بقلم روبير شعيب
روما، الخميس 20 مايو 2010 (Zenit.org). – مسيرة الفيلسوف الفرنسي موريس بلوندل (1860 – 1949) هي مطبوعة بإنضاج بطيء ينقله من التعظيم النظري والمثالي للسمو الموضوعي للحياة المكرسة وللدعوة الكهنوتية – اللتين كان يعتبرهما أولاً كـ "التحقيق الفريد والخلاصة الكاملة لفضيلة الرجولية" – إلى فهم شخصي وشخصاني لكرامة كل خيارات الحياة، حيث ما هو صالح بالمطلق هو واحد فقط: الله وما يريده الله لكل إنسان بمفرده. تحقيق هذه الإرادة هو الخير الأسمى لكل شخص بمفرده.
يكتب بلوندل واصفًا هذا النضوج فيقول: "لقد فهمت أن هناك أمر واحد فقط هو صالح بشكل مطلق، وهو ليس هذه أو تلك الكرامة، هذه أو تلك الصفة السامية بحد ذاتها؛ ما هو صالح بشكل مطلق بالنسبة لكل شخص هو إرادة الله ومشروعه لحياة كل شخص: أن نحقق في ذواتنا هذه الإرادة بالكمال، بغض النظر عما هو مضمونها وبغضّ النظر عن الموضوع الذي تحملنا إليه، هذا هو، بالنسبة للجميع، الخير بالذات".
في القسم الأول من مسيرته، رغم أنه يعترف بالطابع الكهنوتي الملوكي لكل خيارات الحياة، بما في ذلك خيار الزواج، بقي بلوندل مرتبكًا بشأن إمكانية عيش وتطبيق هذا الكهنوت في حالته الخاصة.
المجلد الأول من "مذكراته (Carnets Intimes) مليء بالاستبطان والتضرعات لكي يكشف له الطريقة التي يجب أن يعيش من خلالها موهبته الكهنوتية. في "المذكرة إلى المونسينيور بيي" (Mémoire à Monsieur Bieil) والتي يرسلها بعد الدفاع عن أطروحة الدكتورا الشهيرة (L’Action)، يقدم بلوندل وصفًا دقيقًا وموسعًا يسبر من خلاله غور نفسه ويعرضها على الأب بيي متمنيًا أن ينال هديًا في خياراته. يقرأ بلوندل في هذه المذكرة التأثير الذي لعبته في حياته "فكرة الكهنوت".
لا يشكك بلوندل في "التأثير الدائم، والدور الأساسي الذي لعبته فكرة الكهنوت" في حياته. كانت فكرة الكهنوت بالنسبة له مدرسة لكي يفهم أن الأمر الوحيد الضروري في حياة الإنسان هو إرادة الله؛ أن الإنسان هو كائن غير مستقل تمامًا، وأنه ليس ملكًا لذاته؛ وأنه من الضروري أن تحل مبادرة الله المطلقة مكان مبادرة الإنسان.
ولكن إلى جانب هذا الحضور الثابت والمحوّل، كانت فكرة الكهنوت في حياته تحمل طابعًا مستغربًا: فهو لم يتمكن أبدًا من أن يحدس في أي شكل محدد كان بإمكان هذه الفكرة أن تتحقق في حالته الوجودية. فما كان يسميه "المشروع التبشيري"، والذي كانت توحيه فكرة الكهنوت بالذات، كان يجد دومًا تحقيقه وتجسيده المباشر خارج الكهنوت. عمليًا، إلى جانب ما كان يصفه بـ "الفكرة الكهنوت الباطنة، الحاضرة دومًا والبعيدة في آن"، كان بلوندل يشعر بظهور مشاريع فلسفية ودفاعية عن الإيمان المسيحي، كانت أطروحته فقط أولها. ولذا، مختصر القول، كانت هذه الفكرة – فكرة الكهنوت – تشكل في آن حافزًا وعائقًا أمام تحقيق بلوندل لدعوته: ولم يكن يستطيع لا أن يتمسك بها ولا أن يهرب منها.
من خلال مقاربة إغناطية النفحة، وقف بلوندل أمام التمييز والخيار الصعب، لا بين خير وشر، بل بين خيرين، بين نعمتين، وبين "حركتين إلهيتين". مما لا شك فيه أن الالتزام السخي الذي شعر أنه مدفوع إليه هو ثمرة الجاذبية الكبيرة التي ولدتها فكرة الكهنوت في حياته. لو كانت هذه الفكرة مجرد وهم، لما كان ممكنًا أن تضحي الزخم والدافع لعيش عملي ملموس في حياته. كانت فكرة الكهنوت بالنسبة له إلهامًا حمله إلى عتبة ما يسميه "المشروع الكبير" الذي قبله بلوندل بمطواعية مجبولة بالخوف والرعدة.
