نَبَويّة القديس شارل دي فوكو: بِرِسقِلَّة وأَقيلا النموذج الإنجيليّ للعِلمانيِّين الرُّسُل

الموهبةُ الرَّسوليَّةُ لأُخُوَّةِ شارل دي فوكو العِلمانيَّة: عِلمانيُّونَ رُسُلٌ على مِثالِ بِرِسقِلَّةَ وأقيلا

Share this Entry

مقدّمة:

نحنُ العِلمانيِّينَ المؤمنينَ بالمسيح، حاضرونَ في المكاتب، والمتاجر، والمدارس، والمستشفيات، والأسواق، وفي الحافلاتِ والقطارات… أي في قلبِ الحياةِ اليوميَّة. وهناك، حيثُ لا يستطيعُ الكاهنُ أو الراهبُ أن يكونَ حاضرًا دائمًا، يدعونا الرَّبُّ يسوعُ لنكونَ شُهودَه، وخميرةً في المجتمع، وفي الكنيسة، وفي العالم.

وقد عبَّرَ المجمعُ الفاتيكانيُّ الثاني عن هذه الدَّعوةِ بقوله:

“المعمَّدون، إذ صاروا أعضاءً في جسدِ المسيح، أصبحوا شركاءَ، كلٌّ بحسبِ حالته، في وظائفِ المسيحِ الكهنوتيَّةِ والنبويَّةِ والملوكيَّة، ويؤدُّونَ الرِّسالةَ التي أوكَلها اللهُ إلى الكنيسة.”(دستور «نور الأمم»)

ويقولُ أيضًا:

“العِلمانيُّونَ مدعوُّونَ من اللهِ لكي يُمارسوا رسالتهم الخاصَّة، منقادينَ بروحِ الإنجيل، فيُساهموا في تقديسِ العالمِ من الداخل، كما تفعلُ الخميرةُ في العجين”.

(القرارُ «في رسالةِ العِلمانيِّين»)

الانسجام المُدهش

عندما نقرأُ هذينِ النَّصَّين، نكتشفُ انسجامًا مُدهشًا بين تعليمِ المجمعِ الفاتيكانيِّ الثاني الذي عُقِدَ سنةَ ١٩٦٥، وما كان القدِّيسُ شارل دي فوكو يكتبه قبلَ أكثرَ من خمسينَ عامًا من انعقادِ المجمع. فقَد سبقَ شارل دي فوكو عصرَه في إبرازِ الدَّعوةِ الرَّسوليَّةِ للعِلمانيِّين، وآمنَ بأنَّ الكنيسةَ تحتاجُ إلى رجالٍ ونساءٍ يعيشونَ الإنجيلَ في قلبِ العالم.

ففي رسالتِه إلى لويسِ ماسينيون في ١ أيَّار ١٩١٢، كتب:

“لا أعرفُ إلى ماذا يدعوكَ اللهُ على وجهِ الخصوص، لكنِّي أعرفُ جيِّدًا إلى ماذا يدعو جميعَ المسيحيِّين، عازبينَ كانوا أم متزوِّجين: أن يكونوا رُسُلًا… رُسُلًا بالمثال، وبالطيبة، ومن خلالِ تواصلٍ صالح، وحنانٍ يقودُ إلى الله. رُسُلًا، إمَّا مثلَ بولس، أو مثلَ بِرِسقِلَّةَ وأَقيلا، ولكن دائمًا رُسُلًا”.

ولم يكتفِ الأخُ شارلُ بالدَّعوةِ إلى مشاركةِ العِلمانيِّينَ في الرِّسالة، بل مَنَحَهم هُويَّةً رسوليَّةً واضحةً، فكتب إلى جوزف هورس في ٣ أيَّار ١٩١٢:

“إنَّ رسالةَ الكنيسةِ تفتقدُ وجود أمثال بِرِسقِلَّةَ وأَقيلا إلى جانبِ الكهنة، لِيَرَوا ما لا يراه الكاهن، ويدخلوا إلى حيثُ لا يستطيعُ الدُّخول… على العِلمانيِّينَ أن يكونوا رُسُلًا تجاهَ كلِّ الذين يطالونهم: أقرباءَهم وأصدقاءَهم أوَّلًا، ولكن ليس فقط تجاهَ هؤلاء، لأنَّ المحبَّةَ غيرُ محدودة! إنَّها تشملُ كلَّ الذين يشتملُهم قلبُ يسوع”.

