* * *

أيها الإخوة والأخوات الأعزاء،

ليتورجية هذا الأحد الخامس من الزمن العادي تقدم لنا موضوع الدعوة الإلهية. في رؤيا ملوكية، يجد إشعيا نفسه بحضرة الله مثلث القداسة، تأخذه الرهبة والشعور العميق بعدم استحقاقه. ولكن أحد الساروفيم يطهر شفتيه بجمرة متقدة ويمحو خطيئته، فيجد نفسه مستعداً ليلبي الدعوة فيقول: "هاأنذا يا رب، ارسلني!" (راجع إشعيا 6، 1-2 ؛ 3-8). الخبرة ذاتها نجدها في رواية الصيد العجائبي الذي يتحدث عنه المقطع الإنجيلي.

على رغم من فشلهم في الصيد، لبى سمعان بطرس والآخرون دعوة يسوع ليرموا الشباك. وثقوا بكلمته واصطادوا سمكاً كثيراً. أمام هذه المعجزة، لا يرتمي سمعان بطرس على عنق يسوع ليعبر عن فرحه بالصيد غير المتوقع، بل على العكس، يرتمي عند أقدامه قائلاً: "يا رب، ابتعد عني، فأنا رجل خاطىء". عندها يطمئن يسوع بطرس ويقول: "لا تخف، فمن الآن وصاعداً ستكون صياد بشر" (راجع لو 5، 10)، فترك كل شيء وتبعه.

وبولس أيضاً، متذكراً بأنه كان مضطهِداً للكنيسة، يعترف بأنه غير أهل لأن يدعى رسولاً، وفي الوقت عينه يعترف بأن نعمة الله صنعت فيه العجائب، وعلى الرغم من محدوديته، فقد اعطت له واجب وشرف التبشير بالإنجيل (راجع 1كو 15: 8-10). في هذه الخبرات الثلاث، نرى كيف أن اللقاء مع الله يحمل الإنسان على اكتشاف ضعفه، ومحدوديته وخطيئته. ولكن، على الرغم من هذا الضعف، يحوّل الرب، غزير الرحمة، حياة الإنسان ويدعوه لاتباعه.

التواضع الذي شهد له إشعيا، بطرس وبولس، هو بمثابة نداء للذين لبوا الدعوة الإلهية لكيما لا يركزوا اهتمامهم على محدوديتهم، بل إنهم مدعوون ليوجهوا نظرهم نحو الرب ورحمته العظيمة، ليتوبوا ويتابعوا معه بفرح ويتركوا كل شيء لأجله. فهو لا ينظر الى ما هو مهم في نظر الإنسان: "الإنسان يرى الظاهر، أما الرب فينظر الى القلب" (1 صم 19: 7)، ويجعل من الفقراء والضعفاء – المؤمنين به – رسلاً مقدامين ومبشرين بالخلاص.

في هذه السنة الكهنوتية، نصلي لرب الحصاد ليرسل فعلة لحصاده، ولكيما يعرف الذين يلبون نداء الرب أن لا يتكلوا على مقدراتهم الخاصة، بل أن ينفتحوا على عمل نعمة الرب. أدعو بنوع خاص جميع الكهنة الى إحياء استعدادهم السخي ليجيبوا كل يوم على دعوة الرب بنفس التواضع والإيمان الذين تحلى بهما إشعيا وبطرس وبولس.

إلى العذراء القديسة نوكل كل الدعوات، وبخاصة الدعوة الى الحياة الرهبانية والكهنوتية. فلتضرم مريم في قلب كل واحد الرغبة في قول "نعم" للرب، بفرح وعطاء ذات كلي.

