” يا ربّ… كما فتحتَ عينَي الأعمى، اِفتح أعينَنا لنرى عظم محبّتِك لنا…
كما رحمتَ المخلّع فشفيتَه من مرضه غافرًا له خطاياه، اِرحَمْنا نحن أيضًا… وكما طهّرت الأبرص من مرضِهِ، طهّرْنا من مرضِ الإثم. وكما أقمتَ من الموت ابنَ الأرملة، وابنَة رئيس المجمع، ولعازر، أَقِمنا نحن أيضًا من سقطةِ الآثامِ، والزّلّات. وكما باركت تلاميذَك قبل صعودِك إلى السّماء، باركنا، يا إلهَنا…”
أبونا يعقوب
تلك كانت مناجاة أبونا يعقوب في تطواف عيد قلب يسوع…
أظهرَ فيها جمالَ قلبِ يسوع… إذ وجدَ في قلبِهِ ما يقود الخطأة، والمرضى، والمتألّمين إلى اكتشافِ عمقِ رحمة الرّبّ، تلك الرّحمة الّتي تحتضن قلوبَهم، وتجدّدُ في داخلهم الحياة، والرّجاء…
وجدَ في قلبِ يسوع ملجأً لكلّ تعب، وعزاءً لكلّ حزن، ورجاءً لكلّ نفسٍ أنهكتها طرق الحياة.
قلبُ الرّبّ هو القلب الّذي أحبّ حتّى الفداء، ففتح ذراعيه على الصّليب ليحتضنَ العالمَ بأسره.
وهذا ما عبّرت عنه القدّيسة “مارغريت ماري ألاكوك” التّي نقلت كلمات يسوع الّذي ظهرَ لها قائلًا: ” هذا هو القلب الّذي أحبّ النّاسَ كثيرًا لدرجة أنّه لم يدّخر شيئًا حتّى بذلَ، واستهلكَ ذاتَه ليُثبِتَ لهم حبَّه”.
سكبَ قلبُ يسوع بلسمَ الشّفاء على القلوبِ المجروحة، والأرواح العطشى إلى السّلام. لم يأتِ لِيَدين،
بل ليخلّص… لم ينظرْ إلى ضُعفِ الإنسانِ لِيَدينَه، بل ليُنهضَه؛ ولا إلى جراحه ليكشفَها، بل ليضمّدَها بحنان محبّته.
عبّر عن ذلك أبونا يعقوب فقال:”غيرَ أنّ الأبَ الأزليّ الّذي أحبّ الإنسانَ منذُ الأزل، وخلقَه على صورتِه، ومثالِه، لم يُرِد أن يتركَهُ شقيًّا تَعِسًا؛ فسمحَ لابنِه الحبيب بأن يتّخذَ طبيعةً بشريّة، ويضحّي بمجده، وعظمته حتّى يكفّر عن شرّ الإنسان”.
في قلب يسوع تلتقي السّماء بالأرض، ويعانق الحبّ الإلهيّ ضعفنا الإنسانيّ. إنّه القلب الّذي خفق منذ الأزل بمحبّة الآب، ثم تجسّد بيننا ليكشف لنا أنّ الله ليس بعيدًا، بل إنّه القريبُ، والحنونُ، والممتلئُ رحمةً.
يا ربّ…
أنت تداوي آلامنا قبل أن ننطق بها، وتشاركنا أوجاعنا قبل أن نبوح بها، وتهبنا نعمةً جديدة كلّما ظننّا أنّ الطّريق أظلم…حين تضعف نفوسُنا، تهمسُ في أعماقنا: «لا تخف، أنا معك». وحين تثقلنا الأعباء، تفتح لنا ملجأك فنجد الرّاحة، والسّلام. إنّ رحمتَك ليست مجرّد عاطفة، بل قوّة إلهيّة قادرة أن تحوّل الألم رجاءً، والدّموع تعزيةً، والسّقوط قيامةً جديدة.
يا قلبَ يسوع الأقدس، علّمنا أن نحبّ كما أحببت، وأن نرحم كما رحمت، وأن نغفر كما غفرت. اجعل قلوبنا صورةً لقلبك، تنبض بالحنان، وتفيض بالخير، وتكون أداة سلامٍ، وشفاءٍ.
