ترجمة ندى بطرس
بعد أكثر من عشرين عاماً على تجسيده الساعات الأخيرة من حياة يسوع المسيح على الأرض، يعود ميل غيبسون إلى رواية الإنجيل بسؤال أكثر أبعاداً: ماذا يحدث بعد الجلجثة؟ فبالنسبة إليه، آلام المسيح لم تكن أبداً خاتمة القصّة. وهو يؤكّد بأنّ الحدث الاستثنائي حقّاً هو القيامة: انتصار المسيح على الموت، والحدث الذي يُضفي على الصليب معناه الأسمى. وهذه القناعة بحدّ ذاتها هي ما شكّلت أساس فيلم “قيامة المسيح”، وهو مشروع شَغَل غيبسون لحوالى عقدَين من الزمن، فيما تطلّبت كتابة السيناريو وحده حوالى عشر سنوات، بحسب ما أورد الخبر القسم الفرنسي من موقع زينيت، ضمن مقال بقلم تيم دانيالز.
من الآلام إلى القيامة
احتوى الفيلم السابق على عنصر درامي مركزي تمكّن الجمهور مِن فهمه فوراً: معاناة المسيح وتضحيته. أمّا القيامة، كما أوضح غيبسون، فتتطلّب منظوراً أوسع بكثير، إذ لا يُمكن حصر أهميتها في الأحداث المحيطة بقبر فارغ. ولذلك، سيتجاوز الفيلم الجديد النتائج المباشرة للصّلب ليضع المسيح ضمن سياق أوسع لقصّة الخلاص. وقد أشار غيبسون إلى أنّ شخصيّات مثل إبراهيم وموسى وداود ستُساهم في بناء قصّة تتحقّق فيها الوعود القديمة والتاريخ البيبليّ في شخص واحد. تعكس هذه المقاربة قناعة مسيحيّة جوهريّة: لم تكن القيامة معجزة معزولة أُضيفت إلى نهاية رواية الإنجيل، بل كانت الحدث المحوري الذي من خلاله يتجلّى معنى حياة المسيح وموته ورسالته بشكل كامل. ويساعد هذا البُعد اللاهوتي أيضاً في فهم سبب قول غيبسون إنّ الفيلم الجديد قد غيّره، إذ قال ردّاً عن سؤال حول تأثير سنوات العمل على المشروع: “يجب أن تكون مختلفاً روحيّاً”. فهو يعتقد أنّه لا يمكن لأحد أن يقضي سنوات في استكشاف أعمق الأسئلة حول الموت والخلاص والحياة الأبديّة بدون مواجهتها شخصيّاً. وينعكس هذا التحوّل في نبرة تأمّلاته. فخلال مقابلة أجراها معه رايموند أرويو يمكن مشاهدتها عبر موقع يوتيوب، لم يتحدّث غيبسون عن السينما فحسب، بل أيضاً عن المغفرة والمعاناة والعناية الإلهيّة ومريم العذراء، وما يُسمّيه التقليد الكاثوليكي “الأمور الأخيرة”: الموت والدينونة والسماء والنار. وهكذا، يبدو فيلم “القيامة” نتاجاً لرحلة روحيّة وسينمائيّة في آن واحد.
بعد عشرين عاماً من فيلم “آلام المسيح”
سيُعرض الفيلم الجديد بجُزأين: من المقرّر عرض الجزء الأول في 6 أيّار 2027، ليليه الجزء الثاني في 25 أيّار 2028.
في سياق متّصل، بعد ثلاثة وعشرين عاماً على عرض “آلام المسيح”، لا يزال غيبسون مقتنعاً بأنّ تأثيره لا يُقاس فقط بمبيعات التذاكر. وقد استذكر تلقّيه شهادات عن ارتدادات، وسماعه قصصاً لأشخاص أعادوا النظر في حياتهم بعد مشاهدة الفيلم، بل واعترفوا بجرائم خطيرة أخفوها لسنوات. كما تحدّث عن ردود فعل المشاهدين الشباب الذين اكتشفوا الفيلم بعد فترة طويلة من عرضه. وبالنسبة إلى غيبسون، أكّدت ردّات الفعل هذه أمراً لطالما استهانت به هوليوود: كان الجمهور مستعدّاً للالتزام الجادّ بالإيمان. وكان تصميمه هو على تصوير معاناة المسيح بدون تجميلها أحد أكثر جوانب فيلم 2004 إثارةً للجدل، ولم يتراجع غيبسون عن هذا القرار أبداً، فيما أوضح أنّه أراد من المشاهدين أن يدركوا عظمة التضحية بدلاً من اكتشاف نسخة منقّحة من الجلجثة. لم يكن العنف يهدف إلى الصدمة فحسب، بل كان له، من وجهة نظره، غرض لاهوتي: نقل طابع تضحية المسيح. ومع ذلك، لم يكن فيلم “آلام المسيح” بالنسبة إلى غيبسون دعوة للبقاء إلى الأبد عند أقدام الصليب. فالمسيحيّة لا تتوقّف عند يوم الجمعة العظيمة. وهذه هي الفكرة الأساسيّة وراء هذا الفيلم الجديد: يكشف الصليب عن عمق تضحية المسيح، وتكشف القيامة أنّ الكلمة الأخيرة ليست للموت.