لقد رأى في بِرِسقِلَّةَ وأَقيلا النموذجَ الإنجيليَّ للعِلمانيِّينَ الرُّسُل. فهما لم يكونا من الرُّسلِ الاثني عشر، بل عاشا وسطَ الناس، وعملا بيديهما، وفتحا بيتَهما للكنيسة، وشاركا القدِّيسَ بولسَ رسالتَه، وأسهَما في نشرِ الإنجيلِ بشهادةِ الحياةِ والعمل.

نبَويَّة شارل دي فوكو

منذُ سنةِ ١٩٠٥، كان الأخُ شارل يطلبُ إرسالَ عِلمانيِّينَ من هذا الطِّراز إلى المنطقةِ التي كان يعيشُ فيها، وكتب:

“يتطلَّبُ الأمرُ مسيحيِّينَ مثلَ بِرِسقِلَّةَ وأَقيلا، يعملونَ الخيرَ بصمت، ويعيشونَ حياةَ التُّجَّارِ الفقراء. في علاقةٍ مع الجميع، سيجعلونَ أنفسَهم مُحترَمينَ ومحبوبينَ من الجميع. آه لو تستطيعونَ أن تُرسلوا لنا تُجَّارًا صغارًا من هذا النوع… يكفي فقط أن نجدَهم”.

(من رسالةٍ إلى مسؤولِ الآباءِ البيض – ١٩٠٥)

وفي ١ حزيران ١٩٠٨ كتب إلى المطرانِ غيران:

“سيكونُ من الضروري…وجود مُرسَلينَ على طريقةِ القدِّيسةِ بِرِسقِلَّةَ من كلا الجنسين…سامحني، أبتي الحبيب، للتدخُّلِ بما لا يعنيني… سامحني للتجرُّؤِ على عرضِ أفكاري لك، والاستمرارِ في وضعِ الخطط…عُذري هي النُّفوسُ من حولي التي تضيع… إنَّها النُّفوسُ القيِّمةُ التي تستحقُّ دمَ يسوعَ الذي سُفِكَ من أجلِها”.

سنةَ ١٩٠٩ أسَّسَ شارل دي فوكو جمعيَّةَ «اتحادِ إخوةِ وأخواتِ القلبِ الأقدس»، وهي جماعةٌ تضمُّ كهنةً ورهبانًا وراهباتٍ وعِلمانيِّين، هدفُها إعادةُ الناسِ إلى الإنجيل، وتعزيزُ محبَّةِ القربانِ المقدَّس، والعملُ من أجلِ خلاصِ النُّفوس.

وفي رسالةٍ أخرى إلى جوزف هورس، الذي كان عضوًا في هذه الجمعيَّة، يقولُ شارل دي فوكو:

“على كلِّ المسيحيِّينَ أن يصيروا على مِثالِ بِرِسقِلَّةَ وأَقيلا. أسألُ هذا معكَ من الله. «أحبُّوا بعضَكم بعضًا كما أنا أحببتُكم، بهذا يعرفُ الجميعُ أنَّكم تلاميذي»… بعضُكم بعضًا هم كلُّ النُّفوس، بما أنَّكم كلُّكم إخوة، ولكم أبٌ واحدٌ في السماوات.

دعونا نفعلُ مثلَ بِرِسقِلَّةَ وأَقيلا.

دعونا نتوجَّهُ إلى جميعِ مَن حولَنا، إلى الذين نعرفُهم، إلى القريبِ منَّا… باذلينَ قُصارى جهدِنا من أجلِ الجميعِ كي نربحَهم جميعًا ليسوع”. (نيسان ١٩١٦)

وفي رسالتِه الأخيرةِ إلى نفسِ الشخص، المؤرَّخةِ في الأوَّلِ من تشرينَ الأوَّل ١٩١٦، أي قبلَ شهرينِ فقط من وفاته، لخَّصَ رؤيتَه كلَّها بقوله:

“ضرورةُ وجودِ عِلمانيِّينَ أمثالِ بِرِسقِلَّةَ وأَقيلا، والاتحادُ الضروريُّ بينهم، وعملُهم الفرديُّ وعملُهم الجماعيُّ، وحاجتُهم إلى أن يتعرَّفَ بعضُهم إلى بعض، والكهنوتُ السرِّيُّ للنفسِ الأمينةِ التي تُقدِّمُ ذاتَها وتُقدِّمُ ليسوعَ جميعَ مقاصدِ المخلِّصِ الإلهي (مجد الله، ظهور مُلكه، إِتمام إِرادته، خلاص النفوس) والتي تجعلُ، مثلَ يسوع، من خلاصِ البشرِ عملَ حياتِها “.

