفسك وكل ذهنك.