Praying the Liturgy of the Hours

www.courageouspriest.com

دخول الرّهبنة والعَيش في دير يزيد مِن متوسّط العمر المتوقّع

دراسة نُشِرَت في النمسا

Share this Entry

ترجمة ندى بطرس

لعقودٍ طويلة، سعى العلماء جاهدين لاكتشاف أسرار طول العمر من خلال الأنظمة الغذائيّة، وبرامج التمارين الرياضيّة، والمكمّلات الغذائية، والتدخّلات الطبيّة المتطوّرة باستمرار. إلّا أنّ إحدى أكثر الاكتشافات إثارةً للاهتمام في أبحاث طول العمر لم تنتج عن المختبرات أو عيادات الصحّة، بل عن الأديرة.

في التفاصيل الواردة ضمن مقال بقلم يواكين مايسنر هرتز، نشره القسم الإنكليزي من موقع زينيت، كشف مشروع بحثي طويل الأمد، يُعرف باسم “دراسة الأديرة الألمانيّة النمساويّة”، أنّ الرجال الذين يعيشون في الأديرة يتمتّعون بمتوسّط ​​عمر أطول بكثير من الرجال ضمن عموم السكّان. والأكثر إثارةً للدهشة، أنّ الدراسة تشير إلى أنّ الفجوة المتعارف عليها بين متوسّط ​​عمر الرّجال والنساء تكاد تختفي داخل الجماعات الرهبانيّة. وقد انبثقت هذه النتائج من إحدى أوسع الدراسات التي أُجريت حول الحياة الدينيّة والصحّة.

انطلق المشروع سنة 1997 تحت إشراف المتخصّص بعِلم السكّان (أو الديموغرافيا) مارك لوي، وسعى للإجابة عن سؤال علميّ قديم: ما هو مقدار الفرق في متوسّط ​​العمر المتوقّع بين الرجال والنساء، الذي يعود إلى عوامل بيولوجيّة، وما هو مقدار الفرق الذي يتأثّر بنمط الحياة والعوامل الاجتماعيّة؟

للإجابة عن هذا السؤال، تفحّص الباحثون حياة ما يقارب 16,600 من أعضاء الرهبانيّات – 9,569 راهبة و7,022 راهبًا – من 16 ديراً في ألمانيا والنمسا. وتتضمّن قاعدة البيانات معلومات تتراوح بين تواريخ الميلاد والخلفيّات التعليميّة، إلى تاريخ العائلات والحركة الإرساليّة وأسباب الوفاة، لتغطّي بذلك أكثر من قرن من التجربة الإنسانيّة.

تتحدّى هذه النتائج الافتراضات الشائعة حول الشيخوخة. ففي النمسا، من المتوقّع أن يعيش الصبيان الذين وُلدوا عام 2025 حوالى 80.15 عاماً، مقارنةً بـ84.6 عاماً للفتيات، أي بفارق 4.45 عاماً. ومع ذلك، يتقلّص هذا التفاوت بشكل كبير بين أعضاء الرهبانيّات. ووفقاً لبحث لوي، لا يبدو أنّ العوامل البيولوجيّة تُفسّر أكثر من عام واحد من هذا الفارق. وينبع معظم الاختلاف الملحوظ في المجتمع من أسباب غير بيولوجيّة مرتبطة بنمط الحياة والسلوك والظروف الاجتماعيّة. بكلمات أخرى، لا يموت الرجال بالضرورة في سنّ أصغر لمجرّد كونهم رجالاً، بل غالباً ما يموتون في سنّ أصغر لأنهم يعيشون حياة مختلفة. ويبدو أنّ البيئة الرهبانيّة تُقلّل من العديد من المخاطر التي تُقصّر العمر، إذ تُوفّر المجتمعات الدينيّة أنماط حياة يوميّة مُنظَّمة، وعلاقات اجتماعيّة مستقرّة، وجداول زمنيّة منتظمة للعمل والصّلاة، وهدفاً روحيّاً مشتركاً. وهذه العناصر تخلق ظروفاً تدعم الصحّة البدنيّة والنفسيّة، فيما وجد الباحثون أنّ الحياة في الأديرة تُشبه في بعض النواحي التأثيرات الوقائيّة المرتبطة غالباً بالزواج.

في هذا السّياق، يُراقب أفراد الجماعة بعضهم بعضاً، وتقلّ العادات غير الصحيّة كالتدخين وتعاطي المخدّرات، وغالباً ما يتمّ التعرّف على علامات التدهور البدنيّ أو العقليّ في وقت مُبكر. أمّا الجداول الزمنيّة المنتظمة فتُقلّل من التوتّر المُزمن، بينما تُساهم الصّلاة والتأمّل في الاستقرار العاطفيّ. وقد يلعب الإيمان نفسه دوراً أيضاً. فالحياة التي تُشكّلها رؤية واضحة للمعنى والرسالة، تُوفّر المرونة خلال فترات المعاناة أو المرض أو عدم اليقين. وبحسب لوي، يُعدّ هذا الشعور بالهدف أحد السِّمات المُشترَكة بين العديد من مناطق العالم التي تُسمّى “المناطق الزرقاء”، وهي مناطق يعيش فيها عدد كبير من الناس حتّى سنّ المئة أو أكثر.

إنّ البنى الاجتماعيّة والمجتمعات الداعمة وظروف المعيشة المستقرّة، كلّها عوامل تؤثّر بشكل عميق على صحّة الإنسان. كما وتُبرز الدراسة تبايناً هامّاً مع “صناعة إطالة العمر” التجاريّة المتنامية، التي تُروّج لعلاجات باهظة الثمن، وأنظمة غذائيّة متخصّصة، وأنظمة مراقبة عالية التقنيّة.

لا يُنظّم الرّهبان في الأديرة حياتهم بهدف إطالة العمر، بل يبدو طول عمرهم نتيجة ثانويّة لحياة مُوجّهة نحو غاية أخرى: الخدمة، الصلاة، الانضباط، والتّواصل مع الجماعة.

بدأت دراسة الأديرة الألمانيّة النمساويّة بأطروحة أكاديميّة متواضعة في أواخر التسعينيّات. وبعد حوالى ثلاثة عقود، أصبحت إحدى أهمّ المساهمات في الفهم العلميّ للشيخوخة. ورسالتها الأساسيّة عميقة ومخالِفة للتيّار السائد: فبينما قد لا توجد وصفة سحريّة لحياة طويلة، فإنّ المجتمعات المبنيّة على الإيمان والانضباط والهدف المشترك قد تخلق ظروفاً لا يعيش فيها البشر لفترة أطول فحسب، بل غالباً ما تكون لحياة أفضل.

نشكر قراءتكم المقال. إن أردتم تلقّي الأخبار اليوميّة من زينيت عبر البريد الإلكترونيّ، يمكنكم الاشتراك مجانًا عبر الضغط على هذا الرابط

إدعم زينيت

إدعم زينيت. متوفّرة بخمس لغات، يموّلها القرّاء. إشترك تبرّع

Share this Entry

فريق زينيت

ندى بطرس مترجمة في القسم العربي في وكالة زينيت، حائزة على شهادة في اللغات، وماجستير في الترجمة من جامعة الروح القدس، الكسليك - لبنان مترجمة محلّفة لدى المحاكم

Help us mantain ZENIT

إذا نالت هذه المقالة اعجابك، يمكنك أن تساعدنا من خلال تبرع مادي صغير