نقله الى العربية طوني عساف – وكالة زينيت العالمية (zenit.org)

كلمة البابا قبيل تلاوة صلاة التبشير الملائكي بمناسبة عيد الحبل بلا دنس

“بالالتجاء إل ى مريم، يلقى قلبنا النور والتعزية”

حاضرة الفاتيكان، الأربعاء 09 ديسمبر 2009 (Zenit.org) – ننشر في ما يلي الكلمة التي ألقاها بندكتس السادس عشر ظهراً قبيل تلاوة صلاة التبشير الملائكي مع المؤمنين المحتشدين في ساحة القديس بطرس بمناسبة عيد الحبل بلا دنس.

***

إخوتي وأخواتي الأعزاء،

نحتفل في الثامن من ديسمبر بأحد أجمل أعياد الطوباوية مريم العذراء: عيد الحبل بلا دنس. ولكن ما معنى أن مريم “حبل بها بلا دنس”؟ وماذا نفهم من هذا اللقب؟

نعود أولاً إلى النصوص البيبلية في ليتورجيا اليوم، وبخاصة إلى الصورة العظيمة في الفصل الثالث من سفر التكوين، ورواية البشارة في إنجيل لوقا. بعد الخطيئة الأصلية، نظر الله إلى الحية التي تمثل الشيطان، فلعنها وتعهد قائلاً: “أجعل عداوة بينك وبين المرأة، وبين نسلك ونسلها فهو يسحق رأسك وأنت ترصدين عقبه” (تك 3، 15).

إنه إعلان الثأر: في بداية الخلق يبدو الشيطان مسيطراً، لكن ابن المرأة سيأتي ويسحق رأسه. هكذا، ومن خلال ذرية المرأة، سينتصر الله بذاته. هذه المرأة هي مريم العذراء التي ولد منها يسوع المسيح الذي هزم بتضحيته الشرير إلى الأبد. لذلك، تظهر الأم الطاهرة في العديد من تماثيلها وصورها وهي تسحق الحية تحت قدمها.

ويكشف لنا الإنجيلي لوقا المشهد الذي تتلقى فيه مريم العذراء بشارة الملاك (لو 1: 26، 38). تبدو فيه كبنت صهيون المتواضعة والحقيقية التي يريد الله أن يقيم فيها. إنها النبتة التي سيولد منها المسيح، الملك العادل والرحيم.

في تواضع بيت الناصرة، تعيش بقايا إسرائيل الطاهرة التي يريد الله أن يولد شعبه منها من جديد، كشجرة جديدة ستمتد أغصانها إلى العالم أجمع، وتقدم لجميع البشر ثمار الخلاص الجيدة. خلافاً لآدم وحواء، تحافظ مريم على طاعتها لمشيئة الرب، وتقول “نعم” من كل قلبها، وتضع نفسها بالكامل في تصرف التدبير الإلهي. إنها حواء الجديدة، الأم الفعلية لكل حي، أي أم كل من ينال الحياة الأبدية من خلال الإيمان بالمسيح.

أيها الأحباء، كم من المفرح أن تكون مريم الطاهرة أمنا! في كل مرة نختبر فيها الضعف والشر، يمكننا أن نلتجئ إليها ليستمد منها قلبنا النور والتعزية.

كذلك في المحن الحياتية، في العواصف التي تزعزع الإيمان والرجاء، نفكر في أننا أبناؤها وأن جذور تجربتنا مترسخة في نعمة الله اللامتناهية. إن الكنيسة بذاتها تجد فيها – وعلى الرغم من تعرضها لتهديدات تأثيرات العالم السلبية – النجمة المرشدة لاتباع درب المسيح.

مريم هي أم الكنيسة، حسبما أعلن البابا بولس السادس والمجمع الفاتيكاني الثاني. إننا إذ نشكر الله على رمز صلاحه الرائع، نوكل إلى العذراء التي حبل بها بلا دنس كل واحد منا، مع عائلاتنا وجماعاتنا، والكنيسة جمعاء والعالم برمته.

هذا ما سأفعله أيضاً في فترة العصر ووفقاً للتقليد أمام النصب المكرس لها في ساحة إسبانيا.

ترجمة وكالة زينيت العالمية (Zenit.org)