تصل إلى ما كنت تظنّه نهاية الطريق، هدف تحقّق وإنجاز يُسجَّل ولحظة يُفترض أنّها قمّة النجاح، ثمّ خلال لحظات يظهر سؤال غير متوقّع: ماذا بعد؟
هذا السؤال لا يعكس طموحًا جديدًا بقدر ما يكشف فراغًا داخليًا لا علاقة له بعدد ما تحقّق من إنجازات، بل بقدرتنا على الإحساس بها أصلًا. نحن غالبًا نتقن السعي لكنّنا لا نتقن التوقّف عند ما وصلنا إليه.
يُساء فهم الرضا كثيرًا فيُظنّ أنّه توقّف عن الطموح أو قبول بالواقع كما هو دون محاولة تغييره. لكن هذا فهم سطحيّ، فالرضا في جوهره ليس انسحابًا من الحياة بل طريقة مختلفة للوجود داخلها، هو أن تستمرّ في الحركة دون أن تتحوّل إلى هروب دائم من شعور النقص، وأن تسعى من مساحة اتّزان داخليّ، لا مِن قلق مستمرّ بأنّك لست كافيًا بعد.
المشكلة الحقيقيّة ليست أنّنا لا ننجز، بل أنّنا لا نتوقّف بما يكفي لنشعر بأنّنا أنجزنا. نصل إلى أهدافنا بسرعة ثمّ ننتقل فورًا إلى ما بعدها وكأنّ ما تحقّق لا يستحقّ الوقوف عنده. وهكذا تتحوّل الحياة إلى سلسلة متواصلة مِن ما لم يحدث بعد، بينما ما حدث فعليّاً يمرّ دون حضور حقيقيّ في وعينا.
يمكن رؤية ذلك بوضوح في الحياة العمليّة أيضًا. موظّف يعمل لسنوات في مؤسّسة يبذل جهدًا كبيرًا للحصول على ترقية أو منصب أفضل، وعندما يحقّقها يعيش شعورًا بالرضا لفترة قصيرة جدًا، ثم سرعان ما يتحوّل تفكيره إلى المرحلة التالية. مسؤوليّات أكبر أو منصب أعلى أو مقارنة بزملاء آخرين. لا يتحوّل الإنجاز إلى نقطة استقرار داخلي بل إلى خطوة عابرة في طريق لا يتوقّف.
في هذا النمط، لا يعود الإنجاز مصدر رضا بل يصبح محطّة عابرة. ومع الوقت، تتآكل القدرة على الشعور بالاكتفاء ليس لأنّ ما نحقّقه قليل بل لأنّ معيار النظر نفسه يصبح دائم الحركة والمقارنة والارتفاع.
الأخطر أنّ هذا الشعور لا يأتي فجأة بل يتسلّل تدريجيًا مع كلّ مقارنة ومع كلّ معيار جديد للكفاية حتّى يصبح ما كان يُعدّ إنجازًا يومًا ما، أمرًا عاديًا لا يلفت الانتباه.
الرضا لا يُولد بعد الوصول، بل يُمارس أثناء الطريق. أن ترى ما بنَيته دون أن تقفز مباشرة إلى ما ينقصك هو ما يمنح السعي معناه ويخفّف من استنزافه. هذه اللحظات لا تُعلَن ولا يُصفّق لها، لكنّها تصنع بمرور الوقت فرقًا عميقًا بين حياة تُعاش بوعي، وحياة تُستهلك في الركض فقط.
اسعَ كما تريد بكلّ ما لديك من طاقة وإصرار، لكن لا تسمح لهذا السعي أن يمحو قدرتك على التوقّف للحظة، لحظة تنظر فيها إلى ما أنجزته بعيدًا عن المقارنات وتقيس نفسك بما كنت عليه سابقًا، لا بما لدى الآخرين الآن. عندها فقط يتشكّل وعي أكثر هدوءًا بما نحن عليه فعلًا، لا بما يفترض أن نكونه.
فالرضا ليس نهاية الطريق بل الطريقة التي تجعل الطريق قابلًا للاستمرار دون أن يستهلكك، وهو على عكس ما يُفهَم عادة. ليس نقيض الطموح بل الشرط الذي يجعل الطموح إنسانيًا، ممكنًا، وقابلًا للحياة كما تقول كارول دويك “أن تصبح أفضل من نفسك أهمّ من أن تكون أفضل من الآخرين.”
نشكر قراءتكم المقال. إن أردتم تلقّي الأخبار اليوميّة من زينيت عبر البريد الإلكترونيّ، يمكنكم الاشتراك مجانًا عبر الضغط على هذا الرابط
