احملوا الإنجيل إلى العالم، ليس بإعلانه فقط، بل بالعيش بموجبه

الإنجيل في قلب روحانيّة شارل دي فوكو

Share this Entry
كان الإنجيل في قلب حياة شارل دي فوكو، والمرجع الذي استقى منه صلاته وخياراته ورسالة حياته. ولم يكن بالنسبة إليه مجرّد كتاب يُقرأ، بل حضورًا حيًّا للمسيح يدعوه كلّ يوم إلى الاقتداء به.
قبل اهتدائه، من المؤكّد أنّ الأخ شارل قرأ الإنجيل، ولا سيّما في طفولته وخلال استعداده للمناولة الأولى. لكنّه، بعد أن ابتعد عن الممارسة الدينيّة في سنوات شبابه، لم يعد الإنجيل محور حياته، وإن ظلّ يعرفه بحكم نشأته في عائلة كاثوليكيّة وتلقّيه التعليم المسيحي. ففي تلك المرحلة كان شغوفًا بقراءة كتب الفلسفة والعلوم، ويُرجَّح أنّه عاد أحيانًا إلى بعض صفحات الإنجيل، إلّا أنّه لم يكن يقرأه بإيمان حيّ ولا كتلميذ للمسيح.
غير أنّ كلّ شيء تغيّر بعد اهتدائه سنة ١٨٨٦. ففي دير الترابيست تعرّف إلى القراءة الربيّة لكلمة الله (Lectio Divina)، حيث كانت قراءة الإنجيل جزءًا من النظام اليومي الصارم والقوانين الموضوعة. وهناك تعلّم الإصغاء إلى كلمة الله، وحمل معه هذه الخبرة طوال حياته.
أمّا في الناصرة، فقد تعلّم شارل دي فوكو أن يُصلّي الإنجيل. كان يقرأه يوميًّا بتأنٍّ، ويتأمّل طويلًا في نصوصه، ويكتب تأمّلاته ويختمها بصلاة قلبيّة. وكان شخص يسوع هو نقطة الانطلاق الدائمة في كلّ تأمّلاته.
يكتب في الناصرة سنة ١٨٩٧:
«لنتقبّل كلمة الله في الإنجيل. فعلى ضوء الإنجيل وبحسب الإنجيل سوف نُدان… بحسب أقوال يسوع، ومواقف يسوع، وتعاليم يسوع.»
ويكتب إلى لويس ماسينيون سنة ١٩١٤ :
«يجب أن نسعى إلى أن نتشرّب من روح يسوع بقراءتنا للإنجيل وإعادة قراءته، وبتأمّلنا في أقوال يسوع ومواقفه وإعادة التأمّل فيها باستمرار، لتعمل في نفوسنا كما تعمل نقطة الماء التي تسقط وتعود فتسقط دون هوادة في المكان عينه.»
بالنسبة إلى الأخ شارل، لم يكن الإنجيل مجرّد كتاب، بل شخصًا حيًّا هو يسوع الذي من الناصرة. لذلك كان يتأمّل فيه يوميًّا، طالبًا أن تتشكّل حياته على مثال حياة المسيح، في الاتّضاع والفقر والأخوّة الشاملة.
ولذلك أيضًا، لم تكن قراءة الإنجيل بالنسبة إليه تمرينًا ثقافيًّا أو دراسة فكريّة، بل لقاءً حيًّا مع المسيح. فالإنجيل يكشف وجه يسوع، ومن خلال قراءته كلّ يوم نتعلّم أن نعرف المسيح، وأن نحبّ أسلوب حياته، وأن نتبعه بأمانة.
وكان مقتنعًا بأنّ كلمة الله لا تترك الإنسان كما هو، بل تُحوّل القلب الذي يستقبلها، وتُعيد تشكيله تدريجيًّا على مثال المسيح.
كما رأى أنّ الإنجيل هو قاعدة الحياة كلّها. فكلّ قرار، وكلّ اختيار، ينبغي أن يكون على ضوء كلمات يسوع وأعماله.
