ترأس الأب الدكتور نجيب بعقليني، رئيس دير مار الياس– الكنيسه (المتن الأعلى)، ورئيس “جمعية عدل ورحمة”، رتبة سجدة الصليب ودفن المصلوب في كنيسة الدير، ضمن احتفالات الأسبوع المقدّس، بمشاركة المؤمنين، ووسط أجواءٍ من الخشوع والصلاة.
في المناسبة، ألقى بعقليني عظةً استهلّها بالقول: “الجمعة العظيمة تضعنا أمام تساؤلٍ جوهري: هل مات المخلّص أم ابتدأ الخلاص؟ في ظاهر الحدث، نرى الألم والموت، لكن في عُمقه يكمُن سرُّ الفداء والمحبَّة التي بذل فيها المسيح ذاته من أجل خلاص الإنسان”.
أضاف: “الجمعة العظيمة، أو الجمعة الحزينة، يومٌ يطغى عليه طابع الألم والحُزن، إذ تُحيي الكنيسة ذكرى صلب يسوع المسيح وموته على الصليب فوق الجلجلة. في هذا اليوم، يبدو كأنّ كلّ شيء انتهى: مات المخلّص، وتبدّدت الأحلام، وانطفأت الانتظارات”.
تابع: “الشعب الذي هتف يومًا: “هوشعنا!” منتظرًا التحرّر من عبوديًّة الرومان، وجد نفسه أمام مشهد يسوع المصلوب المكلّل بالشوك والمضرّج بالدماء. فهل انتهت مسيرة الخلاص؟ وهل مات الرجاء معه؟”.
أوضح أن “الحقيقة أعمق من الظاهر، وموت يسوع على الصليب لم يكن نهاية، بل بداية. لم يمت الخلاص، بل تحقّق، ولم تندثر الأحلام، بل دخلت في سرٍّ أعظم: سرّ الفداء”، لافتًا إلى أن “يسوع مات من أجل الإنسان، من أجل خلاصه من الخطيئة، وقيامته هي وعد الحياة الجديدة. هذه حقيقة إيمانيَّة راسخة: الصليب، الذي كان أداة موت، صار طريق حياة. لذلك نرنّم بإيمان: “نسجد لك أيها المسيح المبارك، لأنك بصليبك المقدّس خلّصت العالم”.
أكد الأب بعقليني أنّ “الجمعة العظيمة هي يوم الحبّ الأعظم، يوم بذل فيه ابن الله ذاته عن البشرية. إنها دعوة لنا للعيش بالصوم والصلاة والتأمل والرجاءٍ الحي، لا العيش بالحُزنٍ العقيم. المحبة التي ظهرت على الصليب هي محبة بلا حدود، تعطي ذاتها من دون شرط، وتحوّل الألم إلى خلاص”.
وقال: “في هذا اليوم، يكتسب الألم معنى جديدًا، إذ يصبح طريقًا نحو القيامة. لم يُلغِ المسيح الألم، بل قدّسه، وحوّله إلى وسيلة خلاص. لذلك، نحن مدعوون إلى عيش آلامنا معه، لا أن نهرب منها، بل أن نحملها برجاء، فنحوّلها إلى محبة وعطاء. يدعونا هذا اليوم إلى توبة صادقة، ومراجعة الذات، والعودة إلى الله”.
تساءل: “كم من قلوب ابتعدت عن الله بسبب الشرور والحروب ورفض الآخر؟ وكم من ضمائر فقدت حسّ القيم؟ نحن بحاجة إلى إعادة اكتشاف معنى الصليب في حياتنا: الرحمة، الغفران، المحبة، والتضامن”.
ختم: “في صمت هذا اليوم، وصمت سبت النور، نتعلّم الصمت لنسمع صوت الله، والصلاة لنتّحد به، والصوم لنطهّر قلوبنا. إنه صمت الرجاء، صمت الثقة، صمت الإيمان الذي ينتظر فجر القيامة. نعم، قد يبدو أن المخلّص مات… لكن الحقيقة أن موته كان من أجلنا، ومن قلب الموت أشرق فجر الحياة. مات المخلّص… لكن الخلاص لم يمُت. بل به بدأت القيامة”.