شكلت حياة القدّيسة ريتا تجسيدًا أمينًا لحمل الصليب واتّباع المسيح في أشدّ الظروف قساوًة.
إن تأمّلنا بعمق في شخصيّتها وأيّامها، لرأينا بجلاء ووضوحٍ أنّها لم تهرب قطّ من الصعاب أيًّا كانت، بل بالعكس واجهت التحدّيات، إن من العالم أم من الشيطان، ولربّما من إنسانيّتها أيضًا، بقوّة الإيمان.
ما القداسة؟ هي دعوة إلهيّة موجّهة، بشكل مجّانيّ، إلى كلّ إنسان يعيش في قلب العالم وضغوطاته، وتبلغ هذه الدعوة آذان قلب الإنسان، إن هو آمن أنّ العالم وشهواته يزولان، ومحبّة الله التي أوجَدَتْنا من العدم، تبقى.
السير في درب القداسة لا يعني عيش حياة خالية من الأخطاء والضعف أو عيش حياة مثاليّة،. إنما هو عيش حياة صادقة، مُحِبّة، ثابتة في الأمانة للمسيح على الرغم من التحدّيات والصعوبات.
القداسة تكلّل حياةً لائقةً بإنجيل المسيح الذي هو القداسة. عيشوا كما يحق لإنجيل المسيح
بدأت القدّيسة ريتا، كما القدّيسين جميعهم، حياتها بشكل طبيعيّ. كلّهم جاهدوا، وعملوا، وتعبوا وكثيرون منهم استطاعوا أن يخترقوا ضجيج العالم ومتطلّباته بل أسكتوا هذا الضجيج بالصمت والهدوء والصلاة والتعلّق بالمسيح فاكتسبوا منه القوّة والنعمة، مع الغلبة والنصرة على مجمل ما يُعيق تقدّمهم الروحيّ، دربهم نحو أعلى الجبل، أي نحو الله.
تنمو القداسة الحقيقيّة في ظلمة الظروف الصعبة التي يعيشها الشخص بتحدٍّ لها، وهو يرى وجه يسوع الحبيب من خلالها، وقد استعدّ لها بالوثوق التام بالربّ الفادي حتّى صَغُر وخفّ حمْلُه، على غرار ما سعت إليه القديسة تيريزا الصغيرة وكانت طلبت من حبيب قلبها أن تتفانى في الصغر ليحملها فتبلغ قلبَه.
هكذا، عملت ريتا، ولو لم تفصح عن الطريق الذي انتهجت، هكذا استعدّت طوال أيّام حياتها لتعانق يسوع المصلوب، هنا على الأرض، وإلى الأبد في الملكوت، وهكذا واجهت صعوبات أيّامها وصليبها الثقيل لأنّها أحّبت يسوع إلى الغاية وآمنت الإيمان كلّه أنّ حياتها على هذه الفانية، ما هي إلّا رحلة حجٍّ لا بدّ لها من أن تثابر في السير فيها لتصل إلى الغايةِ منها، والسراج رفيق دربها قولُ المعلّم الإلهيّ: ” لا يغلبنك الشرّ، بل اغلب الشرّ بالخير”
عاشت القدّيسة ريتا في وقت صعب مليء بالحروب والانقسامات بين العائلات الكبرى والفقر المادّيّ والاجتماعيّ والأوبئة والأمراض ولكنّها حوّلت هذه الظروف كلّها، بصمودها وثباتها وشجاعتها، إلى وقتٍ مناسبٍ على الدوام للّقاء بالله من خلال عمله في حياتها، وكثّفت من صلاتها حتّى أصبحت القساوة والظروف الصعبة “مختبرًا حقيقيًّا” كشفَ عمق إيمانها. هكذا، حملت ريتا جراحات الحياة بالمزيد من التقرّب من الله طائعةً الإنجيل الذي أوصى بحمل الصليب واتّباع يسوع.
عليه، تحوّلت شوكة الألم عند ريتا الى نبع قداسة شحنت قوّتها للبذل بأمانة ومسؤوليّة وحبٍّ تقدّم من خلاله أعمالها وحياتها وتضعها بين يدي المسيح كالطفل الذي وضع الخبزات الخمس والسمكتيْن بين يدي الربّ ليباركها فتشبع الجموع.
دعوتنا اليوم أن نلبّي نداء الله لنا “كونوا قدّيسين”. دعونا لا نخاف من الضيق لأنّه قال “سيكون لكم ضيق في العالم، لكن ثقوا أنا غلبت العالم”.
الحياة في المسيح هي دعوة إلى النموّ وهذا النموّ يتطلّب ربمّا ألمًا وتعبًا فحبّة الحنطة إن لم تمت لن تأتي بثمر وأمام هذا الثمر المنتظَر من حبّة الحنطة ربّما نفقد وقتًا وصحّة ومجهودًا ومكانة، ولكن في النهاية الثمر آتٍ وهو الحياة الدائمة مع يسوع المسيح في ملكوته.
لربمّا بدا الآلمُ لنا كأمرٍ يحرمنا من لذّة الحياة ومن أنفسنا، في حين أنّنا، لو نظرنا إليه بعين الإيمان، لوجدنا أنّه يساعدنا على أن نكتشف جوهرنا الحقيقيّ “أنّ الحياة لي هي المسيح”.
ولكي نحقّق ذاتنا بالفعل، لا بدّ لنا من أن نتحرّر من محبّة العالم ” لاتحبّوا العالم ولا الشهوات التي في العالم فالعالم وشهواته يزولان”.
نكتشف جوهرنا الحقيقي المزيّن بالنعمة عندما نتجرّد، “إن أردت أن تكون كاملًا بع كلّ ما تملك” لأنّ التعلّق بالمادّيّات والأرضيّات يعيق تقدّمنا ونموّنا في المسيح.
لنتحرّر ونسعى جاهدين إلى اكتساب المزيد من الفضائل لنحصل على الكنز الروحيّ كالرجل الذي وجد في حقله كنزًا، فسعى بجهدٍ أقصى ليحصل عليه.
لا نخف من المعاناة، من الاضطهادات، من الموت فهذا الخوف يُفقدنا معنى الحياة بل لِنجدْ في معاناتنا محرِّكًا حقيقيًّا لجوهرِ الحياة وحياةً جوهريّة في المسيح يسوع، عندها نفهم أنّ التسليم الروحيّ من خلال المعاناة والاضطهاد، هو الطريق للحياة الجديدة “أنا لا أموت بل أدخل الحياة”
تدعونا القدّيسة ريتا، في سيرتها وطريقة عيشها، إلى أن لا نيأس، لا سيّما في أوقات المشاكل والخلافات والضيق والحزن لأنّ “حزنكم سيؤول إلى فرح”.
هبنا ربّنا بشفاعة القدّيسة ريتا إيمانًا ثابتًا لا يتزعزع، وثقًة لا حدّ لها، وقدرةً على الغفران والمسامحة ونعمةً لحمل الصليب بفرح، لنفوز بالإكاليل ونكون في شركة الروح، مبتهلين مع أبرارك وقدّيسيك في المجد السماويّ. آمين.
الأب انطونيوس”إسحق” مقار إبراهيم
راعي الأقباط الكاثوليك في لبنان
