أيّها الإخوة والأخوات الأعزّاء،
اليوم العالميّ للمهاجرين واللاجئين، سنة بعد سنة، يدعونا إلى أن نوجّه نظرنا إلى جوانب مختلفة من ظاهرة الهجرة المعقّدة. في هذا اليوم العالميّ الثّاني عشر بعد المائة للمهاجرين واللاجئين، فإنّ الموضوع ”حتّى واحدٌ من هؤلاء الأطفال“ يلفت انتباهنا إلى القاصرين المشاركين مباشرةً في خبرة الهجرة واللجوء، وإلى اهتمامنا بهم، وإلى وَعد الرّبّ يسوع “مَن قَبِلَ واحِدًا مِن أَمْثالِ هؤُلاءِ الأَطْفالِ إِكرامًا لِاسمِي فقَد قَبِلَني أَنا” (مرقس 9، 37).
القاصرون النّازحون: واقعٌ معقّد من الضّعف
القاصرون هم الفئة الأكثر ضعفًا ضمن تدفّقات الهجرة في العالم. إنّهم وجوهٌ حيّة وقصصٌ فريدة تُناشد ضميرنا. في كلّ سنة، يُجبَر ملايين الأطفال والمراهقين على مغادرة أوطانهم بسبب الحروب، والفقر، والعنف، والكوارث البيئيّة، وغيرها من المآسي، وللأسف، لا يزال عددهم يتزايد. إنّ المسؤوليّات الاقتصاديّة والسّياسيّة والعسكريّة عن هذه الكارثة جسيمة. ولا ينتهي الألم بمجرّد تغيير المكان: فهناك صغارٌ في السنّ فقدوا والديهم وإخوتهم وأخواتهم وأصدقاءهم، وهُم شهودٌ على أعمال عنفٍ لا يمكن وصفها. وآخرون انفصلوا عن عائلاتهم فتراتٍ طويلة، ويحاولون اللحاق بهم، بينما يعيشون في القلق النّاجم عن البُعد والفُراق. ثمَّ هناك قاصرون يواجهون رحلة الهجرة مع والديهم، غير أنّهم يتعرّضون، هم أيضًا، لظروفٍ قاسية وصدماتٍ عميقة. ولا يمكننا، أخيرًا، أن ننسى الحالة المأساويّة التي يعيشها الذين يُفصلون عن والديهم بسبب إعادتهم إلى بلدانهم.
يُضاف إلى هذا المشهد المأساويّ، أصلًا، مآسٍ أخرى: حالات الوفاة على طريق الهجرة، والاتجار بالبشر واستغلالهم، وتجنيد القاصرين في الصّراعات المسلّحة، والعنف الجنسيّ، والزّواج القسريّ، والفظائع التي يتعرّضون لها أو يشهدونها أثناء الرّحلة. كرامتهم تُداس وتُهان بطرقٍ كثيرة جدًّا.
ذكّر البابا فرنسيس، في رسالته في اليوم العالميّ الثّالث بعد المائة للمهاجرين واللاجئين سنة 2017، التي كان موضوعها ”مهاجرون قاصرون، ضعفاء لا صوت لهم“، بأنّهم “عاجزون ثلاث مرّات، لأنّهم قاصرون وغرباء وغير قادرين على الدّفاع عن أنفسهم، عندما يُجبرون، ولأسباب عديدة، على العيش بعيدين عن أرضهم ومنفصلين عن محبة العائلة”.
مع ذلك، في وسط كلّ هذا الظّلام، لا يغيب نور التّضامن: فهناك أُناس، وعائلات، ومؤسّسات مدنيّة، وجماعات كنسيّة، يختارون ألّا يديروا ظهورهم لهذه المأساة (راجع لوقا 10، 29-37). لنفكّر في العائلات التي تفتح أبواب بيوتها لتمنح هؤلاء القاصرين دفء البيت من جديد، ولنفكّر في المربّين العاملين في مراكز الاستقبال، وفي المتطوّعين والعاملين الذين يكرّسون أنفسهم، كلّ يوم، على طرق الهجرة وفي مدننا، للعناية بالجراح الخفيّة التي يحملها هؤلاء الصّغار. بالتزامهم هذا، يشهدون بأنّ المحبّة قادرة على أن تنتصر على اللامبالاة.