المسؤوليَّة الرسوليَّة

تكشفُ هذه الرسائلُ أنَّ شارل دي فوكو أيقظَ لدى العِلمانيِّينَ دعوتَهم إلى القداسةِ ومسؤوليَّتَهم الرسوليَّة، وآمنَ بأنَّهم، بحكمِ معموديَّتهم، رُسُلٌ حقيقيُّون. ورأى أنَّ رسالتَهم لا تُمارَسُ خارجَ العالم، بل في قلبِه: في الأسرة، والعمل، والعلاقات، والحياةِ الاجتماعيَّة، حيثُ يشهدونَ للمسيحِ بالمحبَّة، والبساطة، والخدمة، والفضائلِ الإنجيليَّة.

لقد كان الأخُ شارل سابقًا لعصرِه، إذ أدركَ منذُ وقتٍ مبكِّرٍ أنَّ للعِلمانيِّينَ دورًا أساسيًّا وحيويًّا في إعلانِ الإنجيلِ ونشرِه من خلالِ تفاصيلِ الحياةِ اليوميَّة.

وفي هذا السياق، أبرزَ الدَّورَ الذي أدَّاه بِرِسقِلَّةُ وأَقيلا في زمنِ القدِّيسِ بولسَ في كورنتوس. ومن خلال هذا المِثال، يُحمِّلُنا الأخُ شارل، نحن المُنتَمينَ إلى روحانيَّتِه، مسؤوليَّةَ الرِّسالة، ويكشفُ لنا الموهبةَ الرَّسوليَّةَ لأُخُوَّةِ شارلِ دي فوكو العِلمانيَّة، إذ يجعلُ من روحِ النَّاصرةِ نموذجًا روحيًّا لعيشِ هذا الدَّورِ وهذه الرِّسالة.

وإذا كان القدِّيس بولس وجدَ في بِرِسقِلَّة وأقيلا شريكَين في الرسالة، فإنَّ القدِّيس شارل دي فوكو يدعونا اليوم إلى أن نكون نحن أيضًا «بِرِسقِلَّة وأقيلا» هذا الزمن، حامِلين الإنجيل في بيوتنا، وأعمالنا، ومجتمعنا، بِروح الناصرة وبساطة المحبَّة.

ملحق:

▪️أمَّا ما جذبَ الأخَ شارل في خدمةِ بِرِسقِلَّةَ وأقيلا فهو:

– روحُ الاستقبالِ والضيافة.

– الاستعدادُ الدائمُ للخدمة.

– بساطةُ حياتِهما، إذ عاشا حياةَ الناسِ العاديِّين.

– شهادةُ الحياةِ التي قدَّماها.

– إيمانُهما الراسخُ بيسوعَ المسيحِ وشجاعتُهما.

 ▪️بِرِسقِلَّة وأقيلا، المراجع الكتابيّة :

أعمال الرسل ١٨ / ٢- ٣ و ١٨ و ٢٦

رومة ١٦/ ٣ – ٥

١ كورنتس ١٦/ ١٩

٢ طيموتاوس ٤/ ١٩

فداء بطرس
من أُخُوَّة شارل دي فوكو العِلمانِيَّة-لبنان
٨ تموز ٢٠٢٦ – ذكرى الرسولَين

نشكر قراءتكم المقال. إن أردتم تلقّي الأخبار اليوميّة من زينيت عبر البريد الإلكترونيّ، يمكنكم الاشتراك مجانًا عبر الضغط على هذا الرابط

إدعم زينيت

إدعم زينيت. متوفّرة بخمس لغات، يموّلها القرّاء. إشترك تبرّع

Share this Entry

فداء بطرس

أخوّة شارل دو فوكو العلمانيّة، لبنان

Help us mantain ZENIT

إذا نالت هذه المقالة اعجابك، يمكنك أن تساعدنا من خلال تبرع مادي صغير