في زمنٍ كان فيه الشرق يغرق في ليل الاحتلال الحالك، حيث الخوف يطرق الأبواب والجوع ينهش الجبال، وقف رجلٌ واحد ليقرّر أنّ السلاح الأقوى في وجه الموت ليس السيف، بل القلم. هذا الرجل لم يكن مجرّد بطريرك اعتلى كرسي قنوبين، بل كان “ذاكرة أمّة” كادت أن تُمحى. إنّه الطوباوي البطريرك إسطفان الدويهي 1630 – 1704. من هو إسطفان الإنسان خلف هذا اللقب المهيب؟ وكيف لفتى غادر جبال لبنان إلى روما وعاد بأكبر ثروة ممكنة لبلاده؟
ولد إسطفان في إهدن، بلدة الضباب والينابيع سنة 1630. تيتّم باكراً، لكنّ أمّه غرزت في قلبه شغفاً غريباً بالمعرفة. في سنّ الحادية عشرة، أُرسل إلى روما للدراسة في المدرسة المارونيّة. تخيّلوا طفلاً في ذلك العصر، يقطع البحار والمحيطات، ليعيش في ثقافة غريبة كلياً. هناك، لم يكن إسطفان مجرّد طالب متفوّق؛ بل أُصيب بمرض في عينيه أفقده بصره بسبب انكبابه المفرط على القراءة والمطالعة، وكان شفاؤه أعجوبة عذرائيّة أعادت له النور ليُكمل رسالته. حين عاد إلى لبنان، لم يَعُد باحثاً عن مجدٍ شخصي، بل عاد بـ”عقدة حب” تجاه شعبه وجذوره. وجد الكنيسة والتاريخ الماروني مشتّتَين، والكتب الطقسيّة مبعثرة، والهويّة مهدّدة بالزوال. فبدأ رحلته التي لم تنتهِ إلّا برحيله.
عندما انتُخب بطريركاً عام 1670، رفض الدويهي مظاهر العَظَمة، ولم يجلس على عرش مريح. كان مقرّه “قلاية” متواضعة في مغارة وادي قاديشا (قنوبين)، حيث الرطوبة والبرد القارس. ومن تلك المغارة، انطلق الدويهي في رحلاتٍ مشياً على الأقدام وعلى ظهور الدواب عبر الجبال اللبنانيّة إلى أن تحوّل إلى “البطريرك الجوّال”. لم يكن يزور الرعايا للوعظ التقليدي فقط، بل كان يبحث في الخزائن العتيقة، والمغاور المُظلمة، والرفوف المنسيّة عن المخطوطات القديمة. كان يتنقّل بين السير على الأقدام وعلى الدواب. يزور الفلّاحين والفقراء، يمسح دموع الثكالى، ويواسي المظلومين من بطش الحكام المحليّين. كان يدرك أنّ القيادة ليست سُلطة تُمارَس من فوق، بل هي حُبّ يتدفّق من الأسفل. “كان الدويهي يرى في كلّ ورقة مخطوطة قديمة يجدها في زوايا الكنائس المهجورة، قطعة من روح أمّته، فكان يجمعها ويمسح عنها الغبار ويهندسها، كمن يعيد بناء “هيكل مهدّم”. وبفضل هذه الروح الإنسانيّة الشغوفة، ألّف كتباً وضعت الحجر الأساس للتاريخ اللبنانيّ والمشرقيّ، مثل:
- تاريخ الأزمنة: أوّل محاولة علميّة لتوثيق الأحداث في المنطقة.
- منارة الأقداس: الذي شرح فيه الطقوس وحافظ على الهويّة المارونيّة الانطاكية السريانية.
لقد كان الدويهي بمثابة (الرادار الثقافي) للشرق، في وقتٍ لم يكن يجرؤ فيه أحد على تدوين سطر واحد خوفاً من بطش النظام الحاكم آنذاك. يمكننا القول من إنجازات الدويهي الإنسانيّة والثقافيّة كانت في قدرته على تنظيم الفوضى. وجد الطقوس المارونية مشتّتة، والتاريخ ضائعاً بين الروايات الشفهيّة، فجلس في عتمة مغارته، وعلى ضوء سراج ضئيل أو القمر، يكتب مؤلّفات ضخمة مثل “تاريخ الأزمنة” و”منارة الأقداس”. لم يكن مؤرّخاً عادياً، بل كان يملك حسّاً نقديّاً سابقاً لعصره؛ يمحّص الحقائق، ويقارن الوثائق، ليقدّم لشعبه “هوية مكتوبة” لا يمكن لأي محتلّ أن يمحوها. لقد أدرك باكراً أنّ الشعوب التي لا تكتب تاريخها بوعيها، يكتبه أعداؤها بجهلهم.
عاش الدويهي “إنسانيّته” في عمق الألم. كان رجل السلام المستنير رغم الاضطهاد والتهجير الذي عاناه. تحمّل اضطهادات الحكّام المحليّين، واضطرّ مراراً للهرب واللجوء إلى دير مار شليطا أو إلى مجد المعوش في الشوف. ورغم كل الإهانات والضرائب الجائرة التي فُرِضت عليه وعلى شعبه، لم يدعُ يوماً إلى العنف. كان سلاحه الصبر الصامت، والعمل المستمرّ. كان يرى في التعليم الوسيلة الوحيدة للتحرّر، فأسّس المدارس وشجّع على طباعة الكتب، مؤمناً بأنّ الجهل هو الصخرة الصمّاء التي تسحق الشعوب، وليس الفقر.
عندما أسلم الروح عام 1704 في قنوبين، لم يترك وراءه أملاكاً ولا أرصدة، بل ترك كنزاً من الحبر والفكر كافياً لتنوير أجيال متعاقبة.
البطريرك إسطفان الدويهي، الذي رُفع على المذابح طوباوياً، لم يكن قدّيساً لأنّه انعزل عن العالم، بل لأنه غاص في قلب معاناة إخوته البشر، وحمل مصباح العلم والإيمان ليمشي أمامهم في أحلك ليالي الشرق. اليوم لا نتذكّره فقط كقائد دينيّ، بل كإنسان أحبّ أرضه حتى الرمق الأخير، وعلّمنا أنّ الأوطان لا تُبنى بالحروب والخطابات الرنّانة، بل بالمعرفة، بالحبّ، وبالحفاظ على الجذور مهما اشتدّت العواصف. إنّه المنارة الذي كلّما أظلم الشرق، التفتنا إليه لنجد الطريق.
نشكر قراءتكم المقال. إن أردتم تلقّي الأخبار اليوميّة من زينيت عبر البريد الإلكترونيّ، يمكنكم الاشتراك مجانًا عبر الضغط على هذا الرابط