ولد البطريرك الحويك سنة ١٨٤٣، وهو إبن الخوري بطرس الحويك، وكَبُرَ في أجواء سياسية واجتماعية مُضطربة، وحمل في ذاكرته وكيانه الكثير من جراح أزمات منطقتنا المتلاحقة، خصوصًا أحداث سنة ١٨٦٠. لم يكن في أيامه، ولا قبله، كيان سياسي مستقل اسمه لبنان، بل كانت منطقة جبل لبنان التاريخي تُدار بطريقة مختلفة عن باقي ولايات السلطنة العثمانية بسبب حساسيتها الإجتماعية والطائفية.
لم تكن أحداث ١٨٦٠ الدّامية أحداثًا “طائفية” كما يصوّرها البعض. فالطائفية كانت غطاءً لخوف أعمق بدأ ينمو في فترات تاريخية أبعد:
– سنة ١٦٩٧: انهيار الإمارة المعنية بوفاة الأمير أحمد معن دون وريث، وانتقال الحكم إلى آل شهاب. وكان في ذلك الحدث خوف كبير من اهتزاز توازن مهم في جبل لبنان.
– ١٨٣١: دخول محمد علي باشا من مصر إلى بلاد الشام (منها جبل لبنان) وبداية فترة من حكم للمصريين جعل الناس تفهم بأن حكم السلطنة العثمانية بدأ يضعُف، وليس هناك مَن يحميهم.
– بدأت التنظيمات العثمانية رسميًا سنة ١٨٣٩ بإصدار خط كلخانة (الخط الشريف الكلخاني) في عهد السلطان عبد المجيد الأول، ثم تعززت بإصدار الخط الهمايوني، الذي وسّع مبدأ المساواة بين رعايا الدولة العثمانية بغض النظر عن الدين، سنة ١٨٥٦. هذا زاد الخوف عند بعض الطوائف التي كانت القوانين قبل التنظيمات تميزها عن باقي الطوائف، فلم يعد هناك مواطنين «درجة أولى»…
– سنة ١٨٤٠: انهيار الإمارة الشهابية بعزل الأمير بشير الشهابي الثاني (الذي يُقال بأنه ماروني) من قبل الدولة العثمانية بعد انسحاب المصريين من بلاد الشام. هذا زاد الخوف عند الكثير من الإقطاعيين الطامعين في زيادة النفوذ والسّلطة.
– سنة ١٨٥٨: اشتعلت ثورة الفلاحين في كسروان بقيادة طانيوس شاهين ضد الإقطاعيين. هذا الحدث زاد الخوف من فقدان السلطة عند الكثير من الزعامات في بلاد الشام.
– بين سنتَي ١٨٤٢ و١٨٦٠: قِيام نظام القائمقاميتين، حيث قُسِّم جبل لبنان إلى قائمقامية مارونية وأخرى درزية. كان هذا التقسيم حَلاًّ فرضته الدّوَل الأوروبية الفاعلة آنذاك (أهمها النمسا) كمحاولة للحفاظ على توازنات السلطة والطوائف التي اهتزت بفعل التغييرات التي ذكرناها، وزاد من خوف الناس كثيرًا لأن السلطنة العثمانية بدت ضعيفة جدًّا ومتهالكة، ما جعل الجميع يسأل: مَن يَحمينا؟
– سنة ١٨٦٣ أُقيم نظام المتصرفية، وصار جبل لبنان التاريخي تحت حكم متصرف عثماني مسيحي: بقي الحكم عثماني (هذا ما أراح أهل جبل لبنان غير المسيحيين) وبقي الحاكم العثماني مسيحي (ما أراح المسيحيين)…
– ولكن هذا النظام ما لبث أن انهار سنة ١٩١٤ عندما دخلت السلطنة العثمانية في الحرب العالمية الأولى، وأتى جمال باشا كحاكم عسكري على المنطقة، ووقعت المجازر والإعدامات في كل أنحاء السلطنة العثمانية، بما فيها مجزرة المجاعة التي قتلت الكثيرين في جبل لبنان.
هذه التواريخ كلها تضعنا أمام واقع انهيار:
– إنهيار مجتمع كان قائمًا على حكم إقطاعي واضح؛
– إنهيار نظام سياسي ضعيف وقيام أنظمة متعثرة لم تكن تتمتّع بالتوازن الكافي لإدارة الأرض وضبطها؛
– إنهيار سلطة الإقطاعي وبروز دور كبير لأصحاب العلم والمنطق والمال وحتى السلاح، فلم يعد الإنتماء إلى عائلة معينة يعطي الشخص أحقية السيطرة وحيازة النفوذ.
– إنهيار الدولة والقانون الذي زاد من شهية الدّوَل الكبرى على دعم جماعات معينة ضد أُخرَى لتحقق مصالحها، بغض النظر عن مصلحة وأمن سكّان المنطقة.
