ترجمة ندى بطرس
على مدى قرن تقريباً، عاشت فرجينيا إيدسون حالة من الغياب الروحي. تنقّلت بين الولايات خلال فترة الرّكود الكبير، وشهدت تحوّلات أميركا عبر الأجيال، ربّت أسرة، دفنت زوجها، وحافظت على ذكرى جذورها الشيروكي والتشوكتاو والإيرلنديّة. ومع ذلك، ظلّت فكرة واحدة تؤرقها مع اقترابها من عيد ميلادها الثامن والتسعين: لم تكن قد تعمّدت قطّ، بحسب ما أورد الخبر القسم الإنكليزي من موقع زينيت.
تغيّر ذلك خلال قدّاس ليلة عيد الفصح عام 2026 في رعيّة القدّيسة كلير في أوكسنارد، كاليفورنيا، حيث اعتنقت فرجينيا الكاثوليكيّة مُحاطة بعائلتها وجماعة الرعيّة. كانت فرجينيا، بلا منازع، أكبر المهتدين سنّاً في ذلك العام. وقد قف ابنها بروس، البالغ من العمر 77 عاماً، والذي اعتنق الكاثوليكيّة قبل عقود، بجانبها كعرّاب لها.

قد تبدو القصّة غريبة نظراً لسنّها، لكنّ مَن يعرفونها يصفون القرار بأنّه ليس مفاجئاً أو رمزيّاً، بل كان تتويجاً لرحلة روحيّة نضجت بهدوء على مرّ السنين. تقول فرجينيا: “ذات ليلة، خلدتُ إلى النّوم وأنا أفكّر: ماذا سأفعل بشأن ديانتي؟ في صباح اليوم التالي، استيقظتُ وقلتُ: سأصبح كاثوليكيّة”.
من ناحيته، اعترف خادم رعيّتها، الأب جون لوف، بأنّه ذُهل في البداية عندما أخبره بروس أنّ والدته ترغب في تلقّي سرّ العماد. لطالما كانت فرجينيا وجهاً مألوفاً في الرّعية، إذ كانت تحضر القدّاس بانتظام مع عائلتها، وتشارك في أنشطة الرعيّة، وترافق ابنها إلى الاجتماعات التي ينظّمها فرسان كولومبوس. وبالنسبة إلى العديد من أبناء الرعيّة، بدت بالفعل جزءاً من الجماعة. وقد أجاب الكاهن مُمازحاً: “أراها في الكنيسة طوال الوقت. ماذا تقصد بأنّها ليست كاثوليكيّة؟” وبدلاً من مطالبة المرأة التي تقارب الـ98 بإكمال عمليّة التنشئة والتعليم، اختار الأب لوف مقاربة شخصيّة. فمِن خلال المحادثات مع فرجينيا، سعى إلى معرفة ما إذا كانت تفهم جوهر الإيمان وترغب حقّاً في دخول الكنيسة. وسرعان ما اقتنع بأنّ قرارها يعكس قناعة عميقة وليس مجرّد اندفاع عاطفيّ. عندها فقط اكتشف الرّحلة التاريخيّة لعائلتها: وُلدت فرجينيا في أوكلاهوما لعائلةٍ تتشابك جذورها بين تراث الشيروكي والتشوكتاو والإيرلندي. وقد حملت هذه الهويّات ذكريات لا تقتصر على الصمود فحسب، بل تشمل أيضاً المعاناة والتهجير المتجذّرَين بعمق في التاريخ الأميركي.
عانت عائلة والدها من تبعات “درب الدموع” السيّء السُّمعة، وهو التهجير القسريّ الذي فرضته حكومة الولايات المتّحدة في القرن التاسع عشر على العديد من قبائل السكّان الأصليّين الذين كانوا يعيشون في جنوب شرق البلاد. لقي الآلاف حتفهم خلال عمليّة الترحيل إلى أوكلاهوما، حيث حاولت العائلات الناجية إعادة بناء حياتها. حمل جَدّا فرجينيا ابنهما الرّضيع – والدها المستقبليّ – خلال تلك الهجرة المؤلمة، ولم تسمع فرجينيا تلك القصص منه مباشرة لأنّه توفّي عندما كانت لا تزال صغيرة جداً. ومع ذلك، ظلّت ذكرى تلك المعاناة المتوارثة راسخة في حياة العائلة. كانت أمّها من الشيروكي، فاستقرّت العائلة في نهاية المطاف في مزرعة في مقاطعة بيتسبرغ، في أوكلاهوما، وهي أرض ورّثها جدّ فرجينيا لأبنائه. لكن خلال سنوات العواصف الترابيّة في الثلاثينيات، دمّر الجفاف الشّديد والعواصف الترابيّة الكارثيّة الزراعة في المنطقة. ومثل العديد من العائلات الأميركيّة، اضطرّت العائلة إلى الرّحيل بحثاً عن النجاة. عندها، كانت فرجينيا في الثانية عشرة من عمرها، عندما حزم زوج والدتها أمتعة العائلة في سيّارة وانطلق غرباً نحو كاليفورنيا بعد أن سمع عن فرص عمل متاحة. لكنّ أصحاب العمل لم يكونوا على استعداد لتوظيف زوج والدتها إلّا إذا عمل الأطفال أيضاً في الحقول. فرفض. وفي النهاية، حصل على وظيفة في حقول النفط بالقرب من بيكرسفيلد، حيث بدأت العائلة في إعادة بناء حياتها.

