ترجمة ندى بطرس
على مدى بضعة أسابيع، سيُتاح للزوّار رؤية أحد أقدم رموز عيد الميلاد وأكثرها تكريماً عن كثب وبشكل استثنائي في بازيليك القدّيسة مريم الكبرى البابويّة، بحسب ما أورد الخبر القسم الإنكليزي من موقع زينيت. في التفاصيل، وبتاريخ الأوّل من تشرين الأوّل، غادرت ذخائر “المهد المقدّس” موقعها المعتاد في مذبح الاعتراف المواجه للمذبح البابوي، لتُعرَض في مكان أقرب للمؤمنين والحجّاج. ولا يقتصر الأمر على مجرّد مشروع للحفاظ على الآثار، بل هو حدث يمزج بين الإيمان والتاريخ والفنّ والذّاكرة، ويقدّم للجميع فرصة فريدة لتأمّل ذخائر ترتبط ارتباطاً وثيقاً بهويّة بازيليك القدّيسة مريم الكبرى، تلك البازيليك الرومانيّة التي حافظت على ذكرى ميلاد المسيح عبر القرون.
بازيليك المهد وذكرى مذود بيت لحم
تعود جذور تاريخ المذود المقدّس إلى القرون الأولى للمسيحيّة، وتتشابك مع تاريخ بازيليك القدّيسة مريم الكبرى نفسها. تتألّف الذخائر المحفوظة في البازيليك من خمس قطع من خشب الجمّيز، تُعتَبَر تقليديّاً أنّها أجزاء من المذود الذي وضعت فيه مريم يسوع بعد ولادته، بحسب الإنجيل. ويربط تقليد قديم وجود هذه الذّخائر في روما بحالة التكريم التي نشأت حول مواقع المهد وشخصيّة القدّيس جيروم، الذي عاش في بيت لحم لسنوات عديدة بين القرنَين الرابع والخامس.
ساهم تكريم المذود بشكل عميق في تحديد الهويّة الليتورجيّة والتكريم لهذه البازيليك الرومانيّة، إلى درجة أنّها عُرفت في العصور القديمة باسم “القدّيسة مريم عند المذود”. وهذه الذكرى المرتبطة ببيت لحم هي التي جعلت من هذه البازيليك، على مرّ القرون، “بازيليك عيد الميلاد” بامتياز؛ وهي صِلة لا تقتصر على الذّخائر فحسب، بل تتغلغل في تاريخ البازيليك وطقوسها وحتّى في تراثها الفنّي الاستثنائي.
من فالادييه إلى فيسبينياني: قرنان من الفنّ يحيطان بالمهد المقدّس
يروي التّنسيق الفنّي المهيب لهذه الذّخائر قصّة مهمّة من الفنّ الروماني. سنة 1802، صمّم جوزيبي فالادييه (أحد أبرز شخصيّات المدرسة الكلاسيكيّة الجديدة في روما) مذخراً استثنائيّاً لحفظ الذّخائر المقدّسة. وقد صَمَّمَ هذا العمل على شكل مهد، مستخدماً مواد ثمينة مع أناقة الكلاسيكيّة الجديدة، ليُحوّل المذخر ذاته إلى تجسيد بصريّ لسرّ الميلاد. وبعد عقود، خصّصَ البابا بيوس التاسع للمهد المقدّس إطاراً جديداً مهيباً وفخماً. ففي الفترة ما بين عامَي 1861 و1864، أنشأ المهندس المعماري الروماني فيرجينيو فيسبينياني مذبح الاعتراف أمام المذبح البابوي، وهي مساحة أقلّ انخفاضاً من الأرضيّة خُصِّصَت لتحتضن المذخر. وقد استعرض فيسبينياني تشكيلة من الرّخام المتعدّد الألوان، ضمّت حوالى ستّين صنفاً، تمّ إحضار معظمها من أعمال التنقيب التي كانت جارية آنذاك في روما وأوستيان وقد أصبح هذا جزءاً لا يتجزّأ من هويّة البازيليك، وهو محور مشروع جديد يهدف إلى الجمع بين حماية هذه الذّخائر وتطبيق أحدث معايير الحفظ.