– إنهيار الأخلاق الذي برز عند الكثيرين، إذ زاد الخوف، فصار منطق السلاح والإستقواء هو السائد بين الناس.
كل هذا الخوف انفجر سنة ١٨٦٠ حربًا كان عنوانها: «الآخَر المختلف هو خطر علينا»… وزاد أصحاب المصالح المستفيدون من هذه النزاعات من حدّة الخوف من الآخَر، لتتحول هذه الأحداث الدامية حربًا أهلية في بلاد الشام (جبل لبنان وأجزاء واسعة من ولايات بيروت وطرابلس ودمشق وحمص وحلب العثمانية)، وجرحًا ينزف حتى يومنا هذا، إذ لم يعد الأمان موجودًا… وكل هذا الخوف زادت من حدته الحرب العالمية الأولى سنة ١٩١٤، بما فيها المجاعة والأوبئة التي عانى منها الكثيرون.
في قلب هذا التاريخ والواقع المر الذي سردناه عاش البطريرك الحويك، حاملا صليب التاريخ، مُطالِبًا بوطن مستقل يعيش فيه الجميع متساوين وبأمان وحرية، مقدّمًا ذاته لخدمة الكنيسة، وليس فقط الكنيسة، بل لخدمة كل إنسان:
– اشتهرت صرخته أيام المجاعة: «أَعطوا الجميع، البطريركية أمٌّ حنون تعتبر الجميع أولادها. لا فرق بين مسيحيٍّ ومسلم»، فكان المثل الصالح لعيش المحبة.
– اشتهرت كلمته التي قالها في باريس سنة ١٩١٩ قبل توجهه إلى مؤتمر الصلح دفاعًا عن استقلال لبنان «أنا بطريركُ الموارنة، طائفتي لبنان، وأنا لكلِّ اللبنانيّين». فقد استحق عن جدارة أن يكون لكلّ اللبنانيين، إذ استلم من كل الأعيان في لبنان (بمن فيهم أعيان عكار والبقاع وجبل عامل) مسلمين قبل المسيحيين، عرائض تكلفه شخصيًّا بتمثيلهم أمام مؤتمر الصلح الذي أنهى الحرب العالمية الأولى وأعاد تقسيم أراضي السلطنة العثمانية المنهارة.
– وفي وسط كل هذا الصّخَب، عاش البطريرك قدّيسًا، يطلب أمرًا واحدًا: «إلهي، اجعلني أعيش وأموت برضاك.»
– وفي زمن كان المنتصرون في الحروب يُؤَلّهون الغنائم والسلطة والجاه، كان الحويك مثال في التجرّد، إذ لم يكن له إله إلا الذي تربّى على محبته: «ربّي وإلهي، ليس لي إله غيرك، ولا ربّ سواك، ولا ملجأ إلا إليك، ولا اتكال إلا عليك».
– لم يطلب لنفسه شيء: «كل ما أبتغي هو رضاك، ولا أبتغي سواه».
– ولم يطلب من الناس إلا أمرا واحدًا: «اتّكلوا على العناية الإلهية».
كل تلك العواصف جعلت البطريرك الحويك يتألّق بمارونيته، على ما يقول المونسينيور ميشال حايك بما معناه: مار مارون هو رمز وجودي ولاهوتي للحرية. فمار مارون هو مؤسس «مناخ روحي» يقوم على التجرد، والوقوف الحر أمام الله، والشهادة في قلب العالم.
وهذا ما فعله البطريرك الحويك على خُطَى القديس مارون:
– في قلب العواصف كان ناسكًا: والنّسك الماروني هو فعل مقاومة روحية، وليس هروب من الواقع. لقد حمل هذا البطريرك العظيم واقع شعبه، وعمل الممكن، فصار صورة الكنيسة التي لا تملك إلا الإنجيل.
– ومع البطريرك الحويك، ظهرت المارونية من جديد، كدعوة مفتوحة إلى الحرية والصدق واحترام الآخَر، لا هوية منغلقة أو امتيازًا تاريخيًا.
ولم يتألق وحده في زمانه، بل تألّق معه في نفس الوقت قديسون كبار في كنيستنا المارونية:
– الشهداء المسابكيين الثلاثة فرنسيس ورفائيل وعبد المعطي الذين قدموا دمهم من أجل إيمانهم في ١٠ تموز ١٨٦٠، وكان البطريرك الحويك ما زال إكليريكيًّا،
– القديس شربل الغني عن التعريف، الذي انتقل إلى جوار الرب في ٢٤ كانون الأول ١٨٩٨، وفي الوقت نفسه توفي السعيد الذكر البطريرك يوحنا الحج، الذي خلفه الحويك بطريركًا بعد بضعة أيام،
– القديسة رفقا التي انتقلت إلى جوار الرب في ٢٣ أذار ١٩١٤، والتي ذكرت الحويك في مذكراتها التي روتها لرئيستها، عندما أدّت خدمتها في مطبخ إكليريكية غزير في فترة وجود الحويك فيها.