شكّلت تجربة الهجرة والمثابرة والذاكرة الثقافيّة هذه نظرة فرجينيا للعالم طوال حياتها. وظلّ تراثها الأميركي الأصليّ مهمّاً لها حتّى شيخوختها… حتّى أنّ الذّكريات طبعت فهم ابنها بروس للتاريخ الأميركي بشكل جذريّ.
تزوّجت فرجينيا لاحقاً من إدوارد إيدسون، نائب عمدة مقاطعة كيرن. بعد عقود من الزواج، تقاعدا في كايوكوس على الساحل الأوسط لكاليفورنيا، قبل وفاة إدوارد عام 2010. بعد سنوات، انتقلت فرجينيا إلى أوكسنارد لتعيش بالقرب من بروس، حيث استقرّت في حياة يوميّة هادئة تمحورت حول الاهتمام بالحديقة وإطعام الطيور والسناجب خارج منزلها.

في هذه الأثناء، كان مسار بروس قد أدخل الكاثوليكيّة إلى العائلة. فبعد زواجه من امرأة كاثوليكيّة، انضمّ إلى الكنيسة من خلال نظام التنشئة المسيحيّة للبالغين، وانخرط بعمق في حياة الرّعية وفرسان كولومبوس. كانت والدته ترافق العائلة بانتظام، وتطوّرت لديها تدريجيّاً مشاعر الإعجاب ليس فقط بالعبادة الكاثوليكيّة، بل أيضاً بشعور الانتماء الروحيّ الذي وجدته هناك.
أمّا الأب لوف فعرف لاحقاً أنّ حياة فرجينيا تحمل أصداء بيبليّة لافتة. رأى في تاريخ عائلتها عناصر من المنفى والهجرة والصبر والوصول في نهاية المطاف. بالنسبة إليه، بدا من المناسب أنّ تقوم امرأة، صقلتها العديد من الرحلات، برحلة روحيّة أخيرة في أواخر حياتها.
بعد معموديّتها، تحدّثت فرجينيا ببساطة عمّا اختبرته: “شعرت بالسّلام. شعرت في قلبي أنّني فعلت الصواب”.

لاقت قصّة فرجينيا صدىً واسعاً خارج رعيّتها لأنّها تتحدّى الافتراضات الحديثة حول الإيمان والشيخوخة، وتقدّم احتمالاً آخر: إنّ أعمق القرارات الروحيّة قد تتبلور ببطء، عبر عقود من الذكريات والمعاناة والحياة الأُسريّة والتأمّل. بالنسبة لمن شهدوا على معموديّتها خلال قدّاس ليلة عيد الفصح، لم تكن اللحظة مميّزة لمجرّد أنها بلغت 98 عاماً، بل لأنّها، بعد قرن تقريباً من الحياة، ما زالت تؤمن بوجود خطوة مهمّة أخرى وجب اتّخاذها.
