ما لم نحس على وجوهنا بألم كل صفعة تُوجّه إلى كل مظلوم في هذه الدنيا، فنحن لم نتعرف بعد إلى الله. قد نكون تعرفنا إلى رتب وطقوس و جلسنا في مقاعد أمامية في كنائسنا وربما أُطربنا بصوتنا حين يرتفع بالترنيم؛ أما الله نفسه، ذاك الذي يختبئ في جرح الإنسان قبل أن يظهر في لمعان الأيقونات، فما زلنا نمر قربه ونحسبه غريباً على طرقات الحياة.
في لبنان، الطوائف كثيرة كأصناف المونة في بيوت الجبل: لكل واحدة رائحتها، واعتزازها، ووصفتها السرية، ومفتاح خزانتها. لكن المصيبة أن بعض منا جعل الطائفة باباً يُقفل لا نافذة تُفتح. صار الواحد يسأل عن مذهب المتألم قبل أن يسأل عن موضع الوجع، وعن لون الراية قبل أن يرى الدم. كأن الألم يحتاج إلى بطاقة تعريف، وكأن الدموع لا تُقبل إلا مختومة من مختار المحلة!
في 26 حزيران، عايدنا الطوباوي أبونا يعقوب، ذلك الراهب الذي فهم أن لبنان لا يُحَب بالكلام بل بالانحناء على الآلام! واليوم يطل علينا بأسئلة علّنا على ضوئها نفحص قلوبنا و الوجدان: ما نفع الصليب على صدورنا إن كان لا يحرك ضمائرنا؟ وما نفع المسيحية إن صارت زينة اجتماعية، نعلقها كما نعلّق صورة للتباهي، وننساها حين يتطلب الأمر التماهي؟ تحوّل الكثيرون بيننا الى مسيحي الأحد، وصورة مطابقة عن قايين في باقي الأسبوع؛ يرفعون الشموع أمام القديسين، ثم يطفئون القلوب أمام اخوتهم المتألمين!
و تذكار أبونا يعقوب التقى هذا العام بظلال عاشوراء. لذا هنا لا يجوز أن نمر مرور السائح فوق جسر الألم. عاشوراء تقول إن للظلم يوماً يُفضح فيه، وإن دم المظلوم لا يصير ماءً مهما حاول الأقوياء أن يغسلوه من ذاكرة الناس. وأبونا يعقوب يقول إنّ الرحمة ليست خطاباً ناعماً، بل فعل محبة. فهل نجرؤ أن نسمع الرسالتين معاً؟ أن نرى في دمعة أخينا وجهاً من وجوه المسيح المتألم و في وجعه وطناً لا خصماً؟!
لبنان لن يخلص حين تنتصر طائفة على طائفة، بل حين تخجل الطوائف من قسوة أبنائها. لن يخلص بلدنا حين نزيد عدد الصلبان على الجبال، ولا عدد المآذن في المدن، بل حين لا ينام مظلوم متروك بينهما. الهوية التي لا توسّع القلب تصبح حجراً يحملها صاحبها مفتخراً، ثم يغرق بها عند أول امتحان!
علّنا نطوّر إدراكاً أن الله لا يحب التصنيف: ومع الطوباوي الكبوشي نردد (طائفتي لبنان والمتألّمون). و من لم يشعر بالصفعة على وجهه حين تُضرب كرامة إنسان آخر، فليوقظ إيمانه النائم الذي لم يستيقظ بعد. ومن ظنّ أنّ حبّ لبنان يقف عند حدود طائفته سيكتشف أنه خنق الوطن وايقظ الفتن!
اليوم، لنرفع الصلاة لا كأصواتٍ متنافسة، بل كأنينٍ واحدٍ يصعد من أرضٍ أنهكتها الجراح؛ فلعلّنا، متى أظهرنا رحمةً أوسع من أسمائنا، أشرق الوطن فينا، ونهض الإنسان من تعبٍ إلى صلاح.