خزانة عرض جديدة لحفظ تاريخ عمره ألفَي عام
انبثق المشروع من الحاجة إلى استبدال الهيكل الداخليّ الحاليّ، المصنوع من ألواح خشبيّة، والذي لم يعد يوفّر ظروفاً مثاليّة ومستقرّة للحفظ. ويتمّ تصميم خزانة العرض الجديدة وفق معايير حديثة تضمن الثبات والأمان والتحكّم في المناخ داخل الخزانة، مع مراعاة الانسجام التامّ مع المحيط التاريخي وبُنية المذبح. ومع ذلك، لن يقتصر العمل على الجوانب التقنيّة فحسب، إذ سيتمّ إنجاز عمل فسيفسائي جديد باللون الأزرق والذهبي خلف المهد المقدّس، لإضفاء سماء ليلة الميلاد رمزيّاً. وسيعكس ترتيب النجوم التشكيل السماوي لتلك الليلة في بيت لحم، ممّا يحوّل خلفيّة التجويف إلى سماء مرصّعة بالنجوم، ويخلق صلة بين روما وبيت لحم، وبين الذّخيرة المقدّسة ومكان ميلاد المسيح.

لقاء استثنائيّ مع المهد المقدّس
ستتيح هذه الأعمال إمكانيّة خوض تجربة فريدة يصعب تكرارها. خلال فترة الترميم، سيُنقل المذخر إلى أحد المذابح الجانبيّة في الرواق الأيمن، بالقرب من كنيسة سيستينا، ممّا يتيح للمؤمنين الاقتراب من “المهد المقدّس” في أجواء من التأمّل والقُرب الروحيّ. كما يحمل اختيار هذا الموقع دلالة أيقونوغرافيّة لافتة، إذ ستدخل الذّخيرة المقدّسة في حوار مع لوحة “البشارة” للفنّان بومبيو باتوني، العائدة للقرن الثامن عشر. وهكذا، ضمن البازيليك، ستتوالى بشارة الملاك لمريم، وصولاً إلى الميلاد، أي من لحظة قولها “ها أنا أمة الرّب”، وحتّى المذود في بيت لحم، من البشارة إلى التجسّد. وسيُحوّل هذا التقابل المعرض المؤقّت إلى رحلة حقيقيّة تجمع بين الإيمان والفنّ.
أمّا في 24 كانون الأوّل، وتماشياً مع تقاليد البازيليك، فسيتمّ نقل “المهد المقدّس” إلى المذبح البابوي، حيث سيظلّ معروضاً طوال زمن الميلاد، على أن يعود – في عيد الظهور الإلهي – إلى مكانه التاريخي حيث ستكون بانتظاره خزانة العرض الجديدة والسقف الفسيفسائي الذي خضع لعمليّة ترميم.
نُشير هنا أنّ أعمال الترميم ستجري تحت إشراف “مديريّة المتاحف والتراث الثقافي” التابعة للفاتيكان، وستُوكَل المهمّة إلى استوديو Progetto Arte Poli في فيرونا، وهو استوديو متخصّص في الفنون المقدّسة ومشاريع الترميم الكبرى.
وهكذا، يتجاوز هذا المعرض المؤقّت كونه مجرد نتاج لمشروع إنشائي، بل يمثّل فرصة استثنائيّة لإعادة اكتشاف أحد كنوز المسيحيّة العظيمة، ورؤيته عن كثب والعبور من خلاله في قلب ألفَي عام من التعبّد والتاريخ والفنّ. ففي بازيليك القدّيسة مريم الكبرى، لا يقتصر الأمر على الاحتفال بعيد الميلاد فحسب، بل يُحفظ العيد في صميم ذاكرة البازيليك ذاتها.
نشكر قراءتكم المقال. إن أردتم تلقّي الأخبار اليوميّة من زينيت عبر البريد الإلكترونيّ، يمكنكم الاشتراك مجانًا عبر الضغط على هذا الرابط