حتّى واحدٌ من هؤلاء الأطفال
أمام هذا الواقع المأساويّ، أفكّر في كلمةٍ قالها يسوع وتخاطب بعمق ضمير كلّ واحدٍ منّا: “مَن قَبِلَ طِفْلًا مِثلَه إِكْرامًا لِاسمي، فقَد قَبِلَني أَنا” (متّى 18، 5). ليس الأمر مسألة أرقامٍ أو إحصاءات. الإنجيل يدعونا إلى ألّا نقوم بعمليّات حسابيّة، بل يقول: حتّى واحدٌ فقط. فكلّ طفل، وكلّ إنسان، له كرامة لا متناهية. إنّه على صورة الله ومثاله (راجع التكوين 1، 26)، وهو حضورٌ للرّبّ يسوع. أمام كلّ قاصرٍ مهاجر، نحن مدعوّون إلى أن نقوم بعملٍ إنسانيّ وإيمانيّ: في الواقع، يمكننا في هذا الطّفل، أن نقبل الرّبّ يسوع ونلتقي به. هذه الدّعوة تزداد إلحاحًا في ضوء قول الرّبّ يسوع في إنجيل متّى: “كُنتُ غَريبًا فآويتُموني” (متّى 25، 35).
للأسف، يُهمّش القاصرون المهاجرون بسهولة أكبر، لأنّهم يفتقرون إلى البالغين الذين يحمونهم ويدعمونهم. من الضّروريّ العمل في بلدانهم الأصليّة لإزالة الأسباب التي تدفعهم إلى الهرب، إلى جانب توفير الحماية والاستقبال في بلدان العبور والوصول. إنّ صُراخ القاصرين النّازحين يرتفع اليوم إلى الله، تمامًا مثل الصّراخ الذي نسمعه في سفر الخروج: “إِنّي قد رَأَيتُ مذَلَّةَ شَعْبي الَّذي بِمِصْر، وسَمِعتُ صُراخَه بِسَبَبِ مُسَخِّريه، وعَلِمتُ بآلامِه، فنَزَلتُ لأُنقِذَه” (الخروج 3، 7-8). الله يُصغي، ولكي يحرّر، يوجّه نداءً شديدًا إلى ضمير كلّ واحدٍ منّا وإلى عمله، كما صنع مع موسى. لا يمكننا أن نبقى غير مبالين، ولا أن نعتاد كلّ هذا المقدار من الألم.
نداءٌ إلى الجميع، الجميع مسؤولون
حتّى واحدٌ من هؤلاء الأطفال، في حياتنا الشّخصيّة، يدعونا إلى أن نفتح عيوننا وقلوبنا إلى الاصغاء بعمق إلى قصّة كلّ واحدٍ منهم، وإلى مخاوفه وأحلامه، فنتجاوز ذلك الانفصال الذي يختصر الإنسان في مجرّد رقم إحصائي وكأنّه لا يهمُّنا مباشرة. إنّها دعوةٌ إلى أن نعترف بكرامة الطّفل، حتّى قبل أن يكون ”مهاجرًا“، وإلى أن نحمي حقوقه الأساسيّة: الحقّ في الحياة، وفي التربية، وفي مستوى من العيش يتيح له أن ينمو ويتطوّر بشكلٍ كامل، جسديًّا وعقليًّا وروحيًّا وأخلاقيًّا واجتماعيًّا.
