Bienheureux Patriarche Elias El Houwayek

الطوباوي البطريرك الحويك: قدّيس الممكن في قلب الأزمات

علينا كلبنانيين أن نفحص ضمائرنا، خاصّةً وأنّ لبنان العيش الواحد والعدل والسلام

Share this Entry
برزت اعتراضات كثيرة حول احتفال تطويب البطريرك الحويّك موضوعها رفضه ضم وادي النّصارى في سوريا إلى لبنان الكبير بسبب غالبيته الأرثوذكسية، ما أثارَ رَيبَة الكثيرين. بعد بحث قمنا به في كثير من الكتب والوثائق، تبيّن لنا الآتي:
١- إتفاقية “سايكس بيكو” كانت إتفاقية سريّة بين الإنكليز والفرنسيين تخص بلاد المشرق العربي (حاليا: العراق، سوريا، لبنان، فلسطين، الأردن)، فضحتها الثورة البولشيڨية التي أطاحت بالقَيصَر الرّوسي وأقامت نظام الحكم الشيوعي. عندما انكشف أمر هذه الإتفاقية، بدأ جميع الساكنين في بلاد الشام يشعرون بالقلق على مصيرهم، خاصّةً عندما شعروا بأن هذه الإتفاقية تحولت إلى عملية تقسيم الغنائم وشظايا السلطنة العثمانية المنهارة، بين الدّول المنتصرة في الحرب العالمية الأولى.
٢- في هذه الإتفاقية قسمت سوريا ولبنان الحاليّين إلى سِت دويلات: حلب، دمشق، الإسكندرون (صارت فيما بعد مع تركيا)، جبل الدروز، دولة العلويين، ولبنان الكبير. كان هذا التقسيم موضوعًا، في اتفاقية “سايكس بيكو” وفي جميع نُسَخ الخرائط التي جمعناها لم يكن هناك أية إشارة بأن الأراضي التي يزعم البعض اليوم وجود نيّة بضمّها إلى لبنان الكبير. حتى أن اقتراح ضم وادي النّصارى لم يأخذ بُعدًا جديًّا آنذاك.
٣- إن البطريرك الياس الحويك قد ترأس الوفد الثاني إلى مؤتمر الصلح في قصر ڨرساي (فرنسا). هذا يعني أن موضوع لبنان الكبير كان مطروحًا سابقًا مع الوفد الأول الذي كان برئاسة داود عمون، إبن دير القمر، الذي طالب بدولة لبنان الكبير (الأوسع من المتصرفية التي ثُبّتت سنة ١٨٦٣)، وطالب بهذه الدولة مستقلة وبرلمانية.
٤- إن أحداث ١٨٦٠ المؤلمة، التي عاش أهوالها البطريرك الحويك، لم تجرِ فقط ضمن حدود المتصرفية (أي جبل لبنان التاريخي)، بل امتدت إلى كل المناطق التي كانت جزءًا لا يتجزّأ من الإطار التفاعلي المباشر مع منطقة الجبل. فكان من المعروف تاريخيًّا بأن أغلب المناطق التي ضُمّت إلى المتصرفية لتشكّل لبنان الكبير كانت قريبة ممّا يُسَمّى بـ”الحدود الطبيعية” بما في ذلك الكثير من التشابه والتّقارب الثقافي؛ وهذا ما يفسر تأثر هذه المناطق بما يجري في جبل لبنان بشكل مباشر وواضح.
٥- في جو مقلِق وغير مُريح، ذهب الحويك إلى مؤتمر الصّلح ليطالب بوطن حرية الدين والفكر، ليس انطلاقًا من ترف فكري وفلسفي، إنما انطلاقًا من واقع مرير ضاغط، تسبب بتمييز ديني مخيف في فترة الحكم العثماني. ولنتذكر أيضًا بأن البطريرك الحويك كان شاهدًا على ما جرى للمسيحيين من مجازر فظيعة في الشرق: الأرمن، اليونانيين البنطس، السريان، الكلدان؛ إضافة إلى المجاعة في جبل لبنان التي لم يتسبب بها الجراد، ولم تكن قدرًا إلهيًّا، بل كانت حصارًا مقصودًا أمات وهجّر الكثيرين.
٦- إنّ الفكر الماروني للحويك، القائم على العيش بحريّة، كان هو محرّكه الأول. لذلك طالب بوطن يعيش فيه الجميع بحرية، بغض النظر عن الدين، والطائفة، والرأي السياسي… هو يعرف بأن الموارنة عاشوا في الوديان والكهوف لفترات طويلة لكي يحفظوا أثمن ما لديهم: الحرية. لذلك لم يخف الحويك من التنوع الديموغرافي والطائفي، بل خاف على انهيار هذا التنوع وتقوقعه. لقد عرف بأن تنوع لبنان هو رسالة سلام للعالم أجمع، وكان في ذلك رؤيويًّا، حتّى إن البابا لاون الرابع عشر قال ما كان الحويك يعمل لأجلة منذ قرن: «أتطلع إلى لبنان يسوده السلام والعدالة، حيث يعترف الجميع ببعضهم إخوةً وأخوات».
٧- ليس هناك أي محضر يثبت قبول الحويك او رفضه لأرض أو لحدود معينة لأسباب طائفية أو ما شابه. ولو كان الأمر كذلك، لماذا قبل بضم وادي خالد (غالبية سنية)؟! بالمقابل، هناك وثائق ومحاضر كثيرة تُبرز مئات العرائض التي استلمها الحويك في بكركي (موقّعة من أغلب أعيان مناطق لبنان الكبير الحالي، مسلمين قبل المسيحيين) على أساسها تكلم الحويك باسمهم أمام الدّول العُظمى المنتصرة في الحرب العالمية الأولى.
في وسط كل هذه الأزمات والمآسي، لم يسأل البطريرك الحويك عن سلطة، ولا عن اولوية، ولا عن سطوة جماعة على أخرى. لقد عمل الممكن والمُتاح آنذاك ليكون في هذا الشرق المعذّب وطنٌ يعيش فيه الجميع بكل الوانهم وبالرغم من اختلافاتهم بسلام ومحبة.
فليس علينا أن نلوم الحويّك ولا أن نمدحه! علينا فقط كلبنانيين أن نفحص ضمائرنا، خاصّةً وأن لبنان العيش الواحد والعدل والسلام حوّله بعض المنتفعين إلى مساحة تفرقة ونهب وتطييف

إدعم زينيت

إدعم زينيت. متوفّرة بخمس لغات، يموّلها القرّاء. إشترك تبرّع

Share this Entry

الخوري يوحنا فؤاد فهد

Help us mantain ZENIT

إذا نالت هذه المقالة اعجابك، يمكنك أن تساعدنا من خلال تبرع مادي صغير