مريم، والغفران، والعناية الإلهيّة
من ناحية أخرى، تطرّق غيبسون إلى شخصيّة أخرى لعبت دوراً محوريّاً في فيلمه السابق: مريم العذراء. لم يكن أكثر ما أثار إعجابه قوّتها أو شهرتها، بل تواضعها. فقد وصف مريم بأنّها امرأة لا تسعى إلى لفت الأنظار، وأنّ معاناتها عند أقدام الصليب تمثّل أحد أعمق الأبعاد الإنسانيّة لآلام المسيح: معاناة أمّ تشهد تعذيب ابنها وموته.
لكنّ غيبسون أصرّ أيضاً على أهمّية التسامح. ففي تأمّلاته، لا يمكن للكراهية بأيّ حال من الأحوال أن تشفي المعاناة، حتّى عندما يتعرّض المرء لمعاملة قاسية: “إذا لم تغفر، فأنت من يُعاني”. وقد قادته هذه القناعة بطبيعة الحال إلى تأمّل أعمق في الإيمان والعناية الإلهيّة. ويذكر غيبسون نصيحة والده الذي حذّره من القلق المفرط الذي قد يكون علامة على انعدام الثقة بالعناية الإلهيّة. وهذا موضوع بالغ الأهمّية بالنسبة إلى مُخرج سينمائيّ استغرق مشروعه الجديد سنوات أطول من المتوقّع: تساءل غيبسون عمّا إذا كان قد انتظر طويلاً. فقد مرّت ثلاثة وعشرون سنة على فيلم “آلام المسيح”. واليوم، ينظر إلى هذا التأخير بنظرة مختلفة قائلاً: “لا وجود للمصادفات”. ويعتقد أنّ ما بدا متأخّراً، وصل في الوقت المناسب.
فيلم أكثر تعقيداً، باللغة الإنكليزيّة
على عكس فيلم “آلام المسيح” الذي استخدم لغات قديمة وترجمة، سيُصوَّر فيلم “قيامة المسيح” باللغة الإنكليزيّة. وقد أوضح غيبسون أنّ هذا القرار فرضه موضوع الفيلم نفسه، إذ تمحور حول قصّة مألوفة تدور أحداثها في فترة زمنيّة محدّدة نسبيّاً. أمّا فيلم “القيامة”، فيتناول أفكاراً وأحداثاً بمفهوم أكثر تعقيداً. لم يرغب غيبسون في أن يُعاني المشاهدون في متابعة الترجمة أثناء محاولتهم فهم الأسئلة اللاهوتيّة العميقة التي يطرحها الفيلم.
من الصليب إلى الحياة الأبديّة
اختُتِمَت المقابلة بالتذكير بأنّ اهتمام غيبسون بالقيامة لا ينفصل عن اهتمامه بالمصير النهائي للبشريّة. عندما سُئل عمّا سيحدث مع انتهاء كلّ شيء، أجاب بذكر الحقائق الأربع التقليديّة: الموت، الدينونة، الجنّة، والنار. بالنسبة إلى مخرج أفلام هوليوودي يُروِّج لإنتاج ضخم، كانت الخاتمة بسيطة بشكل غير متوقّع. لكنّها كشفت أيضاً عن الخيط الذي يربط بين فيلمَي غيبسون العظيمَين عن المسيح. يُواجه فيلم “آلام المسيح” البشريّة بالمعاناة والتضحية. أمّا فيلم “القيامة” فيُثير تساؤلات حول معنى هذه الحقائق. وبعد سنوات من التأمّل، يبدو أنّ غيبسون مقتنع بأنّ الإجابة لا تكمن في الجلجثة. فهو يُصرّ على أنّ القصّة لا تزال مستمرّة. ولعلّ هذا هو السبب في أنّ عودته التي طال انتظارها إلى الإنجيل ليست مجرّد جزء ثانٍ، بل هي محاولة لقيادة الجمهور من أحلك لحظات الرواية المسيحيّة إلى الحدث الذي غيّر كلّ شيء بالنسبة إلى المؤمنين: القيامة.
نشكر قراءتكم المقال. إن أردتم تلقّي الأخبار اليوميّة من زينيت عبر البريد الإلكترونيّ، يمكنكم الاشتراك مجانًا عبر الضغط على هذا الرابط