حتّى واحدٌ من هؤلاء الأطفال، في الحياة الكنسيّة، يدعونا إلى أن نحوّل الاستقبال من مفهومٍ مجرّد إلى ممارسةٍ رعويّةٍ ثابتة. لا يمكننا أن نكتفي بإيكال هذه المهمّة إلى مؤسّسات أو جمعيّات تتمتّع بموهبة خاصّة: فأمام الوجوه الحقيقيّة التي تخاطبنا يوميًّا، الجماعة المسيحيّة كلّها مدعوّة إلى أن تعتبرهم أبناءها، وإلى أن تقترب من قصة كلّ واحدٍ منهم. يجب علينا أن نشجّع الجماعات المسيحيّة على إدماج اللاجئين والمهاجرين وتقديرهم كأعضاء كاملين في العائلة الكنسيّة، بتعزيز مسارات تربويّة وروحيّة جديدة، بما فيها المسارات الشّخصيّة، التي تتجاوز منطق المساعدة وحده. وبشكلٍ خاصّ، من الضّروريّ جدًّا الوقاية من الوِحدَة والعزلة والرّفض، التي تطال مرارًا أيضًا أبناء المهاجرين، والعمل على تعزيز ديناميّات اللقاء والاندماج، بحيث يستطيع أبناء البلد والشّباب المهاجرون من النموّ معًا، في مسيرةٍ تقوم على الاحترام المتبادل، والتّضامن، والصّداقة.
حتّى واحدٌ من هؤلاء الأطفال، في أفق الدّيانات المختلفة، يذكّرنا بأنّ ضعف الصّغار لا يعرف حدودًا طائفيّة ويوحّدنا في مسؤوليّة إنسانيّة وروحيّة مشتركة. هذه المسؤوليّة تصير أرضًا خصبةً لحوارٍ حقيقيّ بين الأديان، حيث يتعاون المؤمنون، انطلاقًا من إحساسهم بالتّسامي فوق ما هو أرضيّ، على نسج شبكاتٍ للحماية. الجماعات الإيمانيّة مدعوّة إلى بناء مساحات تُحترَم فيها كلّ فتاة وكلّ فتى، وتقدّر هويّاتهم الثّقافيّة، ما يمنع خطر استقطاب الجماعات المتطرّفة لهم. فحماية القاصر تعني، في نهاية المطاف، أن نصون السِّمة الإلهيّة المنطبعة فيه.
حتّى واحدٌ من هؤلاء الأطفال، في سياق المؤسّسات المدنيّة، يدعونا إلى أن نؤكّد من جديد على مبدأ المصلحة الفضلى للقاصر. فالمؤسّسات العامّة والخاصّة مُلزمة بأن تضع في صميم اهتمامها حماية كلّ طفل وكلّ مراهق وصون كرامته. وهذا يقتضي منها اعتماد أدوات حماية قانونيّة فعّالة، وتعزيز لمّ شمل العائلات، وتجنّب الصّدمات النّفسيّة النّاجمة عن الانفصال. ثمّة حاجة ملحّة لتغيير المنظور: فلا بدّ من نقل محور النّقاش من مجرّد إدارة تدفّقات الهجرة إلى الحماية الكاملة والفوريّة لحقوق الإنسان، واعتماد “استجابة منسّقة ومتضامنة وفعّالة لا غنى عنها، وقادرة على ضمان الحماية والاستقبال وفرص حقيقيّة للاندماج للمهاجرين” (كلمة في اللقاء مع أعضاء البرلمان الإسبانيّ، مدريد، 8 حزيران/يونيو 2026).
لنُوكِل المهاجرين واللاجئين القاصرين إلى حماية سيّدتنا مريم العذراء الكاملة القداسة الوالديّة، التي عاشت، مع القدّيس يوسف ويسوع الذي كان لا يزال طفلًا، وحشيّة عنف هيرودس ومأساة المنفى في مصر (راجع متّى 2، 13-15). لترافق خطواتهم، ولتساعد جماعاتنا لتصير علامات حيّة وصادقة للإنجيل.
من حاضرة الفاتيكان، يوم 11 آب/أغسطس من عام 2026، تذكار القدِّيسة كلارا من أسيزي.
لاوُن الرّابع عشر
***********
© جميع الحقوق محفوظة – حاضرة الفاتيكان 2026