الافخارستيا
بقلم رئيس الأساقفة عصام يوحنا درويش*
استراليا، الثلاثاء 12 يناير 2010 (Zenit.org). –خلال مناقشاتي مع الكهنة أثناء رياضة روحية حول الاحتفال بالذبيحة الإلهية قال لي احدهم وهو كاهن منذ أربعة وعشرين عاما “أحتفل كل يوم بالقداس الإلهي كأنه قداسي الأول”. ما أجمل هذه الطاقة، طاقة الحب التي تتفجر في قلب الكاهن وهو يرسم ما صنعه الرب في حياته و”يجعل كلّ شيء جديدا” في حياته[1]. إن ما يميز الليترجية هو أنها تجعل المحتفل بها يعيش في الكنيسة وكأنه كل الكنيسة ويعيش مع الناس وكأنه يختزلهم في واحد هو المسيح “المقَرِبُ والمُقَرَب”، يعيش في زمان محدد وكأنه خارج الزمان الحاضر. في وقت الاحتفال الليترجي يغرف الكاهن من التجرد والبساطة والشفافية ما يعطيه عمقا روحيا وقلبا منفتحا على نعم الروح القدس.
ما من أمر إيجابي يحدث في حياة الكاهن من دون الروح القدس، بفضل حلوله وبنعمة الشركة معه ينمي الكاهن حياته الروحية “إن الروح القدس يرزق كل شيء، ويفيض النبوة، ويكمل الكهنوت، وقد علّم الكلمة.. وأظهر الصيادين متكلمين باللاهوت”[2]. ينطلق الكاهن من احتفاله بالليترجيا الإلهية ليبقى في استعداد متواصل لمجيء الروح القدس ليحلّ عليه، وهكذا تصير الليترجية مُعاشة طوال يومه وفي كل جانب من جوانب حياته والصلاة التي يرفعها بعد كلام التقديس “ما لك مما هو لك عن كل شيء ومن أجل كل شيء” برهان قاطع على أنه لم يعد يفصل ذاته لا عن الجماعة ولا عن يسوع المسيح الكاهن الأول، إنه في وحدة كاملة معهم.
في وقت الاحتفال يصير عالم الله عالم الكاهن الجديد وملكوته ملكوته فالروح يحفر فيه جسد المسيح فيصير شريكًا له في كلّ شيء “ولتكن نِعمةُ ربِّنا يسوعَ المسيح ومَحبَّةُ اللهِ وشَرِكَةُ الرُّوحِ القُدُسِ مَعكُم جميعا”[3]. إن الاحتفال بالقداس الإلهي هو “منبع الحياة المسيحية كلّها وقمّتها”[4]، وقداس الكاهن اليومي هو أكثر من خدمة روحية يقدمها للناس عندما يعطيهم جسد المسيح ودمه، إنه غذاؤه الروحي والوقت المميز الذي يشعر فيه بأنه كاهن المسيح، وعندما يردد كلمات الرب التي قالها في العشاء الأخير الذي تناوله بصحبة تلاميذه ” هذا هو جسدي” و “هذا هو دمي” يدخل في سرّ الإيمان وفي سرّ موت وقيامة يسوع المسيح. إنه يدعو الناس للإيمان لكنه أيضا يرسّخ إيمانه ويقوّي روحانيته ويأخذ من الذبيحة قوته اليومي فيستنير ويتحرر ويرمّم من جديد صورة الله في حياته لأن “كل شيء لكم، وأنتم للمسيح، والمسيح لله”[5].
في طقسنا البيزنطي الملكي عند تقديم القرابين ونقلها من هيكل التقدمة يصلي الكاهن “ليس أحد من المقّيَّدينَ بالشَّهوات والملاذِّ الجسدية. أهلاً لأن يَتقدَّمَ إليك. أو يَدنوَ منكَ. أو يَخدُمَكَ يا ملك المجد..” والشعب يُردّد “فلنَطْرَحْ عنَّا كلَّ همّ دُنْيَوي لِنَستقبِلَ ملكَ الكلّ” إنها برهة حاسمة للكاهن وهي لا تتوقف لأنه يرتقي بها إلى السموات وهو يستمدّ من هذه القرابين المحمولة إلى الهيكل، قوة ليبقى على استعداد دائم للقاء العروس “الآتي على عجل”[6]
الخطر الكبير الذي يتعرّض له الكاهن هو أن يدخل في رتابة القداس الإلهي فيصلي كلامًا يردده كل يوم من دون أن يجعله يلمس قلبه ووجدانه، لذا عليه أن يتذكر دوما أن قداسه اليومي يجب أن يكون كقداسه الأول “فيركز عينيه على الخبز والكأس ويتذكر أنه مثل تلميذي عماوس في حجّ مع يسوع فهو سار معهما ليفتح أعينهما على النور وقلبهما على الرجاء”[7].
* راعي أبرشية الكنيسة الملكية الكاثوليكية في أستراليا ونيوزيلندا