ولهذا كتب في الناصرة سنة ١٨٩٨:
«كلّ حياتنا وكلّ كياننا يجب أن يناديا بالإنجيل على السطوح… كلّ أعمالنا وكلّ حياتنا يجب أن تصرخ بأنّنا ليسوع، وأن تعكس صورة الحياة بحسب الإنجيل.»
كان الإنجيل يقود شارل دي فوكو إلى التشبّه بيسوع، ولا سيّما بحياته الخفيّة في الناصرة: حياة البساطة، والتواضع، والعمل، والقرب من الفقراء. كما كان يغذّي رسالته، إذ لم يكن يريد أن يعلن المسيح بالكلمات فقط، بل من خلال حياة تتطابق مع الإنجيل، لأنّه كان يؤمن بأنّ شهادة الحياة هي الطريقة الأعمق لإعلان الإنجيل.
وكان يعتبر أنّ قراءة الإنجيل والصلاة به كلّ يوم امتياز يمنح الإنسان أن يترك يسوع يفكّر فيه، ويحبّ فيه، ويعمل فيه. فالإنجيل هو الغذاء اليومي للنفس، والطريق إلى القداسة، متى سمحنا لكلمة الله أن تغيّر حياتنا.
ولهذا كتب إلى جوزف هورس سنة ١٩١٢ :
«أن نقرأ الإنجيل ونعيد القراءة بدون توقّف، حتى تكون دائمًا نصب أعيننا أعمال يسوع وأقواله وأفكاره، فنفكّر ونتكلّم ونعمل مثل يسوع، ونقتدي بتعاليمه وبطريقة تصرّفه…»
ويكتب أيضًا خلال رياضته الروحيّة في أفرام سنة ١٨٩٨ :
«احملوا الإنجيل إلى العالم، ليس بإعلانه فقط، بل بالعيش بموجبه.»
لقد كان مقتنعًا بأنّ كلّ إصلاح في الحياة المسيحيّة يبدأ بالعودة إلى الإنجيل، وأنّ محبّتنا الحقيقيّة للمسيح لا تنفصل عن التشبّه به. لذلك أوصى الذين سيسيرون على خطاه بأن يعودوا دائمًا إلى السؤال الأساسي: ماذا كان سيفعل يسوع لو كان مكاني؟ وهو سؤال لا يمكن الإجابة عنه إلّا بالعودة المستمرّة إلى الإنجيل.
ويكتب إلى الأب كارون سنة ١٩٠٩ :
«علينا بالرجوع إلى الإنجيل، لأنّنا إن كنّا لا نحياه فلا يحيا يسوع فينا. علينا بالرجوع إلى الفقر وإلى البساطة المسيحيّة…»
ويعود في سنة ١٩١٢ في رسالته إلى جوزف هورس ليقول:
«أن نقرأ الإنجيل ونعيد القراءة بدون توقّف… بالنسبة إليّ، أرى أنّ هذا هو الدواء…»
وهكذا، كان الإنجيل بالنسبة إلى الأخ شارل وجه يسوع، ونور الطريق، ومدرسة الحياة، والينبوع الذي استقى منه صلاته ورسالة حياته، والطريق الذي يقود الإنسان إلى أن يصير هو نفسه إنجيلًا حيًّا يقرأه الآخرون.
نشكر قراءتكم المقال. إن أردتم تلقّي الأخبار اليوميّة من زينيت عبر البريد الإلكترونيّ، يمكنكم الاشتراك مجانًا عبر الضغط على هذا الرابط

إدعم زينيت

إدعم زينيت. متوفّرة بخمس لغات، يموّلها القرّاء. إشترك تبرّع

Share this Entry

فداء بطرس

أخوّة شارل دو فوكو العلمانيّة، لبنان

Help us mantain ZENIT

إذا نالت هذه المقالة اعجابك، يمكنك أن تساعدنا من خلال تبرع مادي صغير